طه حسين - ثلاثة أحاديث إذاعية عن الشعر العربى القديم..

الحديث الأول

خصائص الشعر الرائع، انه حى دائما، وان شبابه خالد وان جماله متجدد أبدا. فهو لا يمثل العصر الذى قيل فيه وحده ولكنه يمثل العصور مهما تختلف والبيئات مهما تتباين. وأعتقد أن هذه الخاصة قد توافرت لشعرنا العربى كما توافرت لقليل من الشعر القديم. فشعرنا الحماسى لا يمثل حياة الأمة العربية فى عصورها الأولى فحسب، ولكنه يمثل حياتنا نحن الذين نشعر شعورا عربيا ونفكر تفكيرا عربيا مهما تختلف ظروفنا ومها تختلف عصورنا. فكما كان العربى القديم قبل الإسلام يشعر بالعزة ويصور هذا الشعور، فنحن كذلك عندما نسمع هذا الشعر العربى الذى صور به الجاهلى شعوره بالعزة أو بالقوة نجد فى أنفسنا مثلما كان يجده ذلك العربى القديم، وإن كان بيننا وبينه عصر طويل وقرون تتجاوز العشر. وهذا الشعر الحماسى هو مرآة صادقة لنفس الأمة العربية مهما تختلف عصورها ومهما تختلف بيئاتها.

ويخيل إليّ أن فنين من فنون الشعر العربى يصوران النفس العربية أصدق تصور وأجمله وأروعه، وهما الحماسة من جهة، والغزل من جهة أخرى. أما الفنون الأخرى التى تأتى بين هذين الفنين كالمدح والهجاء وما إلى ذلك، إن صورت النفس العربية فإنما تصورها مصادفة وفى غير اضطراد. فأما الحماسة والغزل فيصوران النفس العربية تصويرا دائما صادقا متصلا، ذلك لأن الحماسة تصور الناحية الحادة الصادقة من شخصية الفرد ومن شخصية الجماعة، والغزل يصور الناحية الرقيقة الحساسة الشاعرة بلذة الحياة وجمالها بآلام الحياة وحسراتها فى نفس الفرد وفى نفس الجماعة أيضا. فأما ما عداهما من الفنون فإنما يصور أشياء تذهب وتجىء. منها الطارئ ومنها ما يتعلق بالظروف الخاصة والملابسات الفردية. والشعر الحماسى العربى هو الذى يقابل عند الأمم القديمة الشعر القصصي. فهو يصور ما فى الجماعة من خصال من حيث إنها جماعة. يصور قوتها وبأسها وصبرها واحتمالها ولقاءها للخطوب وصبرها على هذه الخطوب وتصرفها فى الأزمات ونفوذها من هذه الأزمات. كما أنه يصور صبر الفرد وقوته وجلده وصلته بين جماعته سواء كانت هذه الصلة حسنة أم سيئة، راضية أم ساخطة والشعر الحماسى عندنا فى أدبنا العربى القديم قد اختلفت عليه أدوار كثيرة وتلون بألوان مختلفة، ولكننى فى هذه الأحاديث الثلاثة لن أتحدث إليكم إلا عن ثلاثة ألوان لهذا الشعر – اللون الأول لون الشعر العربى الجاهلى الحماسي، وهو ليس مقصورا على العربى الجاهلى وحده ولكنه يمتد بعده للإسلام وقتا طويلا. وهو الذى يصور العصبية العربية ويصور حياة القبيلة والعلاقة بينها وبين الفرد، وما يكون من جهاد بين القبائل ومن جهاد بين الأفراد. لا يعتمد إلا على الحياة العملية الخالصة وما ينتج منها من الأخلاق التى تطور نفس الفرد ونفس الجماعة.

واللون الثانى ظهر بعد الإسلام واستمر قرنين أو أكثر من قرنين وهو الحماسة الحزبية. وهذا اللون هو الذى يصور ما كان بين الأحزاب السياسية والدينية من خصومات، ونضال هذه الأحزاب عن آرائها ومبادئها.

واللون الأخير ظهر فى أواسط القرن الثالث، ولعله قضى بانقضاء فلسفة أبى العلاء المعري. وهو شعر الحماسة القومية الذى يصور العصبية للأمة العربية من حيث هى أمة تجاهد أمما أخرى كالفرس والروم وغيرهما من الأمم التى برزت فى ذلك الوقت.

أما اللون الأول الذى يصور الحياة العصبية العربية فهو الذى نجده فى هذا الشعر الجاهلى وفى هذا الشعر الإسلامى البدوى الذى كان يقال فى بلاد العرب بخاصة وربما قيل فى بلاد العراق أيضا. وهو يصور ما كان بين القبائل العربية من صراع على الحياة المادية من جهة، وعلى التنازع فى الشرف والحسب والمكارم من جهة أخرى. وهذا اللون إن صح أن يوصف بشىء فهو يوصف بأنه يصور النفس العربية فى أول أطوارها، يصورها كريمة ساذجة ولكنها فى سذاجتها مشتملة على أكرم ما يمكن أن يمتاز به الفرد والجماعة كثيرا من الصبر واحتمال المشقة والجهاد سواء بالقياس إلى الطبيعة القاسية التى كانت تخضع لها الأمة العربية فى صحرائها أو بالقياس إلى ما كانت تقتضيه هذه الحياة من نزاع على الماء والمرعى وعلى أيسر الأشياء. ومن ثورة لأبسط الأشياء تستدعى نشوب الحرب وتستدعى القتل والجرح والفرار والكر وما إلى ذلك.

هذا الشعر الحماسى القديم الذى يصور النفس العربية الساذجة قبل ظهور الإنسان يصورها مثل كل شىء صورة محتملة ويصورها مثل كل شىء كريمة جريئة لا تحرص على المال إلا ريثما تنفقه، ولا تحرص على الدعة إلا ريثما تتجاوزها إلى الشدة ولا تحرص على اللين ريثما تدعه إلى القسوة. وهذا الشعر يصور لنا الفرد مؤمنا بنفسه أشد الإيمان قويا فى هذا الإيمان إلى أقصى غايات القوة. لا يتورع أن يقترف الآثام المنكرة دفاعا عن قوته وعن عزته وعن كرامته ولكنه فى الوقت نفسه على اعتزازه بفرديته وبشخصيته يفنى فى القبيلة فناء يوشك أن يكون تماما، لا يكاد يشذ من ذلك إلا بعض الأفراد الذين يسمون بالصعاليك والذين كانت تتبرأ منهم قبائلهم فتفنيهم وتتركهم لشأنهم.

أما الفرد العربى الذى يصوره الشعر الجاهلى والشعر الإسلامى العربى فهو فرد مؤمن بقوته ومؤمن بشخصيته حريص على حقه ولكنه فى الوقت نفسه متضامن أشد التضامن مع قبيلته. إذا مدح نفسه فإنما هو يمدحها من حيث هى فرد من أفراد القبيلة، وإذا ذم فردا من الأفراد فإنما يذمه من حيث هو فرد من أفراد القبيلة، فالتضامن القبلى قائم بين الفرد وبين قبيلته أو بين أفراد القبيلة الواحدة كأقصى ما يكون التضامن وأقوى ما يكون التضامن. وهذا الشعر الحماسى يصور الفرد وهو راض عن قبيلته حين تبلى فتحسن البلاء وهو ساخط على قبيلته حين تصيبها الحوادث فلا تثبت لها. فهذا شاعر يقول:

فدع نفسى وما ملكت يميني/ كوارث طبقت فيهم ظنوني

وهذا شاعر آخر يقول:

ولو أن قومى انطقتنى رماحهم/ نطقت ولكن الرماح اجراد

هذا شعر قد رضى عن قبيلته فهو يحمدها ويحمد نفسه أثناء حمده لها، وشاعر آخر قد سخط قبيلته فهو يعيبها ويعيب نفسه فيما يعيب قبيلته. وهو إذا مدح نفسه أو قبيلته فإنما يمدح بالشجاعة ويمدح بالكرم ويمدح بالبأس ويمدح بحسن لقاء الضيف وبحسن الصبر على البأس والعزاء وما يتصل بهذه الأخلاق من وفاء بالعهد وبر بالوعد وامتناع عن الدنيات واباء بما لا يليق بالرجل الكريم.

مهما تقرءون من شعر شعراء العرب فى العصر الجاهلى ومن شعر الشعراء المتعصبين لقبائلهم فى العصر الإسلامى فستجدون دائما هذه الخصال، خصال الشجاعة والنجدة والبأس والكرم والجود والوفاء والاباء وما إلى ذلك. ستجدون هذه الخصال تصور صورا مختلفة ولكنها كلها صور جميلة. وتصور هذه الصور فترسم لنا النفس العربية فى كل خصلة من هذه الخصال وترسم لنا نفس القبيلة مجتمعة ومتفرقة فى هذه الخصال نفسها. وهى من الناحية مرآة صادقة جميلة ترى فيها العربية القديمة. ثم لا نكاد نقرأ الشعر نفسه فى هذا العصر حتى نرى فيه نفسنا أو على أقل تقدير نرى فيه المثل العليا التى يتمثلها كل واحد منا لما يجب أن يكون عليه هو لما يجب أن تكون عليه أمته ولما يجب أن تكون عليه البيئة التى يعيش فيها.

فإذا قرأنا شعر طرفة أو شعر امرئ القيس فى وصف نفسه وفى وصف قومه فما أسرع ما نجد أنفسنا وآمالنا وميولنا فى هذا الشعر وما أسرع ما يحس كل واحد منا أن هذا الشاعر لا يتحدث عنا نحن. وما أسرع ما نتمثل بهذا الشعر الذى نقرؤه. وما أسرع ما نجد أنفسنا فيه كما نجد أنفسنا فيما نقرأ من شعر الشعراء المعاصرين. بل ربما وجدنا أنفسنا فى ذلك الشعر القديم أكثر مما نجدها فى شعر المعاصرين.

أكان ذلك لأن هذا الشعر بلغ من القوة والروعة واستحقاق الخلود ما جعله مصورا للأزمنة والأمكنة العربية جميعا؟ أم كان ذلك لأن نفوسنا نحن ما زالت قديمة متأثرة بذلك الشعر القديم وبحياتنا العربية القديمة ولم تبلغ بعد أن تتأثر بالحياة الحديثة هذا التأثر الذى يبعدها من القديم بعدا شديدا؟

أما أنا فأعتقد أن مصدر ذلك الأمران معا. فنحن مهما تختلف علينا العصور ومهما تتطور لا نزال متأثرين بحياتنا العربية القديمة. وشعرنا العربى القديم رائع مستحق للخلود. فاجتماع هذين الأمرين هو الذى يصورنا فى هذا الشعر القديم.



ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
هذه ثلاثة أحاديث مجهولة لطه حسين عن الشعر العربى فى عصوره الأولى، ألقاها عميد الأدب العربى فى محطة الإذاعة العربية فى لندن BBC فى أواخر 1940 ولم تنشر فى كتبه التى تضم الكثير من مقالاته وأحاديثه، ليس من بينها هذه الأحاديث التى لا يعرفها أحد.


ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...