عزت القمحاوي - بين الطبق وغلاف الكتاب.. أثر الشكل على أفق التلقي….

منذ القدم، كان الوعي بأن متلقي الأدب ليس صفحة بيضاء تستقبل النص، نجد ذلك الوعي عند العرب من عصر ما قبل الإسلام كما نجده عند فلاسفة اليونان. وعلى الشراكة بين الكاتب والقارئ يرتكز عمل مؤسس علم البلاغة عبدالقاهر الجرجاني؛ حيث يعتبر «المزية والفضل للكلام إذا احتمل وجهًا آخر غير الوجه الظاهر الذي جاء عليه». وفي غياب الشيفرة بين القارئ والكاتب يتقوض كل عمل الجرجاني.

وقد أخذت بعض مناهج القرن العشرين الغربية كالبنيوية النص بعيدًا عن مؤلفه ومتلقيه، وتلقف النقد العربي فاقد المناعة تلك المناهج مهدرًا تاريخه الطويل في علوم التلقي والتأويل، إلى أن تبلورت نظرية التلقي في ستينيات القرن العشرين لتعيد الأمور إلى نصابها، ويعود النقد العربي ـ متأخرًا كذلك ـ إلى وضع القارئ في قلب النص الأدبي، شريكًا لديه حصته في بناء المعنى ويجب على الكاتب أن يترك له الفراغات الخاصة به، ولديه كذلك أفق التوقع الخاص به.

وقد التفتت النظرية في دراستها لأفق التوقع إلى عوامل متعددة ترتكز على ثقافة القارئ وخبراته السابقة بما فيها خبراته بحياة الكاتب الشخصية حسب ما كوَّنه من فكرة عنه عبر قراءات سابقة وعبر سمعته الأدبية والأخبار المتعلقة به، لكنها لم تلتفت كثيرًا إلى شكل الوجبة الأدبية، وهو عامل حاسم، يأتي في أهمية شكل وجبة الطعام وتأثيرها في تحديد قيمتها.

غلاف الكتاب ومستوى طباعته ـ مثل الطبق والمائدة ـ يساهمان في تشكيل المعنى والمذاق. القارئ ذو الذائقة العالية ينتظر جماليات معينة في غلاف كاتب حساس، ولا يمكن أن يتوقع مضمونًا جيدًا لكتاب قبيح الإخراج، لكن المظهر القبيح بالتحديد هو الذي ينادي قارئًا آخر يعرف من خلال عامية الشكل أن المضمون يناسبه.

والأمر بالمثل بالنسبة في عالم الطهي؛ فالطبق ليس مجرد وعاء، لكنه يساهم في خلق المذاق. نظافة وفخامة وذوق الموائد والأدوات، من أهم عوامل تقييم المطاعم إن لم تكن أهمها. لا يتطلب إعداد طبق بابا غنوج شهي الكثير من الخبرة، لكن سعره في مطعم راق، ليس ثمن نصف ثمرة باذنجان بل ثمن فخامة الطبق وحسن تزيين محتواه، ونظافة المفرش، والشمعة والوردة على المائدة، وابتسامة النادل، ومستوى الزبائن على الطاولات المجاورة.

صورة الجنة في كتب التفسير والتآليف الدينية ترتكز كثيرًا على الطعام، لكنها تصفه إجمالاً بما يفي بحدود الإخبار عن التنوع والوفرة والمذاق الطيب، وعلى خلاف ذلك نرى التفصيل في وصف الشكل؛ فالموائد من در وياقوت والصحائف من ذهب، والأطقم من سبعين قطعة ومضاعفاتها.

ليست للذهب قيمة مادية في الجنة، حيثة تنتفي الحاجة إلى الامتلاك، ولذلك نفهم أن وظيفة وصف الأواني جمالية، تبرهن على مستوى ما تحتويه من طعام.

في ألف ليلة وليلة تبدو الأواني والموائد من بين أكثر الأشياء التي تحكي مجد الغابرين وتساهم في صنع عجائبية الحكاية. موائد مرصعة بالجواهر عليها أطباق من الذهب نجدها عادة في قصور المدن الملعونة. في الليلة ٢٧١ طبعة بولاق نرى أحد تلك القصور بالأندلس، ظل مغلقًا خلال حكم أربعة وعشرين ملكًا من ملوك الروم، مع تحذير شديد من فتحه. كان كل ملك جديد يضيف إلى بابه قفلاً، إلى أن جاء ملك ليس من أهل بيت المملكة وأمر بفتح الأبواب؛ فوجد صور العرب (تماثيل) متقلدين السيوف على خيلهم وجمالهم، وبفتحه هذا الباب سقطت الأندلس بيد العرب.

وهناك كمية ضخمة من الثروة والعجائب تقول القصة إن طارق بن زياد وجدها عندما تفقَّد القصر، وبينها «المائدة التي كانت لنبي الله سليمان بن داود عليهما السلام، وكانت على ما ذُكر من زمرد أخضر» ويُلقي مؤلفو الليالي المدهشون بثقلهم للإيهام بواقعية روايتهم: «وهذه المائدة إلى الآن باقية في مدينة رومة، وأوانيها من الذهب وصحافها من الزبرجد ونفيس الجواهر». ولنا أن نتأمل مهارة السرد الذي قام بترحيل المائدة إلى روما حيث لا يستطيع مستمع الحكاية أن يبلغها للتحقق من صدق الرواية بخلاف لو حملها إلى بغداد أو تركها في الأندلس!

ومن الليلة ٥٦٦ إلى الليلة ٥٧٨ طبعة القاهرة، نرى مدينة النحاس، وترف قصورها البائدة مع بعثة استكشاف بقيادة موسى بن نصير، الذي يترك أطنانًا من الذهب والجوهر خلفه ويأخد مائدة قوائمها من المرمر مكتوب عليها «قد أكل على هذه المائدة ألف ملك أعور، وألف ملك سليم العينين، كلهم فارقوا الدنيا وسكنوا الأرماس والقبور».

لا تساوي الطاولة شيئًا بالنسبة لما تركه أمير المغرب خلفه، لكنها تعزز فيما يبدو سردية الفخامة، وتصنع الدهشة من خلال التناقض بين فخامتها، وبين الجملة التذكارية المكتوبة عليها التي تُذكِّر بعبرة الموت.

الوعي بأهمية الشكل، هو الذي يجعل الملوك يأمرون بتدوين كتاب أو حكاية بالذهب عندما يُعجبون بحكمة الكتاب أو بغرابة الحكاية. ولعل كل القراء كانوا سيفعلون ذلك بالكتب التي يحبونها لو كانت لديهم القدرة. شخصيًا أحسست بطعم مختلف لكتب أعيدت طباعتها بمستوى لائق، بعد أن تلقيتها في طبعة رديئة من مؤسسات النشر العامة. وفي المقابل، لا تستطيع الكتب الإفلات من صورة طبعاتها الأولى. هل نُنكر أن روايات نجيب محفوظ تعيش في غربة بعيدًا عن أغلفة جمال قطب التاريخية في مكتبة مصر؟ رغم أن أحدًا لا يشكك في موهبة حلمي التوني الذي رسم أغلفة طبعة دار الشروق. وربما كان محتوى بعض الروايات الرمزي أقرب إلى نعومة التوني من شعبيات قطب.

في الفيلم البريطاني الأمريكي 84 Charing Cross Road المأخوذ عن رواية بالعنوان ذاته نشاهد كاتبة أمريكية تراسل مكتبة بلندن، تطلب الطبعات القديمة من كتب متوفرة بالقرب منها في طبعات حديثة. أخذت رسائلها تعبر المحيط ذهابًا، فتأتيها طرود تحمل كتبًا ودواوين شعر فخمة التجليد مطبوعة على ورق قديم تتلمسها وتستنشق روائها بمتعة بالغة. وبفضل ذلك الولع نشأت علاقة حب بالمراسلة بين الكاتبة وأمهر الكتبيين وصداقة جماعية مع باقي طاقم المكتبة، وصاروا يتحدثون عن كل شيء في خطاباتهم. ولمست الكاتبة صعوبة أوضاع أصدقائها في انجلترا ما بعد الحرب؛ فأخذت الصناديق تحمل هدايا الطعام من أمريكا إلى بريطانيا، بينما تتخذ صنادق الكتب الاتجاه المعاكس.

الاستقبال الشفاهي لألف ليلة والسير الشعبية، كان نوعًا آخر من الشكل. جلسات السماع الليلية التي يشارك فيها جمع متأهب للمتعة كانت تضفي أثرها على النص، بالإضافة إلى درجة حماس الراوي وتقمصه وإتقانه للقراءة، وعلاقته بالمستمعين، حيث يختلف القارئ المحترف القادم من بعيد عن قارئ محلي من بين أعضاء السهرة، ولدينا شكل استجابات الجمهور المصاحب وأثر الحماس الجماعي على استجابة الفرد. المستوى الاجتماعي للمستمعين كذلك يحدد شكل أحلامهم وما ينتبهون إليه في النص أكثر من غيره. هل تتضمن السهرة مأكولات؟ مشروبات؟ تدخين؟ هل تضم نساءً وأطفالاً أم أنها سر خاص بالرجال؟

في شهادته بمجلة «فصول» عدد صيف ١٩٩٤يحكي الروائي خيري شلبي عن خبرته مع الليالي التي قرأها خلسة عندما كان صبيًا، وكان أبوه متحفًظا على حضوره جلسات الاستماع، حتى اضطر الولد إلى الحلول مكان القارئ الذي غاب ذات ليلة، ما أشعر والده بفخر حذر بعد أن رأى استحسان المستمعين لقراءة ولده. في طفولتي كان الترانستور قد قضى على هذه المسرحة الحية للنص التي عاشها خيري شلبي.



والآن، يستدير الزمن، وصار هناك الكتاب الصوتي، الذي سيقدم شيئًا قريبًا لقارئ معزول في سيارته أو يتريض مع نصه، لكن تبقى مهارات إلقاء القراء المختلفين مؤثرة، وطريقة الإخراج، بعض القراءات تنوِّع بين الأصوات لخدمة الحوار، ولهذه الاختلافات في الشكل أثرها أثرها، إلى جانب أثر لحظة ومكان التلقي وحالة القارئ المعزول النفسية ودرجة تركيزه.

في العموم. كل هذه السمات الشكلية مهمة وتقول شيئًا عن الطعام قبل تذوقه والكتاب قبل قراءته.




ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...