ياسر عثمان - الخطاب

مزيج من أحاسيس القلق، والحيرة، والرغبة والتطلع، والفرح، وتوصيفات أخرى تنوء بلحظتها الراغبة في معرفة المجهول الذي يكاد يكون معلوماً، إذ تصور لها النبضات أحياناً أن ما في الخطاب ليس إلا" تحصيل حاصل" لما تتطلع إليه من كلماته الرقيقة التي تؤرخ في كتب العشق للحظة وصاحبتها.. تلك الأحاسيس كانت المحصلة النهائية التي أمسكت بتلابيب لحظتها العاشقة منذ دخولها البيت، ثم إغلاق الباب خلفها في تلك المرة بالذات، على الرغم من أنها كانت تنسى غلقه بإحكام في كل مرة، ثم تعود لتحكم الغلق بعد كلمات التوبيخ الجميلة التي تسمعها من أمها في كل مرة مثل: " اللي واخد عقلك.. ما أنت اتعودتي إن حد يقفلك ويفتحلك زي بنات الباشاوات بتوع زمان.. يمكن فاكرة إن أبوكي ما هوش فران ولا حاجة.. يمكن فاكراه وزير واللا باشا من إياهم علشان كده عايشالي فـ الدور.. وماشيه: يا دنيا اتهدي ما عليكي قدي".

ارتمت فوق السرير.. ليست متعبة إلى حد الارتماء ولكن استسلاماً منها لهاجس التوقع الذي يكتنف مثل تلك اللحظات الحالمة، وانتشاءً بأحاسيس اللذة التي يشعلها القلق اللذيذ الذي يحيل اللحظة جمراً يملأ عليها كل ثغرات الفراغ عندما ترمي رأسها على الوسادة لتداعب حلمها المراوغ.

تمنت تلك المرة أن يكون واضحاً نافضاً عنه عباءةَ الترميز، و أوسمة التشجيع التي يمنحها إياه أستاذ النقد الحديث بعدما يداخل معه- في خلال المحاضرة - في بعض ظواهر الحداثة والنقد الحديث.. ليته ينزل هذه المرة إلى عقل التي التحقت بكلية الآداب استجابة لقيود مكتب التنسيق وليس حباً في الآداب مثلما التحق هو بالكلية نفسها.. ليته يتخلص تلك المرة من غموض الحداثة وضبابية التعبير التي انسحبت على حديثه اليومي مع أصحابه الذين يعلقون على كلامه الغامض أحياناً بقولهم "كلمنا بالعربي من فضلك.. يا أخي ده النبي عربي" فيعتذر لهم بعفويته المستمدة من حبه للشعر الحديث الذي يكتبه ويداخل فيه أحياناً عبر صفحات المجلات المتخصصة في النقد و الثقافات الحديثة.

صوت أمها يأتي من "الصالة" مشحوناً بالاستنكار و الغضب الهادئ:

- نشوى.. نشوى؟

تتثاقل في ردها وتبعثر الحروف على شفاهها موحيةً لأمها بالتعب والرغبة فى النوم:

- نعم يا ماما

- نعم الله عليكِ يا ختي!

- معلهش يا ماما ممكن....

يأتيها صوت أمها- مقاطعاً- بالإفراج:

- نامي.. خلاص.. مش ضروري.. لما تقومي من النوم.

امتدت يدها إلى الحقيبة التي كانت قد سبقتها في الارتماء على السرير في الركن الملامس للحائط.. وضعتها فوق صدرها، فتسرب نبض قلبها إلى الحقيبة في مشهد من مشاهد العناق الذي تولده الرغبات المشتركة بين قلبين..تخرج الخطاب من الحقيبة، وتنزع عنه الظرف ببطء وخبرة الفنان الذي يخاف أن تمتد فرشاته إلى حيث لا يريد أن تعبث الألوان بوجه اللوحة، أو تنال منه بدلاً من أن تضيف إليه.. تخرج ما في الظرف وتفك ثنياته لتفاجأ بورقةٍ كبيرة خالية تماماً من أي حرف إلا من علامة استفهام ذات كرش كبير ترغب في الامتلاء!

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...