الحسين ولد محمد عمر - مدير كبير بالوزارة


فتح محمد سالم الباب صباحا وهو يردد عبارته الأبدية "سبحان الله ،سبحان الله ....." ، الساعة تشير إلى الثامنة والنصف، يرتدي قميص أحمر فاتح، بنطلون أخضر عركته السنين، على ما يبدو، عمامة تتدلى منها قطعة على ظهره علامة خاصة بنوع من المتدينين الورعين، ولحية كثة غير ممشطة تتخللها شعرات شيب قليلة جدا، يبدو نحيلا نوعا ما، منظره العام يفرض عليك احترمه ، فهو من رواد المساجد و علامة الصلاة بادية على جبهته تنحسر عنها العمامة قليلا كأنه يفتخر بها، نظر إلي بوجهه النحيل وقال لي باسما: ماذا تفعل هنا في هذا الوقت بني؟ وأردف ، السيد المدير لن يأتي الآن، سيذهب بأبنائه إلى المدرسة ومن ثم يعود للبيت ليستحم قبل أن يمر بزوجته الثانية، لكنه استدرك بشكل مثير، قائلا ، استحلفك بالله لا تذكر الكلمة الأخيرة لأحد ، خاصة السيد المدير، لقد أوصاني بكتمان هذا الأمر، إنه يثق في كثيرا وإذا سمع بالأمر سينقطع رزقي، بادرته قائلا، الرزق عند الله، وأنت لاشك تدرك ذلك، ولكن اطمئن من هذه الناحية، هذا لا يهمني. رجع له شكله الطبيعي وقال بنبرة عادية خالية من الفزع، هل تبحث عن عمل؟، أشرت برأسي أنْ نعم، قال ، سأكلمه لك ،ثق بي، اعتبر نفسك حصلت على عمل منذ الآن، أنا مخزن سره، لا يرد لي طلب، لقد توسطت لقريب عندي وعينه على أملاكه الخاصة، ولكنه استقال منذ فترة قصيرة ، ولم يقل لي السبب. بعد ساعتين من الانتظار أقبل السيد المدير بجسمه الممتلئ ووجهه المستدير، بشنب مفتول إلى الأطراف، يضع نظارات فوق أنفه الطويل قليلا، تظهر عليه الراحة بكرشه البارز إلى الأمام وعجزيه الذين يرتفعان وينخفضان بوضوح شديد عندما يسير، رأسه أصلع نظيف إلا من شعيرات قليلة فوق أذنيه الصغيرتين، نظر إلي شزراً، أقف ملاصقا لباب مكتبه، ومحمد سالم ينظر إلي باهتمام زائد، كأنه يحذرني من زلة لسان قد تقطع رزقه الوحيد، لم يقل لي كلمة واحدة، ولم أتكلم بدوري، دلف إلى داخل مكتبه، ينادي محمد سالم من خلال موسيقى الباب القوية، انسل بهدوء و أغلق الباب خلفه بإحكام، حتى لا أسمع ما يدور بينهما من أسرار، يبدو أنه لم يتلق الاتصال الخاص بي المتعلق بهذه الوظيفة، أكاد في مكاني أن أجزم بتفاصيل الحديث الدائر بينهما. بعد دقائق خرج محمد – لقد اعتاد الزوار مناداته بهذا الاسم اختصارا لمحمد سالم- ورمقني بعينيه الصفراوين وقال: لقد أخبرته عنك ولكنه الآن مشغول ببعض الأعمال، ثم أردف متوسلا، أرجو أن تحتفظ بما دار بينا من أسرار عن و أشار بإبهام يده اليسرى إلى قفاه إلى الباب، فهمت القصد وهززت رأسي بالموافقة وهممت بالانصراف، أطل المدير بكرشه المنفوخ الذي يتقدمه ببضع سنتيمترات وأنفه الطويل وكأن الله خلقه بهذا الطول ليجذب القدر الكافي من الأكسجين لهذا الكرش، أشار إلي أنْ تعالْ، أغلقنا الباب خلفنا، مكتب فسيح وفرش ناعم ، أربعة مقاعد جلود من الطراز الرفيع ومكتب إيطالي فخم أمامه منضدة زجاجية عليها عصائر باردة وحلوة المذاق، جهاز كمبيوتر شخصي وآخر خاص بالمكتب، أوراق مبعثرة فوق المكتب، استطعت أن أميز مجلة فرنسية، على غلافها صور بدت خليعة نوعا ما، وقف كمن يريد أخذ شيء ما وأزال المجلة بهدوء تام، وأردف ليشتت انتباهي عن الأمر، تفضل بني كلي آذان صاغية، هل أعرفك؟ صدمت قليلا، فالاتصال الذي انتظرت لم يحدث، قلت بعد أن لملمت شتات أفكاري، وبتأن مبالغ فيه حتي لا يظهر ضعفي أمامه، شكرا لكم سيادة المدير على الإستقبال - ابتسم بامتنان لتسفر ابتسامته عن أسنان متراصة ونظيفة جدا- ، أنا متخرج من سوريا في إدارة الأعمال، كنت قد ذهبت هناك بمنحة من الدولة، وللأسف لم أحصل على عمل منذ عدت قبل سبعة أشهر إلا أسبوع تحديدا، فعلت وجهه ابتسامة خفيفة، ربما إعجابا بدقتي في تحديد التاريخ، لقد دلني عليكم زميل لي، قال إنكم تهتمون بالشباب خاصة، ثم سكتتُّ.

تحرك قليلا في مقعده وبدا مزهوا بهذه الشهادة المجانية، الكاذبة، كما علمت بعد ذلك من خلال عملي، كان يعرف أنه لا يقدم خدمة إلا للنساء الجميلات، لقد لمح لي البواب عن ذلك ولكنه كان كل مرة يشر فيها للأمر يعود لتسبيحه وتحميده كمن يكفر عن أمر ما، قال لي محمد سالم باستغراب سيادة المدير لا يحب إلا العطور النسائية الفاخرة، سمعته أكثر من مرة يتصل ويقول لإحداهن هل اشتريت الملحفة الفلانية إنها جميلة عليك ، أريد أن أراك وقد ارتديتها، وحبذا لو زرتني في المكتب. كان ذلك أول قدوم لسيدة إلى هذا المكان، كانت جميلة جدا، استغفر الله، ملحفتها كذلك من نوع غالي، استغفر الله، عطرها بقي في المكتب حتى المساء، استغفر الله، ثم أردف باهتمام كبير وتعجب! إنهن بنات الليل والعياذ بالله، اللهم لا تأخذني بذنب غيري يا أرحم الراحمين!، قال لي بعد أنْ اطمأن إلي، مدير حقير يستغل منصبه لجلب النساء والعبث معهن، أقسم أني سمعت في بعض الأحيان أصوات غريبة تنبعث من هذا خلف هذا الباب، ثم ينظر إلى السماء كمن يعتذر من الله ، رافعا يديه، اللهم إني ليس لي من باب رزق إلا هذا فلا تعذبني بجرم غيري، ويضيف ، ثم تخرج إحداهن راضية بما غنمت من فحل رجال يترك زوجته في البيت معتقدة بعفة زوجها الذي لا تذكر أبدا أن سبحته الطويلة فارقت يده ولو لمرة واحدة، كما لا يمكن نسيان سجادته التي يضعها بجانبه دائما، ليصلي عليها صلاة العصر في مكتبه الفخم.


* الرأي الحر

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...