محمد جميز - الرحيل الأكبر.. قصة قصيرة

حاوِل أن تغيِّر المشهد، ضَع النافذة مكان قلبك، وثبِّت قلبك مكان الشمس، وافتح الصنبور، واغسل وجهك، وامسح عن مرآتك خيباتها، ابتسم، حاول أن تبتسم.
واجه حكاياتك، أعطِ لها فرصة البَوْح، سترضى، سترتاح، قمتَ بدور البطولة حتى النهاية، قد أنصفتك الذكريات.
هل ترى هذا الشاب؟
يُشبهك، تُشبهه، ليس هذا ما أقصده.
رغم كل شيء، يبتسم، يغني.
أعلم، ابتسامته موجوعة، غناؤه أنين، لكنه يحاول، وسينجح، سيخرج من حكايته، ويجتاز المحبس، ما أعظم أن تتحرر من نفسك، ونفسك هي المعتقل الأكبر.
كان يملك كل خيوط اللعبة، مُخرجٌ لمسرح الظل، وهي كانت إعلانًا تجاريًّا لسلعة مطموسة الملامح، مَرت في شاشته..
أشفق عليها، الشفقة استحالت إلى عادة، والعادة أنجبت مولودًا مشوَّهًا، والإعلان التجاري اسـتأجر الشاشة كلها، لم يجد اسمًا لها، فكيف يستطيع إذًا تسمية المولود؟
نظر إلى التقويم؛ اكتشف أنه كان ميتًا لمدة سنة، هذيان، صرخة، بكاء طويل، وسكوت.
تذكَّر صديقه الراحل، همس له ذات يومٍ: ابتعد عنها، ما بينكما ليس له اسم، لا يصلح ذكرى ولا حكاية، وسيترك لك إرثًا ثقيلاً وسامًا.
ترحَّم على صديقه، وراح يزيل الفوضى من غرفته، ويمسح عن حوائطها حواديت العنكبوت، وأمسك بالمولود المشوَّه، وأخذ يقلِّب في صفحاته.
الصفحة الأولى:
قارئة الكف تحذر: هناك عين تَرقبك منذ زمن، تتمناك، ستصنع المستحيل لتنالك، لا تتناول منها شيئًا، قد وضعت كلماتها في المشروب.
الصفحة العشرون:
هي، هو، الوقت متأخر جدًّا، والليل حزين لما يحدث تحت سقفه، تراني، يستفهم الذي يتأبط ذراعها عمَّ بها، والمشهد حقيقة، والحقيقة زَهقُ روحٍ، وهذه الروح يومًا كانت حُلمَها، ونادى الليل: يا غريب، إنها مسكينة، سامحها، لا جواب، كنت مشغولاً بالتجهيز لجنازتي، ومقبرتي.
****
فتح النافذة، شاهَدَ السماء، اشتم رحيقها، ألقى بالمولود المشوه بعيدًا، وابتسم.
وها هو ذا يجلس إلى طاولته، في نفس المقهى، ويتناول قهوته، ويراها على الجانب الآخر من الطريق، يبتسم، ويهمس في نفسه: هذه المرة أنا هنا من أجلي، من أجلي فقط، وتتسع ابتسامته حين يراها تغدو وتروح، معتقدة أنه هنا من أجلها، ويتركها لخيالاتها.. وجودها لا يُفرحه، لا يُحزنه، لا شيء.
هل تُشبهه أم يُشبهك؟
تضحك؟ الآن تضحك، تعرف أن سؤالي هذا إجابة.
صدقني: نحن في رحلة الرحيل الأكبر، وحياتنا جزءٌ بسيط من الرحلة، فتعلَّم كيف تفرح، كيف تعيش، كيف تترك أثرًا جميلاً، تسمعني: أثرًا جميلاً.

محمد جميز





تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...