د. سامي عبد العال - استعارات التأسيس الديني: كما لو As If


هناك نموذج استعاري يكاد يطْغى على تضاعيف وانحناءات الثقافة العربية الإسلامية. هو نموذج ( كما لو As If..)، وربما أغلب هذه الثقافات الفرعية أو تلك من النهر التاريخي الكبير لثقافتنا الأم يسير بهذه الآلية. وصورة الـ " كما لو.." تعني ممارسة الفعل والفكر وفهم الخطابات والنصوص كأنَّها ( الحقيقة المطلقة )، وكأنَّها ( السلطة المتعالية )، وكأنَّها (الميتا وراء ) بوافر المعنى، وكأنها ( الحياة و الأخرة ). وتدريجياً على صعيد المعرفة، سيحل المشبّه به ( المُطلق ) محل المشبّه ( النسبي ) مكوناً وضعاً ليس مناسباً لعمليات القراءة والمعرفة والتفكير. وهذا الاحلال سيرسم فكراً مقفلاً على نفسه دون الاهتمام بالزمن والحياة.

إن تاريخ الثقافة العربية الاسلامية إجمالاً هو عمليات من ( الحشو الإستعاري البلاغي ) المتواصل الذي فقد الأصل ولا تستطيع أن تملأ مكانه إلاَّ بواسطة البدائل المتاحة. ثم سرعان ما يحتل البديل ( يغتصب وينهب ) مكان الأصل ويدّعي ضمناً أنه يفوقه انطولوجياً ومعرفياً. ونظراً للشعور الجمعي بفقدان المرجعية كاملة ( حيث تعيش مجتمعات وشعوب عربية حائرة بين الماضي والمستقبل )، ستكون هناك رغبة ( من جنس الفقدان وبملء التاريخ ) في استعادتها المتواصلة ( الحنين إلى الفائت وبكاء الأطلال ). ولذلك يوجد انتشار واسع النطاق لفكرة التأصيل في الذهنيات الإسلامية، فعندما تكون هناك معرفة يتم إسنادها إلى أصل بعينه مع تثبيت مرجعيته بإطلاق.

التأسيس الأقصى
وهذا معناه ما يلي:
  • أن الثقافة ( وبخاصة ثقافتنا العربية الإسلامية ) أبنية مؤسسة على ( فكرة الموت ) في مجمل التفاصيل. والمعنى المعبر عن الزائل هنا يحكم أطر التفكير بصفة عامة، حيث يرى الناس في صورتي( التقدم والتطور) عملاً دنيوياً نهايته التلاشي، لأن النهاية المحتومة بالموت هي النتيجة القريبة جداً. والفكر الديني قد لا يحتكم إلى معايير موضوعية لصالح الحياة، بل يعول على رهبة الموت لإحراز الانتشار ولضمان سماع صوته دون تردد. وهذا هو السبب في شيوع البكائيات واستعمالها في انجاز الأعمال وأمور الحياة. ولذلك سيكون تأسيس النصوص والأفكار أخروياً، بمعنى أن هناك دوماً معاني مؤجلة قد تتحقق ولا تتحقق. وهذا في المجتمات يتيح للمتسلقين والفاسدين والمستبدين أن يتولوا مراكز القيادة تاركين أمرهم إلى الله في الأخرة. مما يشيع جواً من الإتكالية والإهمال بينما الإنسان مأخوذ بما يفعل تركاً واتياناً. أي أن الترك في الثقافة يساوي إتيان الفعل، لأن هناك من يملأ هذا الفراغ بشكل سيء، فيُعتبر ما قام به فعلاً في نهاية الأمر وبالتالي يجب أن يتحمل مسئوليته ( التاركون له والأتون به) على السواء.
  • مقابل الموت الذي يسبب الفقدان ( الفراغ – الحاجة إلى اليقين)، تتكون جميع نزعات الإطلاق وإدعاء الحقيقة الكاملة. ولذلك يؤكد كلُّ حاكم مستبد أنه ( خالد مخلد ) فوق كرسي السلطة وفوق أنفاس الشعوب. ويؤكد كل رجل دين أنه يقول ( اليقين كل اليقين ) ولا شيء سواه. ويقول كل عارف إن كلامه يحوز الصدق قبل أي شخص. وهذا هو الصدى البعيد لنوع من التأسيس المعرفي على الاعتقاد أكثر من الواقع. والحال نتيجة ذلك أن النصوص مهما تقول شيئاً معيناً سيكون المعنى شيئاً آخر.
  • الإستعارات هي الحاضنة البدائية للوعي البشري، وهي المرحلة المتأخرة من تكوين الأفكار بصور غير ناضجة وستكِّون لدى اصحابها ( كل الحقيقة ). لأنها حاضنة فيها من البلاغة والمجاز أكثر من المعرفة الدقيقة. وهذه المرحلة كانت تواكب عصر العجز الإنساني عن صناعة الواقع وانتاج التاريخ وابداع الحياة.
  • الرؤية الدينية للعالم أمر أساسي في هذه الحالات، والدين في مجال الاعتقاد لا مشكلة فيه شريطة الوعي بمكانه إزاء الحياة والتاريخ والمعرفة. ولكن المشكلة هي الخلط بين تكون الفكر وسياق الفعل في ضوء الإعتقاد والإيمان. وهنا بمجرد تفعيل هذه الصورة الخاصة ستنشط استعارة ( كما لو.. ) مباشرة، فالدين مجال للإنجاز والأداء الفردي الخاص ويصعب تعميم الانجاز أو اسقاطه استعارياً على الواقع.
ذلك أنَّ الإيمان الديني في لاوعي أصحابه يرتبط عادة بالتحقُق غير المباشر، لدرجة أنهم يتخيلون ( أو بالأدق يشعرون ) أنْ ما وَقرَ في القلب قد تمَّ انجازه كأنَّه شيء فعلي. وهذا نوع من التمثيل النفسي الداخلي على مستوى الواقع ( أو إعادة انتاج الواقع ) بحسب ما يوجد لدى الفرد من معتقدات وصور إيمانية. وغالباً يأتي توصيفه الجاري كما يلي: أنَّ الإيمان ( فعل وجود being act )، حتى ولو لم يتركً آثاراً ملموسة خارج المؤمن. فهو من وجهة نظر صاحبه قد حدث نتيجة الامتلاء الباطني بما يُؤمن، وهو ذاته من طرف الإنسان الآخر ليس واصلاَ إليه هنا أو هناك. لكن الخطوة الأهم: أنَّ المؤمن يرى في إيمانه الخاص عالماً مكتفياً بذاته في الوقت نفسه الذي يتجسد معه خلال الحياة.

ولربما كان نموذج الايمان الديني كـ " فعل وجود " هو( الأضعف والأقوى معاً) في اتجاهين عكس بعضهما البعض. هذا النموذج هو الأقوى من جهة العمل والتحقق في الحياة وفقاً لآثاره المترتبة عليه دون تحسُب للعواقب، لأن كل إيمان يملأ صاحبه بواقع خاص هو وحده الذي يلامسه ويسعى إليه إجمالاً ( من الخاص إلى العام، ومن الاعتقاد إلى الممارسة ). والنموذج السابق هو الأضعف أيضاً لكونه يحمل عالماً أكبر ليس من ضمانةٍ له إلاَّ بالنسبة لهذا الفرد أو ذاك ( من العام إلى الخاص، ومن الكلي إلى الجزئي).

وفي الاتجاهين يسير الإيمان ومعانيه أيضاً بطريقة ( كما لو as if ). أي أن المؤمن يمتلئ حباً للمقدس ولمعانيه ( كما لو..) أنه معشوقه الأول والأخير و( كما لو ) أنه لا يوجد في الحياة والكون سواه، وهذا صحيح على صعيد الامتلاء الروحي والمسئولية الإيمانية. ولكن الأخطر أن المؤمن حين يستنزل موضوعات الإيمان من كليتها الفائقة عن الوصف( مثل فكرة الله ) عبر تجربته النوعية( كما لو..) فهي موضوعات كانت متجسدةً بما هي كذلك. أي كانت متشخصّة سلفاً لديه ولدى الواقع، ولذلك حارب الإسلام قدر ما يستطيع الوثنية والصنمية وأخيلة التجسد من تلك الجهة، ومن جهة ألاعيب استعارة (كما لو هذه ) عن طريق معنى التوحيد الخالص( ليس كمثله شيء..). كما يؤكد القرآن بنفي الكيفية الناجمة عن ( كما لو ...) الواردة في ظلال الآية.

وحدها أيةُ قرائن إيمانية ( أو براهين قائمة على الإيمان فقط ) قد لا تساوي وجودياً عالَّماً متولِّداً عنها أو سابقاً عليها، إنّها عندئذ الرغبة الإنسانية المسئولة عن ( تقديس ) الغيب كأنك تراه وتلامسه لينسحب على ما يخرج من ذات المصدر ومالا يخرج. فيجيء الغيب مؤسَّساً تاريخياً في الآفاق العامة رغم أنه فعل إيمان للأشخاص، بل في حالات كثيرة سيأتي نظاماً للسلوك والاعتقاد. وإلى هنا لا مشكلة في ذلك كفعل إيمان، لكن هذه المعنى لو أسس أفعالاً أخرى بصدد المعرفة والتنوع الديني والفكري ستكون هناك إشكالية. فسيبدو الغيب متشككاً في نمط الحياة، فقد يكون هناك الغيب السياسي، والغيب المعرفي، والغيب الاجتماعي، والغيب النسوي والغيب الذكوري، والغيب الطائفي. إذ أن مجتمعاتنا مازالت تعيش( غيبيات ) أكثر مما تعيش في وقائع. ولأن الغيب قريباً من الغياب، فمازلنا نفتقد حضوراُ ملموساً نتيجة غياب حضاري طويل. هذا الكهف العربي الاسلامي الذي لا يرى بارقة ضوء والذي رسمناه بأنفسنا في العصر الراهن.

إذ ذاك لا يكفي كلُّ هذا الكون المتغير، كلُّ هذا التطور الخلاق بعبارة هنري برجسون. حيث تترسب الغيبيات تراثاً قابلاً للترديد باتساع الأفعال الثقافية. إن نصوص ابن تيمة وابن القيم الجوزية ومحمد بن عبد الوهاب وسيد قطب وحسن البنا .. وغيرهم لها سلطة أكبر من سلطة أية دولة عربية بل أكبر من سلطة الأنظمة العربية مجتمعة. تبدو دول العرب قاطبة دويلات بجانب ( رقعة نصوص) هؤلاء الرموز في مُخيلة الاسلاميين. فالقضايا السياسية والمعرفية الواردة في الموروثات نتيقن من صدقها بضمان غيبٍ ليس لها ابتداءً. لأن عالم الدين كله أصبح استعارة لحياة عقيدية أصيلة أصالة معنى الإله. والنماذج المعرفية والفكرية بذلك التّعيُن آليةُ حقائق وإنتاج ليقين فوري بلا انفتاح. مع أنَّ الأخير( أي اليقين ) في شتى الاحتمالات يحتاج عمليات نقديةً وبراهين ونقاشاً طالما أنه في سياق العقول البشرية.

التفكير الاستعاري
مناط ذلك هو ( التفكير الاستعاري ) الذي يوحد بين المعتقدات وبين عالم الأشياء. إنَّ الأساطير والوثنيات القديمة ضروب من استعارات تُخلع على الأشياء. وبهذا تتخلق الآلهة في أشكال ممسوخة مألوفة أو غريبة. ورغم اختلاف العصور لم تتوار الاستعارات المقدسة ببقاياها السارية. قد تتسلل خفية مع النص الديني وأيديولوجياته. فهذا القاع المجازي غائر لدى احساسنا بالأشياء. ولذلك فإن الأيديولوجيات الإرهابية أنظمة استعارية أشبه بالحفريات المنقوشة في الدماغ البشري. ومع التقدم التقني لا يُهال عليها التراب، لكنها وثائق بدائية تخرج مع العنف الديني والصراع المذهبي.

ونظراً لعجز العقل عن معرفة الأشياء في ذاتها nomena كما يذهب كانط، فالإنسان ينَّشْط الاستعارات للقيام بهذا الدور الحيوي. فهي مجازات لمعانٍ لا تحضُر عملياً بأسباب الطبيعة والزمن والفعل. فحين كان يخفق الإنسان في بلوغ شيء سرعان ما يصوغه بواسطة استعارة تلامسه. هو لا يدرك ميتافيزيقا المقدس خارج مستوى الإدراك العادي، فكان عليه أنْ يطاله باللغة. وبهكذا مبرر كانت الاستعارة ذات فاعلية تأسيسية في قضايا الدين والسياسة والمذاهب.

وعلى المنوال ذاته، طرحت خاصية التأسيس في الثقافة الاسلامية بصيغة " كما لو " as if. فلقد جرت المفاهيم والنصوص والأفعال والحقائق والهوية كأنَّها كذا. على أن نفتح عقب الــ" كذا" قوسالأخيلة والمعاني المرتهنة بطرائق التفكير حول العالم والتاريخ. هي كل شيء، ولا شيء يُستثنى إلاّ إنكارها فقط. فالدلالة المعجمية العربية للتفكير تؤكد على التعقل، التأمل بما هما دائران خلال نسق ثقافي دائري. ليس فكرنا اجتراحاً نحو أفق مخالف، لكنه اجترار القديم ومضغه حتى الاختناق. العقل لدينا من عقال البعير خوفاً من شروده، الرباط الذي لا حلَّ منه. ليكون التزاماً صارماً بالاعتقاد السائد حتى النهاية. فهو مقيدٌ بإرادة الجماعة القابضة على صور الأشياء؛ أي أنَّه عقل مدجّن في حظيرة يحرسها الفقهاء والساسة ورعاة البشر بعناوين مختلفة. ولئن كان هناك من بإمكانه الإطلالة ولو سنتيمترات خارجها، ستطاله تهمة ازدراء المقدسات.

من ثمَّ يُستعمل النص الديني كأنَّه واقع فعلي يتمثل( ويُمسرَّح ) في شخوص وقضايا. اللغة الدينية المستعملة عبارة عن مسرحية انطولوجية واسعة النطاق وربما مفهوم ما( كمفهوم الجماعة المؤمنة ) يجري كما لو كان" حقيقة " موضوعية، بينما هو محض تصور سردي لضبط الواقع وتثبيت الدلالة وإحكام القبضة على إرادة الجموع. تماماً مثل العلاقة مع الأغيار، فأية علاقة معهم قد تنعقد كأنها تسامحية وحرة، بيد أنها رغبة تنتهك الحد الأقصى. وبالأسلوب نفسه ستستعمل المجتمعات العربية الاسلامية الراهنة المصطلحات الحديثة كالديمقراطية والأحزاب والبرلمانات والرئاسة والمواطنة والمؤسسات. فهي ليست مؤسسات ولا أبنية سياسية فاعلة في حياة الناس، لكنها عبارة عن خيال نفعي يدير الشأن العام لصالح أرتال المنتفعين وأصحاب الحظوة. وفي أوقات الأزمة يدار الشأن العام بمنطق الغزوات كما كان السلفيون يسمون الانتخابات الرئاسية والبرلمانية بمصر غزوات الصناديق.لأن منطوق الاستعارة الدينية الجهادية أكثر تعبيراً عن غرائز الجموع.

مسرح الواقع لدينا أحد أصناف التمويه الاستعاري الزلق بطريقة (كما لو...). لا يوجد واقع موضوعي، لكن هناك وقائع لسبي جماعي للمواطنين وممتلكاتهم ومدخراتهم في شكل مصالح وغنائم( حتى داخل دائرة الدولة القومية). فكان منطقياً الهيمنة على اللغة كلاهوت اجتماعي مرتبط بقبيلة الإيمان في مقابل قبائل الكفار. إذن التأسيس البديل صناعة ثقافية تتدخل فيها طرائق التخيل وأنماط العيش وسرديات الجماعة حول نفسها وحول الموروث. ولعل الخيال الثقافي يلعب دوراً رئيساً في إفرازه بكامل تواجده الحي. وما من جماعة تدخل العمل السياسي إلا وتستعيد ذاكرتها الرعاعية الضاربة في الزمن.

تناسُل الاستعارات
ليس أقرب إلى الفكرة السابقة من استعمال نصوص الدين وتكرار قصصه كسرديات تقرب المعنى. هذا المعنى الذي يحتاج أصلاً إلى عمل وجهد ووعي لتحقيقه. فكل جماعة وكل مذاهب دينية تمتلك سرداً استعارياً لمعتقداتها أيا كانت. والاستعارات أقرب الأشكال البلاغية لضخ الحقائق عبر نصوص متداولة قابلة للعيش مع الوعي جنباً إلى جنب. إنَّ استعارات القوة والنقاء والخلوص والطهرانية تجاه عصر من العصور وتجاه فكرة معينة تغلف تصورات الدين وتشكله في لا وعي المؤمنين.

وهي أحلام تأخذ أصحابها إلى تحديد موضوعات الممارسة والتشوف إليها. لدرجة أن تلقي العبارات وترديدها يشعرهم بحلول روح عميق داخل أرواحهم. وكلما عاشوا في استعاراته التأصيلية بهذه الآلية، كانوا على اتصال مع دراما النص. فالمعاني تغدو تمثيلية، هذا الصراع بين الأخيار والأشرار، بين المؤمنين والكافرين، بين الطوائف والنِّحل حتى يواكب الشحن الاستعاري للمفاهيم.

ارتبطت الاستعارات دوماً بمعطيات حياتية. فالسراب- مثلاً- امتلاء مجازي لمساحة من التصحر مع قيظ الظهيرة. وهو خيال بيئي حول أشياء قريبة من هذا التجسد. ويستعمل السراب كتعبير عن خداع يكمن في أحلامنا وأفكارنا وحجم العلاقة بالآخرين. كما أنَّ السحب استعارة للمياه التي ستمطر ترقباً للنماء والحياة الرغدة. وفي هذا تكشف كل استعارة كيف نفكر في ماهية الأسس التي نترقبها؟ وهي تجري عادة بصيغة كما لوas if مع أننا نعرف بقليل من التفكير أن الواقع ليس كذلك. والمدهش أن ( الأسس ) تأتي بصيغ متعددةٍ كضروب من المعاني القادرة على تأكيد الاستعارات ثانية. فلو قلنا إنَّ النص يتحدث عن حقيقةٍ ما، فإنه يعبر عنها بعبارات اليقين المباشر. ونظراً لأنه في النهاية لغة، فلن نتمكن من امساكها تماماً لأنها تحتاج إلى سياق يحققها. إذن سيواصل المعنى عملية القذف باستعارته، حتى تشكل الحقيقة كما يقول نيتشه استعارات داخل أخرى كجوفٍ لمرايا منعكسة هي اللغة ذاتها.

إنَّ الميتافورmetaphor دالة على ما وراء الحركة بين مدلولين يتحول أحدهما إلى الآخر لرسم صورة مبتغاة. المثال الأبرز حينما نستعمل صورة الشمس كدلالة على ألقٍ لشخص ما يأخذ مضامين العلو والسمو. هكذا كل المفاهيم الكبرى حول النصوص المقدسة والخلافة والحاكم والسلطة تسكنها استعارات شمولية بطريقة أو أخرى. إن الاستعارة حفرية في كيفية ارتحال المعاني وهجرتها تبعاً لنظام الاعتقاد السائد اجتماعياً. وهي من هذا الجانب تمثل جهازاً بلاغياً لتشغيل ماهية التصورات وآليات الخطاب المتداول.

والاستعارة مزيج من الصور الحسية واللاشعورية معاً. لأنَّها نتاج معتقدات نوعية تدمج الأكوان والكائنات بشكل عجائبي بعيداً عن الواقع. مثل العقل الجسدي، الجسد المتسامي، العاطفة الكونية، الإنسان الحيوان، النبات المؤنسن، العادل المستبد، الفيزيقي الميتافيزيقي. تخليط لعناصر لا تجتمع معاً إلى بدرجات من المجاز. كان المسلمون المؤدلجون ومازالوا يعيشون في سراويلها الفضفاضة إلى اليوم. فالخليفة هو أمير المؤمنين، ولي الأمر، ولا يجوز الخروج عليه، ولا يصح الدين إلاَّ بوجوده، واهب الأرزاق، وفالق الحَبَّ والنوى، طاعم الرعية وجالب الخيرات. قال عنه ابن تيمية: إنه لاحتمال ستين عاماً من الظلم والاستبداد تحت حاكم ظالم أهون من مبيت ليلةٍ واحدةٍ دون سلطان. وهذا المعنى يشغل استعارة الإله في حاشية حاكم بقدرات خارقة. فيضيِّع الدين والحياة من جميع جوانبه لأجل البقاء في كرسيه. وهو كرسي العرش الشاغر دوماً إلاَّ من إله صغيرٍ يتلاعب برعيته كيفما شاء. كل ذلك تحت ( كما لو...). وبالتالي ظل يتسيَّد السلطان تاريخ الإسلام عن طريق الفقهاء وبأمر صحيح الدين كما لو كان ثمة قانون طبيعي يؤيد ديمومته.

ولهذا لن تحدث استفاقة للفكر الديني إلاّ بجعل "كما لو" موضوعاً مفتوحاً للفعل المتطور. فلئن اُشبعت هذه الصيغة بالخيال الرومانسي لقصص الدين وسير أقطابه وأصحاب المذاهب فإن ثمة أفعالاً تنتظرها راهناً. صيغة " كما لو" تفخخ الواقع والحياة استعارياً لصالح خيال متشبث بحياة ماضوية بديلة. كانت هذه الصورة سلفية مرةً ووهابية غيرها وإخوانية سواها وداعشية تالياً... إلى أخر التناسل الاستعاري. وتلك الصور أردية مستعارة بدلالة القداسة ليلبسها المسلمون المعاصرون تحت لافتة الدين. ومع أنَّ الدين لا يفرض بحكم روحانيته اليقظة جسداً ثقافياً محنطاً اسمه السلفية أو الوهابية إلاَّ أننا نرى هؤلاء الأيديولوجيين ( مومياءات نصية ) من لحاهم حتى أخمص أقدامهم.



التفاعلات: نقوس المهدي

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...