سهير السمان - آيسكريم.. قصة قصيرة

الشمس تنتصف السماء والطالبات يتدافعن لشراء الآيسكريم مما يجعل للآيس كريم طعما لذيذا مع حرارة الجو، الفتاة التي أخذت الآيس كريم لا تتردد في أخذ رقم هاتف الشاب الوسيم المدون على باب المحل وصوت أخرى وراءها تقول: ماذا ستفعلين بالرقم؟ تنظر إليها شزرا وتقول: لا دخل لك فيما أفعل.
هكذا يتورط الشاب في تناقل رقم هاتفه بين الفتيات.
ولكنّ عمله هذا يُدر ربحا وفيرا عليه فهو الآن يستطيع أن يلتحق بالجامعة ليكمل دراسته،فهو وحيد والدته التي لا تملك من الدنيا سواه بعد أن فقدت زوجها في حرب صعدة قبل عشر سنوات وهو في السوق يبيع الفاكهة حين شن الطيران غارات جوية على مواقع للمتمردين .
مازال يتذكر والده حين غطت الدماء وجهه وهو ملقى على الأرض ويناديه تعال يا عبد الكريم، كان هذا آخر صوت يسمع به اسمه من والده ولم يبق من تلك الصورة سوى عربة الفاكهة المحطمة لينتهي بعدها مسقط رأسه وها هي الصورة تمتد الآن لتشمل الوطن بأكمله.
في آخر النهار يجلس على الكرسي في محله الصغير يلتقط أنفاسه، وينظر لأشعة الشمس الحمراء في الأفق، وتلوح في حمرتها آماله وأحلامه، سيأخذ شهادة جامعية لامحالة، ووالدته تريد منه أن يتزوج أولاً حتى يُحصِّن نفسه، فهنا يخافون أيضا على الذكرلأنه يتعرض أيضا للتحرش و يرى أمامه الكثير من الفتيات، فالعاصمة ملأى بالفتياتالجميلات يخرجن ويدرسن ويشتغلن ولكنهن منقبات لا يميز بينهن إلا من أعينهن أوأصواتهن، أو من خلال طريقة ربط “النقاب ” وشكله وأحيانا يرسل له بعضهن صورهن على هاتفه النقال ولكنه يشك أنها لهن حقيقة .
يشعر بالإرهاق نهاية كل يوم ويحاول أن ينام بعد أن يغلق هاتفه ولكن صور الفتيات تتوالى أمام عينيه المغمضتين.
هل يختار إحداهن ليخطبها، أم يجعل هذه المهمة لوالدته؟ فهو لا يعلم ما تحت هذا النقاب، يجفوه النوم فيأخذ الهاتف ويفتحه، تتوالى الرسائل والصور، يتساءل من منهن أصدق ومن سيقع عليها اختياره ليحبها، فكيف للحب أن يطرق قلبه أمام هذا السيل. لا يستطيع أن يرد على واحدة منهن أو يتبادل معها كلمات الغزل الليلي. يغلق الهاتف ويحاول مرة أخرى أن ينام.
أمي، أقول لك الآن إني لا أريد الارتباط أو الزواج لأني سأكمل دراستي الجامعية وقد يشغلني الزواج عنها. يقابلها بابتسامته الجميلة وهو يمسح على يدها.
الصورة بإذن من سمية عبدالله
أعرف أن أمامك الكثير من الفتيات وتشعر بالسعادة حين اقتصوا اسمك ليكون كريم فقط .
يضحك بصوت عال ويقول: هذا أخف كثيرا من عبد الكريم
خيرا يا أمي دعيني ألتحق أولا بالدراسة وبعدها سنرى.
تجيب أمه: ما معك إلا كلمة خير تنهي بها الكلام كل مرة وأين هو الخير وقد مرت سنين عديدة ونحن نعاني من الحرب في صعدة. والآن تلحق بنا إلى هنا.
كانت الطائرات تحلِّق بكثافة هذا اليوم ولكن ما أساءه هو انقطاع التيار الكهربائي منذ فترة فلم يعد بإمكانه أن يصنع الآيس كريم، طالت هذه الحال شهورا منذ بدء الحرب علىالبلاد كلها كانت من زمن محصورة في صعدة فقط. فما أن بدأ يتنفس ويدنو منه تحقيق حلمه حتى تراجع كل شيء إلى الخلف، وامتدت الحرب لتشمل كل البلاد.
حتى هاتفه لم يعد يزدحم كما كان بالرسائل والصور، لقد تقلص فترة شحن الهواتف بسبب انقطاع التيار الكهربائي، وأصبح الظلام دامسًا في كل الليالي، يخرج في النهار يجلس أمام دكانه الذي عجز أيضا عن دفع إيجاره.
مرت فتاة من أمامه تسأله. وهي مرتبكة تضع عينيها على الأرض وتارة على وجهه الجميل.
–ألم تعد تصنع الآيس كريم؟
–ينظر إليها بابتسامة فاترة ويجيبها لا لم يعد هنا آيس كريم.
–تصدر تنهيدة مواساة وتقول: خسارة.. هذه الحرب لم تدع لأحد شيئا… حسنا.. لماذا لا تصنع أي شيء آخر غير الآيس كريم.
– تأخذه عيناها بعيدا عن تلك الصور المغبّرة والدخان المتصاعد من أعالي الجبال المقصوفة. في عينيها يرى منزلا جديدا غير منزله المدمر في صعدة.
يتفرع الحوار بينهما ويشعُر بأن الفتاة متحسرة عليه حقا، ويقترب الحديث بينهما أكثر لتسأله عن اسمه ومنطقته وأسرته، ويعلم أنها لم تراسله من قبل مثل بقية الفتيات اللاتيانقطعن عنه الآن بسبب انقطاع الكهرباء.
يبدأ قلبه يدق كل يوم عندما تمر به وهو جالس أمام دكانه المغلق. ينتظرها في شغف وشوق فلعينيها بريق يؤنسه في هذه الليالي المظلمة. هل يقرر أن يبيع الأرض المتبقية لديهم في صعدة لذلك الوغد الذي حاول أن يشتريها منهم مرارا، كما يشتري ويبيع الأسلحة لتبقى الحرب قائمة في منطقته. فكيف يوفر المبلغ المطلوب لخطبتها الآن؟
الصورة بإذن من سمية عبدالله
ترد عليه والدته: الآن! الظروف صعبة يا ولدي. وحالك في العمل متوقف بسبب الحرب، فلتؤجل الموضوع قليلا ولا نريد أن نبيع الأرض في هذه الظرف.
تمر الأيام والحرب تشتد ويسمع كل يوم عن أولئك الشباب الذين يلتحقون بالجيش للدفاع عن الوطن، فالشباب يلتحق تحت مغريات كثيرة، منها تقاضيهم مرتبات من الحكومة الجديدة وأسلحة خاصة يحتفظون بها إلى وقت الالتحاق بالمعركة.
يأتيه صوت الفتاة رافضا انضمامه مع أولئك المغتصبين للبلد لتقول له.
–ألستم أيضا من عانيتم منهم في صعدة، حين فجَّروا الحرب فيها، وشردواأبناءها، والآن تريد أن تنضم إليهم.
– لا أريد أن أكون معهم ولكني أحتاج لمرتب يعولني أنا وأمي، سأسجل اسمي فقط ولنأذهب معهم وسأجد طريقة ما لأتهرب من الخوض في أية معارك.
– سيتم استدعاؤك طال الوقت أم قصر، ألا تخيفك هذه الجنائز التي تعود بين أسبوع وآخر؟
–لا تقلقي سأسجل اسمي فقط.. أعدك بألا أذهب.
خيَّم الغمام على السماء وهي تنظر في شاشة الهاتف المعتمة وانتابها إحساس بالنهاية. ليتها لم تحب ذلك الآيس كريم. ولم تقف في ذلك اليوم تراقبه وهو أمام دكانه حزينا.
تمر الأيام ثقيلة والظلام يزداد يوما بعد يوم والقصف يدمر أكثر أنحاء العاصمة.
الشوارع لم تعد كما كانت، تكاد تخلو تماما من الحركة. المحلات والمطاعم تُغلق أبوابها والكثيرون تخلّوا عن تجارتهم. وسُرِّح الكثيرون من العمال الذين في الشركات الخاصة والمعامل والمصانع؛ فقد انقطعت الموارد النفطية والطاقة التي تشغل كل ذلك. والناس يلاحقون المولدات لشحن هواتفهم التي لم يعد يستمر شحنها غير ساعات بسيطة، الكل يتخبط في عملية شحن هاتفه، ويبدأ الناس في شراء البطاريات الخاصة بالسيارات، ويستعملون الأسلاك لتوصيل لمبات الإضاءة الصغيرة، وكأن العالم الآخر جاهز لحل هذه الأزمات الصغيرة.
يمسك هاتفه ليرسل لها رسالة بعد مرور يوم كامل بعد أن فشل الارسال في اليوم السابق.
–لا تقلقي يا عزيزتي سأستلم الراتب والسلاح وأعود. أرجو دعاءك لي بالتوفيق.
–لا تذهب أرجوك لا نريد راتبهم ولا سلاحهم اصبر ستنتهي الحرب وتبدأ فيالعمل.
–أقول لك لا تقلقي فالكثيرون يأخذون مرتباتهم ويقعدون في البيت بعد ذلك، ولايذهبون للمعارك.
–لا تصدِّق أحدا فكلما تشتد الحرب يستدعون البقية فالجنود يتساقطون كل يوم.
– سيكون خير.
أغلق الهاتف ولكنه لم يغلق قلبه المرتجف من صوتها المرتعد من غد يبدو معروفا.
في الصباح الباكر الذي لم تشرق الشمس فيه، صوت صاروخ ينفجر ويهز صنعاء، يسقطالهاتف من يدها قبل أن تصل رسالتها إليه وهي واقفة عند باب محله المغلق لتسقط حروف عنوان المحل ” آيس كريم ” مع قطرات عينيها المليئتين بالدموع.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...