خواطر من زمن خاط

"خواطر من زمن خاطر"
اليوم سنخرج في رحلة مفتوحة احتفاء بإكمال الصغير محمد سنته الثالثة،ونقيم له عيد ميلاد في العراء،سننصب خيمتنا حتى لو اضطررنا لرشوة الحراس،لن نحبس أنفسنا داخل مطعم،فسيصيبنا ذلك جميعاً بالاكتئاب!
ابتعدنا قدر المستطاع عن مواقع الزحام،أشعلنا نار نا وموسيقانا،وبدأنا في الصخب،ويبدو أن ذلك جذب إلينا الأنظار،أقربهم كان جندياً شاباً ببدلته العسكرية،بصحبة رجل وامرأة متوسطي العمر يبدو أنهما والداه.
تحمّست ميشيلا لفكرة دعوتهم للانضنام إلينا،تعاطفاً مع هذه الحميمية العائلية وعلقت:
-الأبوة والبنوة هي ما تبقى من مقدسات هذا العالم،بعد أن هدمت معالمها الكبيرة يد الإنسان!
استجابوا بعد إلحاحٍ من ميشيلا وتبادل للإشارات باليد.
وقالت المرأة:
-خواجات !ازاي حنتفاهم معاهم؟
ولكني طمأنتها بلهجة مؤكدة:
-أنا عربية فلسطينية!
وعبرت المرأة محتجة عن عدم قناعتها:
- طب ازاي؟ومجوزة خواجة؟
ثم أفضت بشكوكها:
-اوعوا تكونوا من إسرائيل!حتشبهونا أنا ابني عسكري!ما يصحش!
دعوتهم للجلوس وأنا أطمئنهم وأعلن بلهجة واثقة:
-اسرائيليين إيه؟ده جوزي واخواتي من السويد!وهومسلم أصلاً!
ابتسم الجندي الشاب و ربّت على كتف والدته مطمئناً،أما الوالد فقد اعتصم بالصمت والابتسام،على اعتراضات زوجته،والتي لم تلبث أن اكدت شكوكها،التي لم تهدأ بعد:
-طب لما انت فلسطينية،بتتكلمي مصري ازاي؟اصل يهود كتير مصريين هاجروا لاسرائيل،ودلوقت بيرجعوا تاني،بعد السلام وللا ما اعرفش اسمه إيه؟
و عاد الإبن لطمأنتها ابنها مرّة اخرى قائلاً:
-دول خواجات ما بيكدبوش! بعدين الست قالتلك انها فلسطينية،وما فيش يهودي أصلاً بيقول عن حاله فلسطيني!ده حتى بيعتبروها خيانة!
يبدو أن عبارته الاخيرة أقنعتها وهدأ خاطرها أخيراً،قضينا يوماً مرحاً وتناولوا معنا طعام الغداء وتوليت أنا مهمة الدردشة والترجمة،واستمتع الجميع بوقتهم،وقبل أن يغادروا اقترحت ميشيلا التقاط صورة ولكن الجندي أوقفها بإشارة من يده وهي تهيء كاميرتها،وقال إنه ممنوع على العسكري أن يتصور ببزته العسكرية،ولكن ميشيلا التقطت الصورة على عجل وفات أوان الإحتجاج،ولم يملك الجندي سوى الإبتسام والتسليم بالأمر الواقع،لا بل طلبت منه ميشيلا أن ينتظر حتى تجف الصورة الفورية ويوقع لها على ظهرها،وكان الجندي يغالب خجله ورغبته في الرفض،ولكن غلبته طيبته ورغبته في مكافأتنا بشيء ما على استضافتنا السخية لهم،وأخيراً لبى رغبة ميشيلا ووقع على ظهر الصورة بكلمة واحدة:سليمان!
لم تمض شهور على تلك الواقعة حتى أطلت علي صورة سليمان من مانشيتات جرائد الصباح:جندي مصري يقتل سبعة متسللين إسرائيليين!
هرعت بالصحيفة إلى توماس وفزعت ميشيلا إلى المشهد واتفقنا كلنا أن هذا هو نفس الجندي الذي كان بصحبتنا في ذلك اليوم،وأحضرت ميشيلا الصورة وتأكّدت انا من التوقيع على ظهرها:سليمان!نفس الإسم المنشور في الجرائد،هذه أكثر من مصادفة!إنه هو هو بشحمه ولحمه!
قرأت اتوماس تفاصيل الخبر،وكان حريصاً على متابعة كل ما يستجد،وأنا ايضاً اصبت بعدوى الفضول!
هزّ توماس رأسه مستنكراً:لماذا يقتل سياحاً ونساء عاريات؟
وظلت هذه الفكرة تؤرقه،حتى أتيته أنا أخيراً بالخبر اليقين،وكانت الصحف تنشر كل تفاصيل حياة سليمان خاطر،وفي طفولته كان قد شهد القصف الإسرائيلي لمدرسة بحر البقر الواقعة على مقربة من قريته،وهرع إلى المشهد وشاهد جثث أترابه الممزقة وأشلاءهم المتناثرة،ويبدو ان المشهد رسب في ذاكرته وعبأها بالثار،وهذا ما وشت به تصريحات أخته للصحف:
-لم ينم ليلتها،ولم ينبس ببنت شفه ولم يأكل إلا لماماً،وبقي على هذه الحال لأسابيع، يبدو ان الألم بداخله كان أكبر من أن تحتمله مشاعر طفل في التاسعة،وحسّاسٌ أيضاً كسليمان.
قرأت لتوماس الخبر واستمع بصمت بالغ،ويبدو أن ذلك أراحه كثيراً،وأخيراً قال:
-لا أستطيع أن ألومه إذا أخذ بثاره على طريقة السن بالسن والعين بالعين والباديء أظلم!
نزار حسين راشد

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...