بدوي الجبل - عاد الغريب

حلفت بالشام هذا القلب ما همدا
عندي بقايا من الجمر الذي اتّقدا
لثمت فيها الأديم السمح فالتهبت
مراشف الحور من حصبائها حسدا
قد ضمّ هذا الثرى من صيدها مزقا
إرث الفتوح و من مرّانها قصدا
ألملم الجمرات الخضر من كبدي
و أستردّ الصّبا و الحبّ و الكبدا
و أرشف الكأس من عطر و من غيد
فأسكر المترفين العطر و الغيدا
فديت سمراء و من لبنان ساقية
حنانها ما اختفى من غربتي و بدا
تحنو على اليأس في قلبي فتغمره
نورا و تبدع فيه الصّبر و الجلدا
حوريّة طاف جبريل بجنّته
يريد ندّا لريّاها فما وجدا
فديت جفنين من سكب الدّجى اكتحلا
إذا سهدت على جمر الغضا سهدا
سقيت خمرة أشعاري لمى شفة
بخيلة فسقتني الشّهد و البردا
و إن كبرت فلي كنزا هوى و صبا
نهدان من نغمات الله قد نهدا
أودعت عندهما بعض الشّباب فما
خانا وديعة أيّامي و لا جحدا
قد ادّخرت لقلبي عند كبرته
ما صانه كادح للشّيب و اجتهدا
كنزا يضمّ لباناتي منوّرة
وما اطمأنّ من النّعمى و ما شردا
أمدّ كفّي إلى كنزي فيغمرها
بما أحبّ شبابا جامحا وددا
عاد الغريب و لم تظمأ سريرته
فقد حملت بها في غربتي بردى
من روع البلبل الهاني و أجفله
عن أيكه و سقاه الحتف لو وردا
جلاني الظّلم أشلاء ممزّقة
واحتزّ أكرمهنّ : القلب و الولدا
تصغي النّجوم إلى نوحي فيسكرها
يبكي الهزّاز و يبقى مسكرا غردا
ألحانيين على قلبي و لوعته
يبدّدان من الأحزان ما احتشدا
قلبي الذي نضّر الدّنيا بنعمته
رأى من الحقد أقساه و ما حقدا
فيا لقلب غنيّ النور مزّقه
على النوى حقد أحباب و حقد عدى
إنّي لأرحم خصمي حين يشتمني
و كنت أكبره لو عفّ منتقدا
عانيت جهد محبّ في الوفاء له
و الغدر بي كلّ ما عانى و ما جهدا
قرّت عيون العدى و الأصفياء معا
فلست أملك إلاّ العطر و الشّهدا
دعوا كرامتي العصماء نازلة
على الشموس تذيع الحسن و الرأدا
كرامتي الحجر الصوّان ما ازدردت
إلاّ لتهشم أنياب الذي ازدردا
كغابة اللّيث إن مرّ العدوّ بها
رأى الزّماجر و الأظفار و اللّبدا
و كيف أعنو لجبّار و قد ملكت
يميني القمرين : الشّعر و الصيدا
إذا دجا النّور في غمر الضحى ائتلقا
و إن سطا الظّلم مخمور الظّبى صمدا
عروبتي فوق فرق الشمس ساخرة
من لؤم ما زوّر الواشي و ما سردا
تفرّد الله بالأرواح لا ملأ
جلاله سرّها الأعلى و لا بلدا
و ميّز الشام بالنعمى و دلّلها
فمن ثرى الشام صاغ الرّوح و الجسدا
أولى المدائن أخت الشمس قد شهدت
روما و غار الضّحى منها فما شهدا
ثراك و الدّر ما هانا و إن ظلما
وأنت و النّور ما ضاعا و إن جحدا
يسومنا الصّنم الطّاغي عبادته
لن تعبد الشام إلاّ الواحد الأحدا
وجه الشام الذي رفّت بشاشته
من النّعيم لغير الله ما سجدا
تفنّن الصّنم الطّاغي فألف أذى
وألف لون من البلوى و ألف ردى
أنحى على الشّام أريافا و حاضرة
فلم يدع سبدا فيها و لا لبدا
جهد العفاة من العمّال جزيته
و كلّ ما قطف الفلاّح أو حصدا
هذا المدلّ على الدّنيا بصولته
ما صال إلاّ على قومي و لا حشدا
و مرعد مبرق ضجّت صواعقه
حتّى إذا قامت الجلّى له قعدا
الظامئ القلب من خير و مرحمة
فإنّ ألحّ سقاه الحقد و الحسدا
لو استطاع محا أمجادنا بطرا
لم يبق لا بدرا و لا أحدا
دع الشام فجيش الله حارسها
من يقحم الغاب يلق الضيغم الحردا
عزّت على كلّ فرعون عرينتها
ما روّضت و يروض القانص الأسدا
إذا العدوّ تحدّاها بصولته
نهدت أرخص روحي كلّما نهدا
تقحّمت كبريائي بوم محنتها
ما سامع المحنة الكبرى كمن شهدا
أهوال ما أوعد الطاغي ليصرفني
عن الشام و نعمى كلّ ما و عدا
ماذا يريد الألى أصفوه ودّهم
و سخّروا لهواه المال و العددا
يكاد تمثالهم يحمرّ من خجل
وقد غدا للطغاة العون و المددا
يا مشعل النور كم حرّية ذبحت
على يديك و نور مات بل وئدا
قد أنكر المشعل الهادي رسالته
فإنّ يماجد خصيما بعدها مجدا
يبكي لحرّية الدنيا و يذبحها
على هواه و لا ثأرا و لا قودا
و من حمى ظلم فرعون لأمّته
فقد تفرعن طغيانا و معتقدا
تحمّلوا وزر هذا الشرق مزّقه
جنون طاغ فأضحى شمله بددا
لا أكذب الله قد أضحت كنوزكم
لصرح طغيانه الأركان و العمدا
لا أكذب الله من أموالكم صقلت
خناجر طعنت حريّتي و مدى
يا راقد الثأر لم يأرق لجمرته
جيش الشام عن الثارات ما رقدا
جيشي و فوق ذرى حطّين رايته
غدا و يملي على الدنيا الفتوح غدا
ألمطمئن و جمر الثأر في دمه
خابت رياحك هذا الجمر ما همدا
ألحامل الغار أمجادا منضّرة و
المدرك الثأر لا زورا و لا فندا
تبرّجت في السّماء الشمس حالية
لتشهد العدّة الشهباء و العددا
جيشي و إيمانه بالحكم مجتمعا
شورى و قد داس حكم الفرد منفردا
لبّى الشام و قد ريعت كرامتها
و ثار للشعب منهوبا و مضطهدا
إنّ الكرامة و الحرّية احتلفا
و لن يفارق حلف حلفه أبدا
من هديه صاغها الإسلام فانسكبت
توزّع النّور و النعماء و الرشدا
هذي الحنيفيّة السمحاء قاهرة
لا اللات عزّت و لا فرعونها عبدا
تألّه الفرد حينا ثمّ عاصفة
هدّارة فكأنّ الفرد ما وجدا
كنز الحنيفة من حبّ و مرحمة
كالنور قد غمر الدّنيا و ما نفدا
نبع من الحبّ لو مرّ الجحيم به
لقطّف الظلّ من ريّاه و ابتردا
لا الفقر حقد و لا النّعماء غاشمة
كلاهما انسجما بالحبّ و اتّحدا
كلاهما أملت السمحاء حرمته
على أخيه فما ابتزّا و لا حقدا
تبنى الشعوب على قربى و مرحمة
و ما بنى الحقد لا شعبا و لا رغدا
آمنت بالفرد حرّا في عقيدته
و كلّ فرد و ما والى و ما اعتقدا
أفدي الشام لنعماها و عزّتها
من أربعين أقاسي الهول و النّكدا
ضمّ الثرى من أحبائي ليوث شرى
و غاب تحت منهم شموس هدى
لداتي الصيد ، شلّ الموت سرحهم
ليت النّجوم و روحي للّدات فدى
الرّاقدون و جفني من طيوفهم
في سامر ضجّ في جفني فما رقدا
قبور أهلي و إخواني و غافية
من الطيوف و أسرار و رجع صدى
و الليل و الصمت و الذكرى و كنز رؤى
لمحت مارد جنّ حوله رصدا
و وحشة لفّت الدّنيا برهبتها
و لفّت الغيب و الأحلام و الأبدا
ألحانيات على تلك القبور معي
و نبّه الفجر طيرا غافيا فشدا
حتّى بكيت فذابت كلّ واحدة
منهنّ في أدمع النائي الذي وفدا
هشّت إلىّ قبور ، أدمعي عبق
على الرّياحين في أفيائها و ندى
ضمّتني الشام بعد النأي حانية
كالأمّ تحضن بعد الفرقة الولدا
ردّت إليّ شبابي في متارفه
و هيّأت للصيال الفارس النجدا
أنا الوفيّ و تأبى الغرّ من شيمي
كفران نعمة من أسدى إليّ يدا

بدوي الجبل

– محمد سليمان الأحمد

* نشرت عام 1962 بعدما عاد من جينيف بعد غياب قسري
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...