إبراهيم قيس جركس - "غريب" كامو: اللامبالاة تجاه العالم

إذا كان العالم بلا يهتم ولا يبالي بنا، لماذا يجب أن نهتم أو نبالي به؟

هذا المقال مكرّس بشكل أساسي لدراسة الفلسفة العبثية في رواية ألبير كامو "الغريب"، وهي واحدة من عدّة أعمال مثيرة للكاتب لخّص فيها منظوره عن عبثية الحياة وخلوّها من المعنى. لقد بيّن كامو في مقاله "أسطورة سيزيف" جوانب عبثية أخرى من حياتنا. فمن خلال هذه الأسطورة وضّح كامو أنه يمكن النظر إلى الحياة من وجهات نظر مختلفة. أمّا حبكة هذه الرواية فهي برأيي أفضل تمثيل للعبثية لأنّ الشخصية الرئيسية استشعرت مدى عبثية حياتنا وكم هي تافهة وخالية من المعنى.
ففي الصباح الباكر، يتمّ إبلاغ البطل بوفاة أمه بالأمس وأنه يجب أن يحضر على الفور لحضور مراسم الجنازة والدفن. يجعلنا المؤلف نعتقد أنّ البطل لايمتلك أي إحساس بالشفقة أو الألم أو الحزن فيما يتعلّق بهذا الخبر المروّع. يأخذ ميرسو _اسم بطل الرواية_ يومين إجازة ويتوجّه إلى جنازة والدته. بعد انتهاء المراسم، يلتقي بأصدقائه القدامى ويدعونه لتناول العشاء برفقتهم. وبعد الانتهاء من العشاء قرّر ميرسو التنزّه على الشاطئ لوحده حيث قابل رجلاً غريباً. كانت الشمس مشرقة للغاية وبدا أنّ نصل السكين قد عكس نور الشمس، وبدون سابق إنذار، أطلق ميرسو النار على الرجل وأرداه قتيلاً. وبعد سجنه أدلى بإفادته اعترف فيها بأنه قتل ذلك الرجل قصداً.
يروي لنا الجزء الأخير من الكتاب عن محاكمة ميرسو لأنها تختصر كل ما في هذه القصة وفي الحياة من عبثية. فعندما روى ميرسو قصّته، ضحك المحلّفون عليه، ليكتشفوا لاحقاً أنه لم يذرف دمعةً واحدةً على والدته التي توفيت للتو، ففضلوا كثيراً منه. لقد توصّلوا لاستنتاج بسيطة مفاده أنه لم يبكي في جنازة أغلى إنسان على قلبه، ولذلك فهو إنسان بارد المشاعر، ميّت العواطف، مجرّد الأحاسيس، ولا يستحق أن يعيش. وحُكِمَ عليه بالإعدام ليس بسبب جريمته التي ارتكبها بحق ذلك الرجل بل للجريمة التي ارتكبها بحق المجتمع. فهذا السلوك غير اللائق جعل من شخصاً "غريباً" عنهم لذلك قرروا قتله واقتلاعه من صفحات التاريخ.
وقبل تنفيذ عقوبة الإعدام بحقه، أرسِلَ إليه كاهن للتحدّث معه والاعتراف وطلب المغفرة. ومع ذلك، عندما حاول الكاهن إنقاذ روحه (ربّما كان ميرسو لادينياً)، عضب ميرسو وطرده خارج الزنزانة. لقد كان مستعداً للموت، ولم يبقى لديه شيء مهم على هذه الأرض، وكانت كلماته الأخيرة ((أريدهم أن يسكبوا كل كراهيتهم عليّ عندما يحين وقتي)).


# ما الذي يعلّمنا إياه كامو عن اللامبالاة
———————————————-
إنّ ميرسو بطل الرواية غير المبالِ يُشكّل شخصية لابدّ لنا من التوقف عندها. فمنذ البداية، نقف أمام مشهد غريب المفروض أن يكون فيه حزيناً، ويعرّفنا كامو في كتابه على ميرسو والحياة المحيطة به. أول كلمات وردت على لسانه هي "Aujourd’hui, maman est morte" وتعني "اليوم، أمي ميّتة". والأمر الأكثر غرابةً والذي يشكّل صدمة الطريقة التي استقبل بها هذا الخبر.
ميرسو غير متأكّد ما إذا كانت والدته قد توفّيَت اليوم أو البارحة وذلك لأنّه لم يتأثّر بخبر وفاتها مطلقاً. والآن اسمحوا لي أن أقدّم لكم أفضل درسين عن اللامبالاة من إحدى أفضل روائع الأدب الفرنسي.

# لامبالاة بالأحداث
ألبير كامو معروف من خلال عناوينه العديدة التي كان يعمل عليها. وجميع سماتها تتمحور أساساً حول الفلسفة الوجودية. لقد دمج الفلسفة في صلب كتاباته، كما أنّ بعض شخصياته تركتنا نواجه العديد من التساؤلات الفلسفية العميقة. ويمكنك الشعور بذلك الخوف والقلق خلال متابعتك لمسيرة حياة بطل قصّة الغريب، ميرسو.
من الطريقة التي يتنقّل بها في الأرجاء إلى الطريقة التي يجيب فيها عن الأسئلة البسيطة، من السهل أن يميل المرء إلى التفكير بعدم وجود أي تطوّر في الشخصية. فبدلاً من الانغماس في التعقيدات، نرى أنّ بطل الرواية لديه أوضح نظرة إلى الحياة. ربما من المخيف جداً كيف لايبالغ ميرسو في تعقيد حياته بأكوام وأكوام من الأفكار المتراكمة. كانت الحياة بالنسبة له مثل التيار المتدفّق، ويمكننا رؤية ذلك منذ البداية. بمجرّد أن ينظر إلى البرقية المُرسَلَة المُحَمّلَة بالأخبار السيئة، قال أنها لم تعنِ له شيئاً. ((الأم توفّيت. الجنازة غداً. صديقك المخلص))، ذلك لايعني شيئاً.
بالمعنى الفعلي، قد يعني ذلك الكثير، لكن بالنسبة لميرسو، فهو يدرك أنه لايوجد شيء آخر يمكن القيام به. إذا كان عليه أن يحزن، فإنّ ذلك لن يغيّر شيئاً. وإذا اختار أن يكون سعيداً، فلن يكون لذلك أي تأثير فعلي عليه.
إنّ استقراره على اللامبالاة هو بمثابة تذكير بوضع الفيلسوف ديوجين في اليونان القديمة. كان الناس يتراكضون ويصرخون في المدينة التي كان يقيم فيها ديوجين مرعوبين من شيء ما مخيف أو ربما خطر محدق، لا أتذكّر. أخذ ديوجين وعاء الطين العملاق الذي يقطنه وبدأ بدحرجته لأعلى التل ثم أسفله. ثم يتوقف الناس ليسألوه ماذا كان يفعل. يقول لهم أنه كان يفعل ما يفعله الآخرون، لا شيء!! الصراخ والجري الأعمى لا يحسّنان الموقف.

# افهَم حدودك
ثمّ يخبر ميرسو مديره بمصابه (وفاة والدته)، وكان واثقاً من أنّ مديره سيغضب قليلاً. وعندها يقرّر بطلنا أن يؤكّد أمام مديره: ((هذا ليس خطئي)).
صحيح. في معظم الأحيان تحدث لنا أمور خارجة عن إرادتنا وسيطرتنا، ومهما بلغت درجة توتّرك وغضبك، لن يُحدِث ذلك أي تأثير. كان بإمكان مديره إنهاء المحادثة بتململ عن طريق صرفه مع عبارة تعزية باردة منه، لكنّه فكّر ملياً في الأمر.
في مثال آخر، نرى ميرسو مع صديقته، حيث يألفه ما اذا كان يحبّها. فيشير قائلاً أنّ ذلك لايعني شيئاً، ولكن ليس هذا ما كان يدور في خُلده. هناك إشارة ضمنية إلى أنه كان يعتقد أنّ ذاك يعني شيئاً، لكنّه قاسه بمقياس الأشياء في الحياة. لقد توصّل إلى نتيجة منطقية مفادها أنّ الأمر سينتهي على أيّة حال.
تعلّمنا شخصية ميرسو درساً أن لا نتأثّر بأي شيء مهما كان: سواء كان أمراً جيداً أم سيئاً. كيف كان يتجاهل الموقف باستمرار ويقابل كل شيء ببرود ولامبالاة، بغضّ النظر عن مدى خطورته هي ثقة عمياء. إنّ إدراك أن القدرة التي نملكها لتغيير الأمور تعطينا القوّة وتساعدنا على تجاهل أي شيء يُلقى على كاهلنا، سواء كان جيداً أم سيئاً.
تصبح الحياة أسهل وأبسط بكثير عندما نقبل بعدّة استقالات في حياتنا. وإحداها عدم قدرتنا على تغيير ما يحدث لنا. فبهذه "القدرة"، يمكننا قياس ومعرفة حدودنا وقدراتنا.

إبراهيم قيس جركس ٢٠٢٠

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...