نزار حسين راشد - كنت في مصر:من مذكرات زوجة طبيب

الحمل هنا في مصر، حدثٌ يُستقبل بكثير من الحفاوة والتعاطف، النساء طبعاً هنّ من يشيع تلك الحفاوة ويبد أن بتحسُّسكِ برفق مبالغ فيه،وكأنّكِ زجاجة هشّة قابلة للكسر، وكوني زوجة أجنبي وطبيب وفي منظّمة الصّحة العالمية،فقد جعلني ذلك أكثر استحقاقاً في نظرهن رُبّما، الأجنبي أو الخواجا كما يطلقون عليه هنا في مصر، موضوعٌ دائماً في دائرة الضوء، وهو دائماً في بينٍ بين البينين،أو منزلة بين المنزلتين،الإطراء أو الإزدراء، والمبالغ فيهما في كلتا الحالتين،السيدات يكثرن من زياراتي،ويمحضنني النصائح ويصفن لي مغلي الأعشاب،رغم ما يسود في الجو من قتامة لم تنقشع غيومها بعد من سماء مصر،عقب اغتيال الرئيس السادات.

كانت وجهة نظر زوجي أن الطرفان تآمرا على اغتياله،من له مصلحة في اغتيال الحلم الذي اعتبروه زائفاً وخادعاً،وخروجاً عن مسار الدين والتاريخ والهوية، أولئك الحالمون السياسيون بكافة أطيافهم،والمتشبثون بإحياء الأمجاد القديمة،وعلى ضفة القناة الأخرى الذين أرادوا اغتيال الحقيقة،لأنها لا تصب في حلمهم القديم العظيم بدورهم،وهكذا التقى الطرفان على أمر جامع،وعثروا على وسيط وأدوات لتنفيذ مخططهم،وهكذا يصنع التاريخ،في جزء منه على الأقل. وهكذا فإن الأمر لا يختلف كثيرا على جانبي الخصومة أو على ضفتي القناة،إنها طريقة التفكير نفسها التي اجترح السادات خطيئة مخالفتها،فاعتبر مجدّفاً من كلا الفريقين،فقرروا إزاحته من الطريق،ليكمل الحلم طريقه!يا له من موت رومانسي عند تقاطع التاريخ، الأمر الذي لم يدركه السادات نفسه فقضى نحبه ضحية غافلة وكبش فداء.

هنا في مصر أنت تعيش مع كل الناس وليس لنفسك أو داخل دائرة مغلقة من المعارف والأصدقاء،فبمجرد أن تخطو خارج عتبة بيتك،تصبح تلقائياً جزءاً من العائلة الكبيرة،تتحدث إلى الجميع والجميع يتحدثون إليك دون كبير كلفة،وعن كل شيء ،من ضمّة البقلة إلى مصير الأوطان.

قرّر زوجي أنني سأمضي فترة الحمل وأبقى هنا في مصر حتى أضع طفلي،ولا داعي أن نتعرض لضغوط السفر والانتقال في هذه الفترة الحساسة.

وحين رأت أختا زوجي غرترود وميشيلا أن إقامتنا ستطول في مصر،قررن زيارتنا في مصر وليستكشفا أسرار الفراعنة وعلى خطى هوارد كارتر كما قالتا،حيث أن مصر تثير خيالهما،وهما تشعران بإثارة كبيرة لمجرد أنهما اتخذتا القرار.

قال زوجي إن رحلة إلى الأقصر واستكشاف وادي الملوك لن تضرني شيئاً ولا بأس من إسعاد غرترود وميشيلا اللاتي قدمتا خصيصاً لذلك.

لقد انبهرتا كثيراً بهذا الصرح الحجري العملاق والأنيق المتقن والذي يذكرهما بجزيرة الفصح،عمالقة حجرية في كل أنحاء الكون تساءلت غرترود مفصحة عن دهشتها،أما ميشيلا فقد تساءلت عن سر هذا العدد الكبير من الأكباش في الواجهة،وأجابها توم أن الفرعون توقع أن يسأله أحد ما هذا السؤال وأجاب عنه مسبقاً:

لقد كنت أتسلى فقط.

ضحكت ميشيلا قائلة:ومن أين لك ان تعرف ما قاله الفرعون،ام أنك تطلق دعاباتك فقط لتستغفلني؟

' أيتها السائحة الجاهلة هذا ما وجد مكتوباً في أوراق البردى باللغة الهيروغليفية التي حللها شامبليون عقب اكتشافه حجر الرشيد! ولعلك لا تعرفين من هو شامبليون هذا؟

وتجيب ميشيلا مغتاظة:

- لا بل أعرف ،إنه ذلك المهندس الفرنسي الذي حفر قناة السويس.

يلتفت إلي توم ضاحكاً:

-هل رايت جهلاً أكثر من هذا؟أم انك لا تعرفين أنت الأخرى؟

ولم يستطع توم إلا أن يفصح عن أفكاره،ويتساءل بصوتٍ عالٍ: كيف انتهت هذه الحضارة الضخمة على يد راعي غنم من بني إسرائيل اختاره الله ليكون نبياً،ويضع حدا لعظمة الفرعون وأبهته بعصاه التي يهش بها على غنمه،لينقلب عليه زوجته وسحرته ويعتنقوا الدين الجديد،وكذا أوصد باب التاريخ وراء حقبة من تاريخ البشرية،لتبدأ حقبة أخرى ،هي حقبة الوحي والأديان وترسم مسار التاريخ حتى هذه اللحظة التي نعيشها،فهاهم بنو إسرائيل قد عادوا لإزعاج الفرعون مرة أخرى،وربما ظنوا أنهم باغتيال السادات قد اغتالوا آخر الفراعنة كما كان يحلو له أن يسمي نفسه.

ولكن من سيخلف الفرعون؟ أتباع موسى أم أصحاب محمد؟

هذا هو السؤال برسم الإجابة؟

وأنبري قائلة:

- لقد أجبت على ذلك بنفسك حين اعتنقت ديانة محمد وتزوجت بواحدة من أمته،أو إحدى حفيداته حتى فنحن ايضاً من الشجرة.

نزار حسين راشد

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...