مقتطف محمود شاهين - (21) في حضرة ربّة الجمال.. ربّة الكون!

( فصل من رواية قصة الخلق )

يستلقي محمود أبو الجدايل في هدأة الليل السابق لانبلاج الفجر ، على أرجوحة في حديقة بيت لمى ، تحيط به نباتات لأزهار من الجوري والريحان وعباد الشمس ، وأشجار ليمون وياسمين وسفرجل ، تفوح منها روائح عطرة تتضوع في المكان، وسط سكون مطبق من حوله . ينظربعيدا في الفضاء متأملا النجوم التي طالما تأملها كثيراً قبل النوم في بطاح برية القدس إبان طفولته، حين كان يخلد إلى النوم صيفا في العراء إلى جانب قطيع الأغنام .. يطلق العنان لخياله ليحلق بينها ، مبتدئا بالتجرد من ثقل جسده متوغلا في أعماق نفسه، ليغدو بوزن الريشة .. يطير متجولا في الفضاء تحف به أسراب من نجوم سماوية ، يبحربعيدا في أغوارالكون، ممتطيا متن سرير ملائكي.. يسبح في هالات من الأنوارمختلفة الألوان.. يتلون جسده بكل الألوان التي يمر سريره عبرها ..يهتف صوت مألوف له ، طالما سمعه كثيرا وهو يغرق في تأملاته .. إنه صوت الله دون شك :

" إلى أين أنت ذاهب يا محمود " ؟

"أبحث عنك يا إلهي "

" تبحث عني ؟ أنت تعرف أنني في كل مكان "

" أريد أن أراك مجسّداً"

" وتعرف أنني مجسد في كل شيء، فليس هناك من هو مجسد بغير مادتي "

" أريد أن أراك مجسّداً أمامي في أجمل جسد تحبه "

" لماذا تريد ذلك ؟"

" لأراك كإله مجسدا في ما هو أجمل ، ولأتحدث إليك بشكل مباشر "

" الأمر ليس سهلا علي كما تعلم ، فلو كان تجسدي يتم بهذه البساطة ، لما مر على عملية الخلق أربعة عشر مليار عام دون أن تكتمل "

" هل حاولت يا إلهي "؟

" لا ! لم أحاول ، لاستحالة الامر كما أعتقد"

" وهذا الصوت الذي تخاطبني به ، أليس من جسد يصدر عنه؟"

" بلى .. ثمة جسد "

" أين هو ؟"

" إنه جسدك "

" جسدي أنا "؟

" أجل "

" لم أفهم "

" صوتي يأتيك من ألوهيتي فيك !"

" يأتيني من ألوهيتك فيّ "؟

" أجل "

" إلهي أرجوك لا تدعني أشعر وكأنني اتحدث مع نفسي، حاول أن تكون شيئا يمكنني الجلوس في مواجهته ومخاطبته "

" قلت لك أن الأمر أقرب إلى المستحيل"

" يفترض أن لا يكون ثمة استحالات أمام الآلهة "

" بل هناك استحالات ولو إلى حين "

" ماذا لو حاولنا معا يأ إلهي . أنت بألوهيتك المطلقة ، وأنا بألوهيتي المحدودة منك"

"من أجلك سأحاول يا محمود.. هيا لنفعل معا"

هتف محمود في سريرته " ليكن ما يريده الله أن يكون " وهتف الله " لأكن ربة الجمال التي لم تخلق بعد "

وخلال لحظات رأى محمود هيكلاً من ألوان متلألئة تنبثق في فضاء من النجوم المتوهجة ، راحت الألوان تنحسر عن الهيكل شيئا فشيئا لتتجلى عن فتاة ملائكية خارقة الجمال ترفل بثياب من السندس والاستبرق ، تجلس على كرسي وثير، تحيط بها هالة نورانية، تضفي على وجهها جمالا ساحرأً، وتضع على رأسها تاجاً مرصعا بالجواهر، مطلقة شعرا طويلا على جانبي صدرها وعلى ظهرها .

انبهر محمود للحظات بجمالها الخلّاق وراح يهتف "ما أجملك يا إلهتي" وأحنى رأسه تحية واحتراما لها ، وخاطبها كإلهة طالبا إليها أن تتيح له تقبيل يدها. مدت الربة يدها فأخذها محمود وقبلها .. خاطبها متسائلا عما إذا كانت إلها أم إلهة. قالت :

- بل أنا الألوهة التي تكمن فيها الذكورة والأنوثة! أو الربوبية بشقيها الأنثوي والذكوري! دون أن تكون ذكرا أو تكون انثى .

- ماذا تكونين اذن يا ربتي ؟

- أكون الألوهة أو الله إن شئت !

- وبأي صفة سأخاطب جلالك ؟

- كما تشاء ، يمكن أن تخاطبني كربة أو كرب ، الأمرجائز ..

- ألا تفضلين جلالتك الأنوثة كونك اخترت جسدا وشكلا أقرب إلى الأنثى منه إلى الذكر؟

- صحيح . أنا أفضل الأنوثة فيّ على الذكورة ، وإن كانت غير انثوية !

- لكن كيف تكون الأنوثة غير أنثوية يا ربتي؟

- أنسيت انني طاقة يا محمود وأنني مصدر كل الأشياء كما أكون في كل الأشياء، دون أن أكون شيئا محدداً، فأنا كل شيء: أنا مصدر البصر مثلا دون أن يكون لي عينان ، ومصدر السمع دون أن يكون لي آذان ، ومصدر العقل دون أن يكون لي دماغ، ومصدر الكلام دون أن يكون لي لسان، وبالتالي أنا مصدر الذكورة دون أن يكون لي عضو ذكورة ، ومصدر الأنوثة دون أن يكون لي عضو أنوثة . وهذا الشكل الأنثوي الطارئ الذي ظهرت فيه بمساعدتك أحببت أن أظهر فيه لمحبتي للأنثى في الكون.



- وأنا أحب الأنثى يا ربتي وأحسنت جلالتك إذ فضلت أن تظهري بجسد أنثى. أفضل أن تظلي كذلك يا ربتي !

- سأظل من أجلك يا محمود!

- أشكر جلالك يا ربتي.. هل أفهم من كلامك طالما أنك مصدر الأشياء ، أن ثمة جانبا كبيرا من معرفتك يأتي عبر معرفة الأشياء التي تتجسدين فيها، فلو أخذنا العقل مثلا ، فلا تكتفين بما يتوصل إليه عقلك كمصدرللعقول بل تفيدين مما ينتج عن مليارات مليارات عقول الكائنات ..

- هذا صحيح يا محمود. فلو اقتصر الأمر على عقلي كمصدر لما وصلت عملية تطور الخلق إلى ما وصلت إليه .

- ولهذا تعتبرين كل فكر وكل معتقد هو فكرك انطلاقا من هذا المبدأ .

- صحيح . كالوجود نفسه ، فهو وجودي كونه جاء من مادتي وطاقتي.

- وهذا الفكر لا يظل ثابتا ، بل يتحول أو يتطور كلما جاء فكر جديد .

- أجل . ودون ذلك لن يكون هناك تطور. ألهذا كله كنت تبحث عني؟

- أجل يا ربتي .. وهناك أشياء أخرى أريد معرفتها ؟

- ما هي؟

- هل تأخذين بكل هذه المفردات المختلفة التي أطلقتها البشرية على القائم بالخلق عبر لغاتها..

- آخذ بها في حينها .. وحين ينتهي حينها أتخلى عنها.

- كما تخليت عن عشتار ورع وزيوس!

- وهل تتقبلين في هذا الزمن أن تكوني إلهاً أو إلهة ؟

- طالما لم تجد لغات البشرية أو لغاتي إن شئت مفردات ترقى عليها ..

- والآن يا إلهتي سأسألك عما هو أهم !

- اسأل !

- متى ستنتهي عملية الخلق؟

- عملية الخلق لن تنتهي يا محمود!

- ستظل قائمة إلى الأبد ؟

- نعم ستظل قائمة ما دامت الحياة قائمة. لكنها قد تبلغ مراحل متقدمة جدا يكون فيها التطور شبه متوقف.

- كيف تكون هذه المراحل؟

- تكون عملية التكامل الوجودي قد بلغت ما هو الأقرب إلى الذروة.

- لم أفهم يا ربتي!!

- تكون الألوهة قد تجسدت في أرقى أشكالها ، وتجلت في وحدة متكاملة تجمع بين ما كان يعتبر خالقا وما يعتبر مخلوقا .

- تقصدين تجلي وحدة الوجود في أرقى أشكالها؟

- أجل. بحيث يشعر كل كائن في الوجود أنه جزء من ذات إلهية كونية واحدة.

- وهل ستبقى الكائنات الضارة وغير الجميلة وما إلى ذلك !

- لا هذه ستكون قد انقرضت منذ زمن ..

- هل هذا يعني أننا سنكون في الخير المطلق والعدل المطلق والمحبة المطلقة والجمال المطلق ؟ أو ما عبرت عنه شعرا ذات يوم بالحديث عن أمم تصنع تاريخها بالقبل وترسم خيوط فجرها بالسنابل؟

- الأقرب إلى ذلك . لأن بلوغ المطلق في كل شيء يعني توقف عملية الخلق.

- لتتوقف إذا كانت ستبلغ المطلق.

- المطلق الكلي يصعب تصوره ، خاصة وأنه قد يحتاج إلى أكثر من أربعة عشر مليار سنة أخرى ليتحقق ..

- هل في الامكان وصف العالم حينذاك يا ربتي؟

- المسألة ليست سهلة ، فما يبدوعليه الوجود اليوم لم يمكن تصوره قبل ملايين السنين، فكيف قبل مليارات، وبناء على هذه الحال كيف لنا أن نتصورعالما أقرب إلى الكمال المطلق يقوم بعد مليارات السنين ؟

- هل سينتهي الموت مثلا وبكل أشكاله ، من مرض أو شيخوخة أو حتى قتلا أو انتحارا ؟!

- نعم يفترض أن الموت سينتهي ، ولن يكون هناك موت على الاطلاق، كما لن يكون هناك شيخوخة . لن يكون هناك إلا الشباب والسعادة والعمل والمحبة.

- ولن يكون هناك جوع ومال وتجارة واستغلال للناس.

- أكيد لن يكون هناك أي شيء من هذا.

- آه يا ربتي ! ليت هذا العالم يتحقق بسرعة فائقة !

- للأسف غير ممكن يا محمود.

- لنعد إلى الحاضرإذن يا ربتي .

- ماذا تريد من الحاضر ؟

- ألن تتوقف الحروب ويعم السلام الأرض ، وينتهي الظلم والفساد والجوع وينقرض النفاق . ويقترب البشر من بعضهم بالمحبة . وتسود أنظمة تنشد العدالة للجميع. وتتحد شعوب كوكب الأرض كأمة وأحدة ؟

- أنا مع أحلامك الكبيرة يا محمود ، لأنها أحلامي .. لكن للأسف لن يتحقق شيئ من ذلك على المدى المنظور.

- آه ثم آه يا ربتي ! طيب طمئنيني عن الموت . الناس يخافون الموت ويكرهونة ، ألن ينتهي الموت ؟

- للأسف لن ينتهي الموت يا محمود طالما لا يوجد مكان يتسع للبشر، ولم يوجد الانسان المدرك لوجوده والغاية منه . والتكاثر يزداد كل يوم بما لا قدرة لكوكب الارض على استيعابه..

- أليس من حل ما يطيل العمرعلى الأقل؟

- العمر يطول كما ترى فبعد أن كان معدل عمر الانسان لا يتجاوز الأربعة عقود ها هو الآن يتجاوز الثمانية في بعض البلدان .. وقد يتجاوز العشرة في القرون المقبلة ، لكن ذلك يتطلب تقليل النسل ، فكوكب الأرض فاض بالبشر ليصبحوا أكبر من طاقته الاستيعابية كما ذكرت ، وخاصة في ظروف ينعدم فيها وجود عدالة اجتماعية بين الدول على الكوكب ، وفي الدول ذاتها أيضا ..

- وكيف يمكن تحقيق ذلك يا ربتي؟

- إنها مسؤوليتكم كأبناء للكوكب ..لا يمكن تحقيق شيء مهم ما لم يتفق البشر على وحدة شعوب كوكب الارض ، واستغلال ثروات الأرض بقدرما من العدالة بين الشعوب .. يمكن تشكيل مجلس منتخب يقود العالم أو يشرف على قياداته المحلية.. وتفتح كافة أقطار العالم لأبناء العالم، وتلغى الحدود بقدر ما ، ليصبح كوكب الأرض دولة واحدة ، ولتكن دولة كوكب الأرض مثلا ..

- آه يا ربتي ما أجمل هذه الأحلام لو أنها تتحقق..

- ستتحقق إذا توفرت الإرادة.

- للأسف ليس هناك من يفكر في ذلك اليوم . الدول تفكر في مصالحها فقط . لكن يا ربتي فيما يتعلق بالموت ، لي رؤيتي له ، كونه مرحلة تحول في حياة متجددة ، تذهب فيه المادة بشكلها المادي إلى المادة ، وتذهب فيه المادة بشكلها الطاقوي العقلاني إلى طاقتك ، أي الطاقة الخالقة السارية في الكون .

- هذا صحيح أيها الحبيب ! كل شيء مآله إلي، إن كان مادة وإن كان طاقة غير مادية !

- أشكرك أيتها الربة لمخاطبتي بالحبيب!

- أنت حبيبي أيها الحبيب وستظل كذلك!

انطلق فجأة صوت أذان من مئذنة مسجد قريب ، داعياً الناس إلى صلاة الفجر، مخرجاً محمود أبو الجدايل من أجمل تأمل مر به ، ومن أجمل لحظة فيه ، عرف فيها أنه حبيب للألوهة، ما جعله يشعر بسعادة لم يشعر بها من قبل في حياته . فتح عينيه ببطء ، وراح يخرج من تأملاته شيئا فشيئا، ليعود إلى نفسه ، جاهدا قدرالامكان أن يحتفظ بصورة الربة التي ظهرت له في ذاكرته .

****

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...