مقتطف إبراهيم قيس جركس - شرح كتاب فريدريك نيتشه [هكذا تكلّم زرادشت] -٤-

ديباجة زرادشت [4]

لكنّ زرادشت ظَلّ ينظر إلى ذلك الشعب ويتعجّب، ثمّ تكلّم هكذا:
الإنسانُ حَبلٌ معقودٌ بين الحيوان والإنسان الأعلى – حبلٌ فوق هاوية.
خطيرٌ هو العبور إلى الضفّة الأخرى، خطيرٌ مَسلَك الطريق، خطيرٌ النظر إلى الوراء، خطيرٌ هو الارتعاش، والتّوقّف خطير.
ما هو عظمٌ في الإنسان إنّما كونه جسراً لاهَدَفاً، ما يمكن أن يكون جديراً بالحب في الإنسان هو كونه مَعبَراً وصيرورة اندثار.
أحبّ أولئك الذين لايعرفون كيف يعيشون دون أن يكونوا في ذلك مُنحَدرين إلى الهَلاك، إذ هُم الذين يعبرون إلى الضفّة الأخرى.
أحبُّ أولئك المُحتَقِرين الكبار، لأنّهم أكبر المُجِلّين، وهُم سِهامُ الشّوق إلى الضفّة الأخرى.
أحبّ أولئك الذين لايتطلّعون إلى النجوم بحثاً عن مُبَرّرٍ للهَلاك وللتضحية بأنفسهم، بل يُنفقون أنفسَهم لصالح الأرض، كي تصير الأرض مِلكاً للإنسان الأعلى في يومٍ ما.
أحبُّ ذلك الذي يحيا من أجل أن يَعرف، والذي يَعرف من أجل أن يحيا الإنسان الأعلى في يومٍ ما، وهكذا هو يريد هَلاكَه.
أحبُّ ذلك الذي يَعمَل ويبتكر كي يبني بيت الإنسان الأعلى ويُهَيّئ له الأرض والدابّة والزرع، هكذا يُمضي بإرادته إلى الهَلاك.
أحبُّ ذلك الذي يُحبُّ فضيلته: إذ الفضيلة إرادة الهَلاك وسَهمُ الرغبة المُتأجّجة.
أحبُّ ذلك الذي لا يحتفظ لنفسه بقطرة واحدة من الروح، بل يريد أن يكون بكلّيته روحاً لفضيلته، وهكذا، روحاً يعبر الجسر.
أحبُّ ذلك الذي يجعل من فضياته نزوعَهُ وقَدَرَهُ، وهكذا يريد أن يحيا من أجل فضيلته وأن َيكُفَّ عن الحياة.
أحبُّ ذلك الذي لايرغب في كثيرٍ من الفضائل، إذ في فضيلة واحدة أكثر فضيلةً ممّا في إثنتين، لأنّ تلك هي العُقدة التي يَنشَدُّ إليها القَدَر.
أحبُّ ذلك الذي يُسرِفُ في تبذير روحه، الذي لايريد شكراً ولايقضي دَيناً، إذ هو يَهُبُّ دوماً ولايريد حفاظاً على نفسه.
أحبُّ ذلك الذي يخجل عندما تكون رمية الزّهر لصالحه، والذي يسأل نفسه إذاً: هل أنا غَشّاش؟ -ذلك أنّه يريد المُضِيَّ إلى حَتفه.
أحبُّ ذلك الذي يُلقي بوعود ذهبية تستبقُ أفعاله، ويَفي دوماً بأكثر ممّا يَعِد، ذلك أنّه يريد هَلاكَهُ.
أحبُّ ذلك الذي يبرّرُ أجيال المستقبل ويُخَلّصُ أجيال الماضي، ذلك أنّه يريد أن يَلقى حتفه في معاصريه.
أحبُّ ذلك الذي يُعَنّف ربَّهُ، لأنّه يُحِبُّ رَبَّهُ، ذلك أنّه سيَلقى حَتفَه حتماً في غَضَبِ رَبِّهِ.
أحبُّ ذلك الذي تكون روحه عميقةٌ حتى وهو جريحٌ، والذي يمكنه أن يهلُكَ لأصغر الحوادث، هكذا يسير طواعيةً فوق الجسر.
أحبُّ ذلك الذي تَطفَحُ روحَهُ امتلاءً بحيث ينسى نفسه، بينما الأشياء كلّها في داخله، وهكذا تكون الأشياء كلّها حتفه.
أحبُّ ذلك الذي يكون عقلاً حُرّاً وقلباً حُرّاً، وهكذا يكون رأسه أحشاءً لقلبه، لكنّ قلبه يقوده إلى حتفه.
أحبُّ كلّ الذين هُم مثل القطرات الثقيلة التي تنزل متفرّقةً من السحابة الداكنة المُعَلّقة فوق رؤوس البشر، إنّهم ينبّئون بقدوم الصاعقة ويمضون كمُنَبّئين إلى حتفهم.
انظروا، إنني المُنَبِّئ بقدوم الصاعقة، والقطرة الثقيلة النازلة من السحابة: تلك الصاعقة اسمها "الإنسان الأعلى".
#############
في نهاية القسم الثالث، يتضاحك الجمهور/ القطيع فيما بينهم معتقدن أنّ زرادشت يتحدّث عن البهلواني/راقص الحبل، ومن ثَمَّ يبدأ الراقص عمله. نلاحظ أنّ زرادشت لا ينظر إلى البهلواني، بل إلى الناس متعجّباً. يستخدم نيتشه هنا تشبيه الحبل المشدود كاستعارة: ((الإنسان حبل معقود بين الحيوان والإنسان الأعلى –جبل فوق هاوية. خطيرٌ هو العبور إلى الضفّة الأخرى)). وهذا يفسّر حبّ زرادشت للبشر في الديباجة، وبالتحديد القسم الثاني منها: يمكن أن يُححَبَّ الإنسان على وجه التحديد باعتباره صعود/وانحدار، شروق/ وغروب، عُلُوّ/ وسُقوط. ومايلي ذلك ماهو إلا تحوير نيتشوي لموعظة الجبل. فبدلاً من عبارة "طوبى لكم..."، باتت لدينا عبارة أخرى "أحِبُّ ذلك...". هذا الأمر يضع زرادشت في موضعٍ مكافئٍ للإله طبعاً، لكننا في النهاية نُدرك أن زرادشت يعتبر نفسه واحداً من "المبشّرين". وهذا يعني أنّ الإمكانية الوحيدة للإنسان أن يُحِبَّ قَدَره هي كمبشّر بذلك الشيء الذي يجب تجاوزه والتفوّق عليه. ومن هنا جاءت المفارقة البلاغية: "المحتقرين الكبار، هم أكبر المُبَجّلين"، هنا يندمج الحب مع الاحتقار. ونلاحظ أنّ ذلك يستلزم نوعاً من الخلاص لمفاهيم الممارسات الإنسانية: كالفهم، والعمل، والابتكار، والفضيلة. هذه المفاهيم هي أدوات في خدمة "سهام الشوق" إلى الإنسان الأعلى، وليست أدوات للقناعة البشرية. بمعنى أنّ المرء "يخترع" (على سبيل المثال) من أجل وضع نهاية لمجال الإنسان، ولتبديد الذات، وتحطيمها، وليس للمحافظة عليها. يجب علينا إعادة تقييم كافة الأنشطة الثقافية طبعاً واليومية من حيث دورها في تجاوز الإنسان.
ليست المبادئ الأخلاقية هي التي تقف على المِحَك هنا _بوصفها مجموعة من المبادئ والتعاليم التي تُعَلّمُنا أفضل طريقة للعيش. بل إنّ الأخلاق بشكلٍ عام هي المشكلة الأساسية هنا، وليست الحل _ولهذا السبب نلاحظ أنّها الموضوع الرئيسي الذي يحتلّ جزءاً كبيراً من الكتاب الأول. إذ يتمّ تقديم هذه الممارسات والفضائل. في المقام الأول بقدر ما تتضمّن معنىً أنطولوجياً، كعناصر ضمن نمط الوجود التي يمكن أن تتجاوز الإنسان وتتفوّق عليه,
دعونا الآن نذكر بإيجاز خمسة أمور أخرى هنا، أولاً: مفعوم العار، فقط قبل أنّ الإنسان العادي "أضحوكة" في نظر الإنسان الأعلى. والآن نرى سبباً واحداً لذلك: لعب حجر النرد لصالح الإنسان. فقد مَنَحَه حادث تطوري عابر _طارئ هيمنة ثابتة على الأرض، الأرض التي سيرغب لاحقاً بتركها والرحيل عنها، ليس للإنسان قيمة متأصّلة أو معنى جوهري متجذّر، إنّه لا يستحق سيادته تلك، ويفتقر إلى "الحق فيها". (هذا الموضوع تمّ التطرّق إليه في الكتاب الأول، القسمين 1 و17 على سبيل المثال).
ثانياً، فكرة تبرير المستقبل واسترداد روابط الماضي وعلاقاته _بطريقة غير واضحة بعد_ مع مفهوم العَود/التكرار الأبدي. الحاضر هو اليوم الحالي، العالَم المعاصر للحداثة. إنّه ليس مكاناً يمكن فيه تحقيق إنجازاتك ضمن إطار ذلك الماضي، أو الحفاظ على وجه المستقبل.
إنّ الطاقات النقدية لزرادشت/نيتشه موجّهة بشدة ضدّ هذا العالَم المعاصر، و"الاحتقار الكبير" لهذا الحاضر، سيؤدي فعلاً إلى هَلاك المرء، وانحداره، وغروبه، من أجل أن "يُشرق"، و"يصعد"، و"يرتقي"، نحو الإنسان الأعلى. وكما سنرى لاحقاً يعلّق نيتشه أهمية كبيرة على "الساعة/اللحظة" _ولكن الساعة/اللحظة هي بمثابة ظهور، ليس بمعنى اليوم الحاضر أو الزمن المعاصر.
ثالثاً، لدينا فكرة "الفيض أو الفائض" مرةً أخرى [الديباجة، القسم الأول]. إنّ نسيان الذات يعني فقدان للهوية في حالة شبه صوفية. ومع ذلك من المهم أيضاً تناسي الاعتناء بالنفس أو المحافظة عليها: إنّها عملية "حَطّ" للذات، تدميرها، ودفعها للانهيار. علاوة على ذلك، عندما يكتب نيتشه "الأشياء كلّها في داخله"، فإنّه يشير مرةً أخرى إلى فكرة الساعة/اللحظة كنوع من الظهور الذي يتضمّن نظرة ثاقبة إلى الوقت والتاريخ ككلّ، وبالتالي أيضاً لحظة يمكن فيها للإنسان إحداث تغيير ثوري وجذري.
رابعاً، يظهر هنا أيضاً مفهوم "الروح الحرّة" ("القلب الحر"، "العقل الحر") وهي عبارة يستخدمها نيتشه كثيراً، طوال حياته المهنية [انظر كتاب ماوراء الخير والشر، الفصل الثاني، بعنوان "الروح الحُرّ"، شذرة رقم 44: ((هل يجب عليّ، بعد كل هذا، أن أقول خصيصاً إنّهم سيكونون أيضاً أرواحا حُرّةً، حُرّةً جداً، فلاسفة المستقبل هؤلاء، _على أنّهم، وبكلّ تأكيد، لن يكونوا أرواحاً حُرّةً وحسب، بل شيئاً أزيَد، أعلى، أعظم، مغايراً جذرياً، شيئاً يأبى سوء التقدير والخلط؟ لكن، إذ أقول هذا، بصددنا، نحن دُعاتَهم والمبشّرين بهم، نحن الأرواح الحُرّة!))]. يبدو أنّ الحرية في مفهوم "الروح الحُرّة" هنا تعني، كتقريب أوّلي: التحرّر من أيّ فكرة تدور حول ازدراء الجسد (أي: الاستقلال والانفصال عن هذه القوى الثقافية، كما تتجسّد في الأخلاق المسيحية على سبيل المثال). والتالي الحرية تكون "أحشاء قلبه". هذه النقطة هي نقطة كانتية في الأصل، أو في بنيتها على الأقل: فلا يكون المرء حُرّاً إلا إذا كان قادراً على منح القانون وإطاعة ذلك القانون الذي فرضه هو بنفسه. نلاحظ أنّ الروح والعقل من وظائف الجسد. وسيغدو ذلك أكثر وضوحاً في الكتاب الأول، القسم الرابع، "عن المستهينين بالجسد".
خامساً، وأخيراً، تعاود صورة الصاعقة الظهور في نهاية المقطع. إذ ستومض الصاعقة من "السحابة الاكنة المعلّقة فوق رؤوس البشر". إنّ الصاعقة أو ظاهرة البرق هي في الحقيقة تفريغ كهربائي للطاقة المتجمّعة في السحب المضطربة والمشحونة. وتظهر هذه الفكرة عن الإنسان باعتباره تراكماً طويلاً للطاقة بداخله في القسم التالي بعنوان "الفوضى الداخلية". (يجب أن ننتبه للصورة المتكرّرة للانفجار، وعملية التفريغ، أو الإطلاق في جميع أعمال نيتشه، ىوبالأخص "العلم المرح" و"ما وراء الخير والشر".
إبراهيم قيس جركس 2020
التفاعلات: فائد البكري

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...