ناهدة جابر جاسم - العاشقة والسكير

صحوت على رنات تلفوني النقال، لم أفلح بالرد. كان رقما مرمزاً، فضولي صار شديداً لسماع الرسالة المتروكة في آلة التسجيل، أصابني شعور غريب. بدأت أخمن من يكون صاحب الرقم السري الذي حاول، جاءني صوته رقيقاً، حنوناً، دافئاً، فأصابني الذهول من نبرات صوته وهو يسأل عني وعن حالي، كان مرتبكاً وهو يخبرني بكيفية الحصول على رقم هاتفي الجديد، الذي لم أمنحه إلا لأصدقائي المقربين جداً. ترك رقم هاتفه لي وجملة قصيرة تقول:
”Vil du være søde at ringe mig op min kære”-
”Jeg savner din stemme”-
- يا غاليتي حاولي الاتصال بي، عرفت وسمعت عما أصابك من أحزان، أفتقد صوتك
أعادني صوته إلى سنواتٍ من عمري كنتُ فيها امنح رحيق فرحي لكل من حولي، كان طالباً في مرحلة تطبيقية من دراسته في الدائرة التي اعمل بها تلك الفترة، وكان من ضمن عملي وضع وتنظيم خطة عمل للطلبة الذين يقبلوا لتكملة دراستهم التطبيقية والمهنية في منظمة إنسانية، كنت أقوم بواجبي الوظيفي مع الطلبة الذي مروا في حياتي العملية بمهنية، لكنه كان مختلفا، كان شاباً مفعماً بالحيوية شغوفاً بحب التعرف على ثقافات وشعوب الشرق الأوسط، وخصوصاً بلدي العراق في الفترة التي كان يحاول فيها العالم الغربي وأمريكا تغير النظام السياسي فيه.
فاجأني وهو يقول لي:
- سمعت وقرأت الكثير عنك قبل أن أتي إلى هنا، أنت السبب الجوهري في طلبي لإكمال دراستي التطبيقية في منظمتكم!.
كعادتي حاورته بكل جدية وصرامة المرأة الشرقية والتي خبرتها الحياة، التجربة، المنفى.
- وماذا يعني هذا!
قلتُ مع نفسي بينما هو يكمل:
- بعد أن عرفت بالتحديد كونك المكلفة بالأشراف على عملي قررتُ الموافقة على شروط التطبيق التي طرحت في المقابلة مع مدير قسمكم. أنت لا تدركين سعادتي لحظة استقبالك وذكر أسمك الذي حاولت مرات لا تعد على نطقه بطريقة مضبوطة لا أزعجك كالآخرين حين يحورون بلفظه. وكنت أسأل نفسي هل أنا في حلم أم هي حقيقة وأنت تشخصين أمامي بلحمك ودمك وسمارك الاصلي المختلف عن سمار بنات جلدتي اللواتي يدفعن ويحبسن أجسادهن في حمامات شمسية. أنت حلمي الذي أرقني وسهّرني ليالٍ طوال!.
صَمتُ، ولم اعرف ماذا أجيب هذا الكائن الذي اقتحم ملكوت روحي المدلهة بشيخٍ سكيرٍ عابث بيومه وحياتي.
مر أسبوع، اثنان، ثلاثة، حاولت فيها معاملته بمهنية عالية وحازمة، ولكن لا خلاص منه، يوميا يستقبلني بوردة حمراء ويقبل يدي، فيذكرني بوالدي حينما يعود من عمله إلى البيت وبيده باقة ورد حمراء يوزعها علينا نحن بناته الأربع مردداً:
- ربي يْحْبْني، أعطاني هيجْ بناتْ حلواتْ!.
لم تكن يدي تأخذ الوردة بل روحي المهجورة التي كانت ليلتها الماضية قاسية، وجسدي مهجور قرب حبيب عمرٍ مشغول بكأسه ونزواته التي لم أكن متيقنة منها بعد، كانت مجرد هواجس وشكوك من سلوكه الغريب والشاذ معي.
منذ بدئه بالعمل ويومي لم يفرغ من ورد وصباح جميل وَقُبَل خجلة على خديّ ويديّ وأمنيات بمساء سعيد مع عائلتي.
كنت أحس عذابه ولوعته من تجاهلي لما يكنه لي من حب. صبر كثيراً وفي لحظة لم يحتمل قسوتي ومعاملتي الرسمية التي أصبحت أكثر من مهنية حيث عدتُ أتحاشى الحوار معه لوحدنا. لم يحتمل إذ أنتظر في يومٍ حتى غادر زملائي فأقتحم غرفتي وسجد أمامي وراح يصلي ويتمتم بكلمات لا افهمها.
كانت لحظة صوفية بكل ما تحمل الفلسفة الصوفية من معاني الوجد والحب. أصبتُ بالخرس. جمدتُ صامتة وهو يهذي ويهذي.
- هل تتصورين أنني لم اشعر بعذابك وحزن عينيك رغم تمثيلك بكونك سعيدة.
- ...!
- تعالي يا محبوبتي فأنا شاطئك وأنا من يحتوي روحك التي بعثرها وتمتع بعذابها رجل شرقي لا يستحق أن يلمس بشرة وجهك المعجون بشمس الشرق ومائه وترابه
- ...!.
- قولي نعم وتعالي لنرحل إلى عالمٍ لا يفهمه شيخك البدوي!.
وراح يردد جملة واحدة
Give mig en chance!-
أعطيني فرصة واحدة.. أعطيني فرصة واحدة
ارتبكت، وأصبت بدهشةٍ من صراحته وجرأته، وخفت من روحي المتعبة والمتشبثة والموهومة بحبٍ تصورته أبديا.ً
صرخ صوت بداخلي، صوتٌ أقوى من كل القيود التي خلقتها وتوهمتها بحب ابدي، صوتٌ نبّع من روح روحي:
- أعطيه فرصة,,,حاولي يا مجنونة أن تتمتعي بلحظتك، هذا عاشق موهوم بمحبوبة تمنحه السعادة
مرت ثوانٍ كأنها دهرٌ وأنا بين الدهشة والفرح بهذا الذي يحلم بحبي!
- جربي يا روحي، اغتنمي وعيشي لحظتك، أمنحي لحظة فرح وحب يا روحي!
- ألم تكوني منذ بدء الخليقة آلهة حبٍ ومانحةَ حياة!.
- أنت يا عشتار السومرية امنحي ما استطعت من حبٍ لهذا الفتى المسكين الموهوم
صراع احتدم للحظة وهو يبرك على ركبتيه متوسلاً، صراع وحوار مع ذاتي المتشظية بين بلاد النهرين وبلاد الفايكنغ.
ونبَّ صوت قديم من مجاهل بعيدة:
- لا..لا يا روحي تعقلي!.
حاولت بكل دبلوماسية علمتني إياها الحياة في مخاضها العسير أن أهدئ من دفق مشاعره!.
أعادني تلفونه اليوم إلى تلك السنين ومرارتي في سنوات المنفى.
- كم عاشق مسكين رفضت يا روحي وكم خاطر ودود كسرتي يا روحي!.
ذهبت إلى الحمام لكي أغسل وجهي وجسدي من تعب وخيبة سنوات المنفى,,,
احتسيت نخباً بصحةِ شبابي وروحي التواقة للحب والحياة، رقصت، ترنمتُ مع أغانٍ افريقية في سي دي أهدته لي صديقتي الدنمركية الجميلة لونا، المخلوقة التي عشقتني وتكن لي مشاعر لم المسها حتى من أمي التي أسمتني "نهدة" الذي يعني حسرة، وأنا فعلاً بقيتُ حسرةً في قلوب الكثير من الرجال الذين مروا بحياتي ومنهم هذا المسكين الذي اتصل بي اليوم وحاول أن يعبث بروحي المبعثرة الحائرة!.
أنصت إلى روحي وعذابها وخسارتها وفقدانها، وخيبتها من حبيب الصبا والشباب
ساعدني يا ألهي.. ساعدني يا علي يا أبو الحسن يا من تتمسك شباك ضريحك كل أمهاتنا والنساء الخائبات والمتكتمات على أحزانهن وبؤسهن.
مسكينةٌ أنا، عاشقة غجريةٌ روحها طائرٌ ضائع يبحث عن عشٍ يمنحها الدفء!.
وحيدةٌ وغريبةٌ مع ألمي
وحيدةٌ مع حزني ومرضي
وحيدة أحمل جثمان قصة عمري وشجنه إلى سماء ليست لها لون، سماء شاحبة كشحوب حب من عشقت، كشحوب قصة حبي
وحيدة مع وجعي، مع يقيني من حياة خاوية وقصة حب عمري المذبوح.
وحيدة أحتسي كأس خيبتي، وأرنم مع صوت "رياض أحمد" النائح
- سري لما أموت
وحيدة وشيخي السكير الذي أعشق تركني إلى امرأة أخرى


10 آذار 2010
الدنمرك

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...