رسائل محمود درويش وسميح القاسم

من سميح القاسم في حيفا الي محمود درويش بباريس

الان وقد هطلت الحجارة على هذه الصحراء فأصتصلحتها فاثمرت تينا وزيتونا ارى الى هذه الرسائل انها لم تكن مجرد قطرات دمع من عيون بخيلة بالدمع بل مشى حجلان كبيرة تسير بأمان عرض شارع معبدا بالزفت والقطران اراها ضجة العصافير شعرا فى سيمفونية فجائية تبشر بمقدم الربيع فى بلادنا
هكذا كتب اميل حبيبى عند تقديمة لشطرى البرتقالة الفلسطينية محمود درويش وسميح القاسم فى كتابة الصادر من دار العودة فى بيروت بعنوان الرسائل ونحن نقوم بنشر هذة الرسائل نهديها الى كل من اكتوى بنار القهر والى كل من التحقوا بشق برتقالتهم بالخارج
واثارو الابتعاد تحت واقع القمع والافقار وتكميم الافواه .


***

من محمود درويش لسميح القاسم

عزيزي سميح
وما قيمة أن يتبادل شاعران الرسائل .
لقد اتفقنا على هذه الفكرة المغرية منذ عامين في مدينة استوكهولم الباردة . وها أنا ذا أعترف بتقصيري, لأنني محروم من متعة التخطيط لسبعة أيام قادمة, فانا مخطوف دائما إلى لا مكاان آخر. ولكن تسلل الفكرة المشتركة إلى الكثيرين من الأصدقاء تحول إلى إلحاح لا يقاوم . كم تبهجني قراءة الرسائل...! وكم أمقت كتابتها لأني أخشي أن تشي ببوح حميم قد يخلق جوا فضائحياً لا ينقصني, حتى تحولت هذه الخشية إلى مصدر إتهامات لا تحصى ليس أفدحها " التعالي" كما هو رايج .
الآن أشمر عن عواطفي, وأبداء. لا أعرف من أين أبداء عملية النظر إلى مأساتنا المشتركة. ولكني سأبداء لانضبط ولأورطك في إنضباط صارم. سيكون التردد أو التراجع قاسيا بعد ما أشهدنا القراء علينا , وبعد ما هنأتك بعيد ميلادك الذي يواصل صناعة الفراغ بين العمر والصورة . كل عام وأنت في خير وشعر حتى نهايات النشيد.
لن نخدع أحدا,وسنقلب التقاليد, فمن عادة الناشرين, أو الكتاب’, أو الورثة أن يجمعوا الرسايل الكتوبة في كتاب. ولكننا هنا نصمم الكتاب و نضع له الرسائل. لعبتنا مكشوفة. سنعلق سيرتنا على السطوح, أو نواري الخجل من كُتاب المذكرات بكتابتها في رسائل.
إنتبه جيدا, لن تستطيع قول ما لا يقال. فنحن مطالبان بالعبوس, مطالبان بالصدق والإخفاء ومراقبتهما في آن . مطالبان بأن لا نشوه صورة نمطية أعدتها لنا المخيلة العامة , مطالبان بإجراء تعديل ما على طبيعة أدب الرسائل, أبرزه استبعاد وجوه الشهود وجمالية الضعف الإنساني, فكميف نحل هذه المعضلة التي يجمد بقاءها الفارغ الطلي بين الرسالة والمقالة..؟
سنحاول إفلات النص من ضفافه, إذ لعل أبرز خصائص الكتابة هي فن تحديد الضفاف الذي يسميه النقد بناء. فالنكسر البناء بتعثر لعبتنا الجديدة على ساحتها المفتوحة.
وأصل الحكاية – كما تذكر – هو رغبتنا الواضحة في أن نترك حولنا, وبعدنا, وفينا أثارا مشتركا وشهادة على تجربة جيل تألب على نور الأمل وعلى نار الحسرة وأن نقدم إعتذارا مدويا عن أنقطاع اصاب ساعة في عمرنا الواحد, و أن نعيد ارتباطنا السابق إلينا و إلى وعي الناس ووجدانهم, لنواصل هذه الثنائية المتناغمة – ثنائيتنا - إلى آخر دقيقة في الزمن , بعدما تمردنا عليها في مطلع التكوين الجنين تمردا كان ضروريا لبلورة خصوصية لا بديل عنها في الشعر, ثم تجاوزت نزعتها الاستقلالية لتتجول إلى تناحر سفيه قد كان أحد مصادره إحساس الواحد منا بشكل مفاجئ, بقطيعة حوار توصل إلى يتم لقد كان كل واحد منا شاهداً على ولادة الآخر , فل نتابع هذه الشهادة.
ولكن ماقيمة أن يتبادل شاعران الرسائل...؟
لسنا بشاعرين هنا. ولن نكون شاعرين إلا عندما يقتضي الأمر ذلك . هل هذا ممكن ..؟ لا أعرف إن كنت سترضى بهذا التغييب الملازم لاستحضار انسانيتنا المقهورة " بعدوان" الحب والقصيدة, منذ حول العربي الجديد شاعره الجديد إلى موضوع. فماذا نريد ألأن نقول ..؟ لقد فعل الشعر فينا ما تفعل الموسيقى بموضوعها , تتجاوزه للإفتتان بذاتها وأداتها . ولكن أين مكاننا ..؟ وأين لحمنا ودمنا..؟ أين طفولتنا..؟ لقد تعبت من المهارة. ولكن أعجبتني حاسة المهارة المنتبهة إلى ذاتها في مجموعتك الشعرية الجديدة . ومع ذلك, إن أكثر ما يعنيني هو إنسانيتك. وهنا تحديداً : أبوك . لقد أعاديتني مرثيتك إليه , إلى كرم الزيتون لمعلق على خاصرت السمو الراسخ وإلى قدرتنا على الدهشة وسط تبادل الروائح الصلبة في الطبيعة, وإلى الحدود الناتئة الفاصلة بين الفصول. من لا مكان له لا فصول له. ولكنني مازلت مفتوناً ومجنونا بخرفنا. خريفنا ليس هو الشجر المدافع عن بذائة الزهر , ولكنه الرائحة. فكيف ستنقل إلى هذه الرائحة بالراسئل ..؟
خذني إلى هناك إذا كان لي متسع في السراب المتحجر, خذني إلى مضايق رائحة أشمها على الشاشة وعلى الورق وعلى الهاتف. فإذا تعذر ذلك فليسمع منك كل الحصى والعشب والنوافذ المفتوحة اعتذاري الجارح.
من حق الولد أن يلعب خارج ساحة الدار . من حقه أن يقيس المدى بفتحة ناي . من حقه أن يقع في بئر أو فوهة كبيرة في جزع شحرة خروب. من حقه أن يضل الطريفق إلى البحر أو المدرسة . ولكن ليس من حق أحد حتى لو كان عدواً , أن يبقي الولد خارج الدار .
لم نذهب إلى العمر في هذه الطريقة, بل ذهبنا إلى هذا الطريق. هل تذكر هتافك الساطع " ابداً على هذا الطريق " ...؟ أبداً. . . وإن تعرج أو عرج بنا على منافٍ لم تخطر على بآل آلهة الشر الإغريقية. ولا أفعى جلجامش فعلت ما فعلت بنا بنت الجيران. هل تذكر الشارع الخارج من عكا إلى الشمال العربي , وسكة الحديد الموصولة إلى الجنوب العربي...؟ ولكن , أبداً . . . أبداً على هذا الطريق مهما إشتد مزاح الزمن ومهما توسع حمار الخواجة بلعام .
لست نادماً على شئ , فمازلت قادرا على الجنون وعلى الكتابة وعلى الحنين. ودون أن اتسائل : هل سبقت الفكرة أداتها ليتكاثر عليها هذا الحصار..؟ اصرخ في وجوه الذين يدفعون الفكرة إلى الضجر : إن روحي هناك . وأقول لك : إن أولائك المحتلين, الواقفين بيني وبينك, لا يستحقون اي مقارنة مع أي شر عربي .. عبيد الخرافات, طفيليات العجز المحيط, سلالة الانتقام, لا حق لهم في التصفيق لحماقة الآخرين التي تواصل إنتاجهم المؤقت. وماذا لوانتصروا في غياب ..؟ هل يضمن فولازهم القوي النجاح الدائم لفكرة ميتة..؟ وهل تسوق الأداة الحق من الزائل..؟ لهذا السبب أحارب الالتباس الخبيث, ولا امد حنيني على جسر فردي. فكن أنت جسري الصلب, وقدم لجدل " الداخل والخارج " عافية التواصل. عضني عن غيابٍ لأفرح : مادمت هناك أنا هناك. وافتح النافذة المطلة على العكس . ما كان يطل على الخارج , فينا , يستدير ليطل على الداخل , هي الدائرة . . . هي الدائرة.
ويلحون علي ليقتلوني : هل أنت نادمٌ على سفر ..؟ لن يذهب شيئٌ عبثاً , لم يذهب . وقد حاولنا أن نضخ الوعد بما أتينا من لغة وحجارة ودم , ومازلنا نحاول البقاء والسير . لن ينكسر الصوت ما دام شعبي حيا . . . حيا . . . حياً, ومادام للأرض يوم هو هوية العمر. فلماذا يسق فردٌ واحد إلى سؤال : هل أنت نادمٌ على سفر ..؟ سداً أحاول أن ارد السؤال إلى صياغه , فأهمس في آلة تسجيلٌ صغيرة : إذا كان هذا يريحكم فأنا نادمٌ على سفر ..؟
المكن, المكان, أريد أي مكان في مكان المكان لأعود إلى ذاتي, لأضع الورق علىخشب أصلب, لأكتب رسالة أطول , لأعلق لوحة على جدار لي, لارتب ملابسي, لاعطيك عنواني, لاربي نبتة منزلية, لأزرع حوضا من النعناع , لانتظر المطر الأول. كل شئ , خارج المكان, عابر وسريع الزوال حتى ولو كان جمهورة . ذلك . . . ما يجعلني عاجزا عن الرحيل الحر. . .
ولكنك ستكتب إلىّ لإعادة تركيب ما تفكك في النفس والزمن , برفع رافعة التوازن لثنائية " الداخل والخارج " الخاصة والعامة , لاستعادة أولى الطبقات الصاعدة إلى أفق يفيض عن الطريق . ستكتب إلىّ . سأكتب إليك . . . لأعود . فما زال في وسع الكلمات أن تحمل صاحبها وأن تعيد حاملها المحمول عليها إلى داره . وما زال في وسع الذاكرة أن تشير إلى تاريخ . ويجتاحني ندا راعف إلى عودة , عودة ما إلى أول الأٍياء وإلى أول الأسماء , فكن أنت عودتي.
إذن, أخرج من خزانة الثياب لنلعب لعبة أخري مع فتيات أخريات, ولا تتلكأ طويلا في الشوارع الخلفية, فأنت على موعد مع الشاطئ . حيفى حارة في الصيف ورطبة . ولا تنس أن تزور محطة الشرطة وأنت في طريقك إلى البحر ولا أن تسأل الضابطك عن موعد الاعتقال القادم . قدم له سيجارة وأطلب منه سجنا أنظف من سجن الشهر الفائت . ولا تنس المقال في " مفهى روما" كا المعتاد . . . وإن جائت " السيدة " , سلم عليها وقل لها : سافر. . . وسيعود قريبا . ولا تسألها عن الجنين . . .
قريبا ..؟ ستة عشرة سنة..؟ ست عشرة سنة كافية لتقبل بينلوب ود خاطبها وتلعن بحر إيجة . ست عشرة سنة كافية لأن تتحول الحشرات الصغيرة على جراح أيوب إلى طائرات نفاثة . ست عشرة سنة تكفي لأصرخ : بدي اعود . بدي اعود . كافية لأتلاشى في الأغنية حتى النصر أو الموت .
ولكن , أين قبري يا صديقي..؟ أين قبري يا أخي ..؟ أين قبري ..؟ . . .

***


من سميح القاسم في حيفا الى محمود درويش بباريس

أخى محمود ،

اذن ، هكذا نكف قليلا عن عبث الغربة ونخترع لأنفسنا لقاء ما . وها أنت منذ رسالتك الجديدة ( لماذا تسميها رسالة أولى ؟ ) تقترح بذكائك الذى أعرفه قاعة للعبة وكأنك لا تعرف أخاك فى عناده ( برج الثور ) وشهوته الفادحة للعب بال قواعد !

" نحن مطالبان بألا نشوه صورة نمطية أعدتها لنا المخيلة العامة "

هكذا تقول فى رسالتك ، هديتك الرائعة لى في يوم ميلادى المروع . لا بأس عليك يا أخى الحبيب فهناك من هم أقدر منا على تشويه " صورتنا النمطية هذه " . أما نحن فما علينا إلا أن نرمم " المخيلة العامة " المخيلة الطيبة المدفعة الهالكة شوقاً إلى موت أليف فى زمن الضجيج والوحشة والنعيب . وماذا بشأن مخيلتنا نحن . مخيلة جيل برمته ، حاصروها منذ طولتها الأولى بكأس أمرىء القيس الذهبية وأبهة بنى أمية ، وسيجوها بمطالع المتنبى المدهشة وصهيل الخيل وصليل السيوف منذ داحس والغبراء مروراً بالقادسية حتى " حرب تشرين المجيدة " ؟ ماذا عن ذاكرتنا المحرومة من غضب الصعاليك ونقاء الغفارى ولوعة ابن زريق البغدادى ؟ لقد جروا إلى قلوبنا انابيب نفطهم ومائهم هم ، وتركونا نتخبط بحثاً عن رأس النبع حيث ماؤنا نحن … فما الذى كان وما هو الكائن وما الذي سيكون بعد إذ صعقوا مخيلة طفولتنا عام 1984 وصعقوا مخيلة فتوتنا عام 1956 وصعقوا مخيلة شبابنا عام 1967 وقايضونا عين جالوت بكامب ديفيد ، والحبل على الاعناق .

خانوا ذاكرتنا ، بملوكهم ورؤسائهم وحكوماتهم ومؤسساتهم . خانوا ذاكرتنا شعباً وجيلاً وشعراء وأباحوا لأنفسهم انقصافنا مثل قصبة هشة أمام عاصفة الوكالة اليهودية والكومنولث وجامعة انتونى ايدن العربية (؟) .
لا بأس عليك ، لا بأس على علينا أن نرمم الذاكرة .

مد إلى يدك النحيلة عبر المتوسط . لا تكترث بحاملا الطائرات والطرادات الصاروخية فهي منهمكة بلحم طفلة عربية من ليبيا آمنت بأن رأس الدوتشي موسليني لا تصلح قمراً للصحراء .

مد إلى يدك فى غفلة من انبياء الكذب وشهود الزور . وتعال نأخذ نصيبنا من دهشة العيد الول للقصيدة البكر يوم كانت زيارتك الأولى للرامة . كان ذلك بالامس القريب ، منذ ربع قرن فحسب . هل تذكر كيف استولينا على مضافة ابي العليا وحولناها بلا استئذان الى منتدى ثقافى لثلة من الشبان المدججين بدواوين على محمود طه ومحمود حسن اسماعيل وابى القاسم الشابي وكتابات جبران النبوية؟ هل تذكر ذلك الشاب الذي حاصرنا وأمطرنا بوابل من قصائده حتى ضقنا ذرعاً فتهامسنا " اللهم اجعل هذه الليلة خيراً … فهذا الفتى قد تأبط شعراً (!) ما كان النوم متاحاً الا فى الساعة متأخرة من الليل او في اختها المبكرة من النهار … وآنذاك شددت اللحاف الى ما تحت أنفك مودعاً : ( بخاطرك ) !

" بخاطرك " لماذا أتوقف عند هذه الكلمة ؟ آه صحيح لأنك لم تقلها لى حين أرهقتك ليلة ما في موسكو فشددت مصر الى ما تحت أنفك . لقد أحزني رحيلك اكثر مما أغضبنى . كان فى رحيلك قسط من الانانية بقدر ما كان مماثل من الانانية فى سخطى عليك. والغريب فى الامر ان كتيبة بأكملها من الكتاب والصحفيين والشعراء والقراء رأت في ( حادث الطرق ) هذا منطقاً تاريخياً لتجديد امجاد القيسة واليمنية حتى انهم اقسموا بلا رهة هدب ان قصيدة ( اليك هناك حيث تموت ) موجهة اليك رغم انها نشرت قبل رحيلك بعامين . هكذا كان . بيد أن قصيدتنا المشتركة فى الرامة ودير الاسد وحيفا وحبنا المشترك وسجننا المشترك ونضالنا المشترك وجريدتنا المشتركة وذاكرتنا المشتركة ، هذا العالم الزاخر بالفرح الدامي ، الجياش بغبطة التحدي وكبرياء الالم ، كان رأس النبع الذى اكتشفناه وها نحن نعود اليه .

قلت ( الرامة ) وقلت ( دير الاسد ). وتحضر على الفور تلك البداية السحيقة اللصيقة ( لعملنا المشترك ) فى أعقاب زيارتك لى في الرامة اهديتنى قصيدة . كان عنوانها ( عروس جبل حيدر ). وكان مطلعها :
فى حضن حيد ترقد حيث الجمال مغرد
وبالطبع كان على أن أرد على النار بالمثل . وهكذا اهديتك قصيدة معارضة. كان عنوانها ( بلبل دير الأسد ) . وكان مطلعها :
قلبى يثور ويزيد وعلى الحنين يعربد
مهلا . انتظر راجع المطلعين معي . ألا تلاحظ شيئا، بل تلاحظ بالتأكيد من خلال هذين البيتين اننا بداياتنا كنا مكرسين للتماثل والتناقض في آن . التماثل فى الوجدان والتناقض في شكل التعبير عن هذه الوجدان .
تأمل مفرداتك : حضن ، ترقد ، مغرد .
وتأمل مفرداتى : يثور يزيد ، يعربد .

ياه . أتعلم يا محمود ؟ قد يعثر النقاد فى هذين المطلبين على المفتاح الحقيقى لمداخل تجربتنا – تجربتنا. من جهتى ، يبدو لي الآن أن مناخك الشعرى كان صافيا منذ البداية ، وان مناخى الشعرى كان غائماً منذ البداية .

قد يكون الامر كذلك وقد لا يكون . الا أننى مقدم على البوح لك هنا بسر رافق خطوتنا الاولى قبل ثلاثين عاماً كنت طالباً فى مدرسة الناصرة الثانوية . والى جانب ممارسات سرية شتي كنت أمارس كتابة القصائد البذيئة الصاخبة هجاء لمعلم او تجريحا لزميل او غزلا فى طالبة . وكان الطلاب يتناولون هاتيك القصائد مع ساندوتشات العطلة الصباحية، متلمظين بعدها بما طاب لهم مدحاً أو قدحاً . فى تلك المرحلة اكتشفت بايرون وشيللي عبر المنهاج الدراسى . وخيل الي آنذاك ان بايرون اقرب الى قلبي من صديقة وزميلة . وذات درس من دروس الادب الانجليزى علمنا المعلم أن والد بايرون كان ضابطاً متقاعداً من الجيش برتبة كابتن . فجأة انفجر طالب يدعى سعيد الصح ضاحكاً . دهشنا لجرأة زميلنا علماً بأن استاذ الانجليزية كان رجلا صارماً عصبيا حاد المزاج ، وتفادياً لعاصفة الغضب سارع اخونا سعيد لتبرير موقفه : ( يا استاذ ، والد سميح القاسم هو الآخر ضابط متقاعد من الجيش برتبة كابتن ) . ضحك الطلاب وغفر المعلم . اما انا فلم اضحك ولم اكتشف ضرورة للغفران بل تعاملت مع هذه المسألة ليس باعتبارها لفت انتباه الى مصادفة طريفة او لسعة من زميل يشكك فى مستقبلى الشعرى ، بل باعتبارها نوعاً من التقمص التاريخى الناجز وفق ارادة إلهية …

وحين تعارفنا فيما بعد يا عزيزى محمود ، همست لذاتى وفي ذاتي : ( آها … لا بد ان هذا الشاعر هو زميلى وصديقى هو زميلى وصديقى بيرسى بيشن شيللى !! ) والآن ، في هذا الوقت بالذات ، وبعد ظاهرة الثائية التي أشرت اليها فى رسالتك ، سأكون مموهاً اذا انا زعمت الفكاك من ( ثنائية ) شيللى وبايرون .
يا عزيزى بيرسي بيش درويش .

من حقك أن ( تلعب خارج ساحة الدار ) ومن حقك ان تعود ، ون حقى ان العب فى ساحة الدار ومن حقي انا الآخر ان اعود . ومن حقنا ان نختار قبورنا . لكن تعال نراقب كلمة ( الحق ) هذه . ماذا عنت فى الماضي ؟ ما هو اليوم ؟ وهل تختزن هذه اللفظة الرشيقة والمهيبة فى آن . مضموناً مجرداً فرداً شاملاً وخالدا؟ لا ارى ذلك والا لكان على ان اعلق نفسى على اقرب شجرة . ولنتأمل معاً الفاظاً ومصطلحات رائجة اخرى : السلام … العدالة الاجتماعية … الأمن … الوحدة الوطنية … حق تقرير المصير وهلمجرا . وعليه قس ! ستجد من يفسر حق تقرير المصير على الحق فى اختيار هذا النظام أو ذاك وتكريسه لا بادتنا السياسية والتاريخية ، حتى الجسدية . وحين تسأل امراءة لماذا تزنى تجيبك على الفور أنا حرة ! وإذا سألأت سمساراً لماذا تخون وطنك فسيرد على الفور : أنا حر ! واكثر من ذلك فستجد من يجابهك بصفاقة مرعبة : هه ، تتحدث عن الحرية وتدعو للحق وها انت تنتقص من حريتى وتصادر على حقي !

كلمات يا عزيزى . كلمات. كلمات وألف رحمة على هملت وعلى شكسبير وعلى آله وصحبه أجمعين !
اخيراً لا تسألنى اين قبرك . مادام المهد قضية معلقة فسيظل القبر سؤالاً محرجاً يتيم الاجابة .
الامر المؤكد الوحيد هو ان حواجز الشرطة المحيطة بمطار اللد لن تقوى على احتجاز قلب الوطن الذي ينتظر عودتك ساعة بساعة ودهراً بدهر …

اخوك سميح القاسم
( حيفا – 22 / 6/1986 )

***

من محمود درويش لسميح القاسم

عزيزى سميح

… وعلى ذكر " الحق " الذي يمد لسان السخرية فى رسالتك ، والحق بالحق يذكر او ينكر فضحتنى دمعتى منذ ايام ، عندما كنت اسجل حديثاً تلفزيونياً فى مدينة هلسنكي …
إنقض على احد المحاورين ، وهو كاتب فنلندي شهير ، بهذا السؤال المدهش : هل تعرف كيبوتس " يسعور " ؟

اجبت : نعم، اعرف مكانه لانى اعرف انقاضي . ولكن لماذك تحرك فى هذا العطش ؟
قال : انا من هناك . اعنى : عشت هناك عشر سنين ، ومن حقى أن أعود الى هناك فى أى وقت أشاء …
قلت : فى أى وقت تشاء ، لماذا ؟
قال : لأنني يهودى …
قلت له ، وقد تحول إلى مرآة : ياسيد دانيال كاتس ، يبدو لي انك تعرف اننى ولدت هناك تحت غرفة نوك وتعرف ان لا " حق " لى فى العودة الى مكان ولادتى ، بينما انت الفلندى ، صاحب العشرين الف بحيرة ، تملك " الحق " فى العودة الى بلادى في أى وقت تشاء …
قال : اعرف هذا الظلم . ولذلك ، اعددت لك هذه الهدية ، هذه الأغنية القصيرة :
" انظر الى البلاد التي تسميها وطنك – قال لى توفيق او محمود / عيناك تحدقان في التراب ولا تصلان الى ما تخبئ الارض / القرية التى ولدت فيها عارية وباكية / متحررة من خاصرة أمى / وأنت … ها انت ترفع باعتزاز / كوخاً من الصنوبر " …

وروى لى دانيال ، يا عزيزى سميح مسيرته فى طريق العودة – فهم دائماً عائدون – كما يرويها من يملكون الحق ، اينما كان ، والضمير عندما يشاؤون . اذ ليس على التاريخ الا أن يتمرن على حساب مصالحهم وعواطفهم وينضبط ! كان مثل جميع المهاجرين لا يعلم . لا احد منهم يعلم على ما يبدو – ان في بلادنا شعباً . وحين يواجهون عقبات الاندماج فى الارض فى المؤسسة فانهم سرعان ما يعلمون ، ويستخرجون احتياطى الضمير ليختاروا " عودة " اخرى الى " حة " آخر.

من علمك يا دانيال ان تحت كيبوتسك قريتى ؟
قال : شجرة الخروب الضخمة … سألت احد زملائى فى الكيبوتس عمن غرس هذه الشجرة ، فقال : نحن المهاجرين . ولكننى ادركت من عمر الشجرة أنه يكذب ، ادركت ان احد اجدادك هو الذى غرسها . فحملت ضميرى المعذب وعدت الى وطنى فنلندا لم أقل له ، يا عزيزى سميح ، انه محظوظ بامتلاكه حقين ، ووطنين وعودتين قلت له انه عادل ، لانه يمتلك ميزة انسانية اكبر هى : الضمير ، يحركه ، يستعمله ويشهره مى يشاء فى وجه أية مشكلة . فى وسعة ان يتوج قاضيا مادام يتمتع بهذه القوى الانسانية . له حق الكلام والمصداقية . أليس هو الشاهد الذي لا يدحض ؟

ونحن الذين نحتاج اليه نتكلم عبره عما يصيبنا . فهل يحق للعربي ان يتحدث في الغرب بلا شاهد يهودي ؟ لا حظ على سبيل المثال ، كيف يناقش الاسرائيليون قضايا الاحتلال ونتائجها السكانية . انهم يبكون كما لو كانوا هم الضحية ، ونحن الضحايا نصفق لمتانة الدليل !

ولكننى اعلق بطريقة أخرى تشبه معانى الكلمات التالية : وهكذا تدلنا شهادة دانيال على ان السلام فى الشرق الاوسط ما زال قابلاً للتحقيق ، ما دام دانيال يصاحفنى ، ويرضى ان يكون صديقي ، ويكتب لى هذه الأغنية !

وبالاغنية ذاتها التى تخدع ذاتها لتكون ذاتها يقف الواقع على رأسه ، ويعتذر عن وعى شقي ووعى زائف معاً . ماذا يريد الشعر من المستوطنين اكثر من الاشارة الى طفولتنا التى تنسب جماليتها الى المكان ذاته ؟ ليكونوا هم المعبرين نيابة عنا . هل يعبر عنى حاييم نحمان بياليك حين يغنى للطائر العائد من بلاد الشمس الى نافذته المطلة على الجليد الروسى ؟ وهل يعبر عنك حاييم غورى فى وصف الجليل العائد الى اهله الغائبين ؟ وهل تعبر عن هشاشة قلوبنا تلك الاغنية الرائجة : يا بحيرة طبريا ، يا بحيرة طبريا ، لقد هبت الريح ؟ وهل نستعيد جمال القدس ، كما استعادوه ، فى أغنيتهم التي حطمتنا : يا اورشليم من ذهب ، ومن نحاس وضياء ؟

ليس هذا سؤالا ، يا سميح ، بمقدار ما هو نزيف. وهل انتبهنا الى شراسة استيطان الارض ومحاولة استيطان الذاكرة ، وظل استيطان لغة الحنين والعودة والتيه مجالاً لعواطف مشتركة ممكنة ؟ طالما ان سكان " يسعور" يستمتعون بذهب الذرة الصفراء ذاته ، وبالتفاح ذاته ، وبالدوالي ذاتها، ويرفعوون اكواخاً من الصنوبر كما كنا نرفع ويغنون – كما كنا نغني – هب النسيم على الحقول ؟
لا تصدقنى ، فأنا لا أسأل ، بقدر ما أشير الى " حياد " الطبيعة الجارح .

ولكن شجرة الخروب اياها التى دلت المستوطن الاجنبى " البرى " على وعلى اجدادى، هى غلاف هويتى وهى ايضا جلد روحى اذا كان للروح جلد هناك ولدت … هناك ولدت وهناك أريد ان أدفن . ولتكن تلك وصيتى الوحيدة !

شجرة الخروب – أغبطك لأنك تراها كل يوم فى طريقك من الرامة الى حيفا ، ومن حيفا الى الرامة . سلم عليها اذا كانوا لم يجدعوها بعد . شجرة الخروب – اختبأت فى جذعها العملاق المجوف من المطر ومن الاهل عندما كنت العب مع السحالى والزيز والزواحف ، وعندما كنت اتبع خط الاسفلت الساطع الى عكا ، لأشرب بالطاسات .

ويا سميح ، يا سفير قلبي الى الشجر كله ، لماذا اشعر بكل هذه العطش . والعطش الذى لا يرويه غير امتصاص قطرة من الماء على جناح قبرة عندكم ؟ ولماذا يتجمد الزمن عند السنين الاولى … لينفتح السهل امامى فى امتداد لا ينهيه حتى البحر ، وأرى جنود نابليون فى حقولى عاجزين عن اقتحام القلعة على السور . الذي حولته شركات السياحة الاسرائيلية الى سوق تجارية وملاه لليل طوليل ؟
… وينفتح الشرق امامى لغابات الزيتون التى تصعد ، وتصعد بلا تعب وبلا ملل الى تعرجات جبال كثيرة ، متناثرة ، لتصل قريتى بقريتك العالية ، عبر عشرات من القرى المتناثرة ، كالمجاز السهل ، فى نشيد شديد الصعوبة ؛ يدخلنا فى متنه شهداء أو شهداء ، وهكذا تتحول شجرة الخروب الى مرتكز جهات ، والى علامة الفارق بين الارض والسماء . ومن على غصونها أقطف ، حتى الآن حبات الهواء الطازجة .
لم يكن للشهور اسماء لا تذكر متى انقصف حبق الطفولة . ولكن الليل لم يكن بارداً كما هو الآن . ولم تكن للقمر أغان عبرية معاصرة . ولكننى اتذكر ساحة الدار التى تتوسطها شجرة التوت التي تشد البيوت لتحولها الى دار هى دار جدى تركنا كل شئ على حاله : الحصان ، والخروف ، والثور ، والابواب المفتوحة ، والعشاء الساخن ، وآذان العشاء ، وجهاز الراديو الوحيد لعله ظل مفتوحاً ليذيع اخبار انتصاراتنا الى الآن . هبطنا الوادى الحاد المؤدي الى الجنوب الشرقي المفتوح على بئر يشرق من سهل يقودنا الى قرية " شعب " حيث يقيم اقارب أمى وأهلها القادمون من قرية " الدامون " التى سقطت تحت الاحتلال … وهناك – بعد ايام قليلة – تنادى فلاحو القرى المجاورة الذين باعوا ذهب زوجاتهم ، ليشتروا بنادق فرنسية الصنع لتحرير " البروة " … حررها فى أول الليل . شربوا شاي المحتلين الساخن . وباتوا ليلة النصر الاولى . وفي اليوم التالي تسلمها " جيش الانقاذ " بلا ايصال ، ليعيد اليهود احتلالها وتدميرها حتى آخر حجر … ونحن ننتظر العودة على مشارف الوطن .

تعرف السيرة كلها ، يا سميح لقد طالت " نزهة " المهاجرين واختصرت الحرب . وتعرف كيف " تسللنا " من لبنان حين أدرك جدي أن الرحلة ستطول ، وان عليه أن يلحق بالأرض قبل أن تطيرر وحين وصلنا لم نجد غير الخراب . فقدنا حق الاقامة وفقدنا حق الأرض . وحين مارست طقس الحج الاول الى قريتي الاولى " البرودة " لم اجد منها غير شجرة الخروب والكنيسة المهجورة، وراعي ابقار لا يتكلم العربية الواضحة ولا العبرية الجارحة : من انت يا سيد ؟ . فأجاب : أنا من كيبوتس " يسعور " . قلت : اين كيبوتس " يسعور" ؟ قال : هنا . قلت هنا البروة . قال : اين هى ؟ قلت : هنا . تحتنا . حولنا . فوقنا . هنا فى كل مكان . قال : ولكننى لا أرى شيئاً ولا حتى حجارة . قلت : وهذه الكنيسة … ألا تراها؟. قال هذه ليست كنيسة . هذا اصطبل للابقار . هذه بعض آثار رومانية ؟ . قلت : ومن اين اتيت يا سيد ؟ قال : من اليمن . قلت : وماذا تفعل هنا ؟ قال : عائد الى بلادى . ثم سألني : ومن أين انت ؟ قلت : من هنا … عائد إلى بلادي …

هكذا ، يا عزيزى سميح ، يجرى الحوار منذ اربعين عاماً تقريباً . لاحظ المعانى العكسية الانقلابية ، الاستبدادية ، للكلمات ! ونحن فى احسن الاحوال حراس آثار رومانية لذلك ، كان علينا ان نعيش فى " دير الاسد " قريباً منكم ، لاجئين فى وطن محفوظ ، بقرار الهي ، منذ ألفي سنة لعودة راعي ابقار من اليمن !
فكيف نعيد تركيب هذا التفكيك ، فى البداية ، بغير الشعر؟ كنا – انت وانا – نتسلح بالمعلقات ، وبخلاصات المتنبي ، ورهافة الاندلسيين ، ورخاوة المهجريين . وكنا نخدع انفسنا ، فى شبق البحث عن اختلاف ، بتقمص صعاليك وخوارج وبكل ما يبدو لنا انه خروج عن المؤسسة . لم يكن اختلافنا كله مع تاريخنا . لان هذا الاستيطان الصليبي يعارض كل تاريخنا . لذلك ، لم نجد النموذج الجاهز فى مرحلة وعي أكثر تطوراً وتشكلاً . كان علينا ان نبحث عن اصفارنا ، وكان علينا أن نخطئ . اذ ليس لمصيرنا ، ومفارقتنا الانسانية ، ومأساتنا فى اطار مرجعي . وليس لنا من معبر . وليس لنا أن نستعير دموع عاشق اندلسى يبكي الخروج . ليس وطننا اندلسيا ألا في الجمال والاندلس ليس لنا .

وإذا كان لا بد من اندلس ، بتداعيتها الجمالية ، فان فلسطين هى الاندلس القابلة للاستعادة.
سلام عليك يا عزيزى ، يا حارس الخروبة من أغانى الآخرين . ارجوك … ارجوك أن مررت بها غداً ، ان تعانقها وان تحفر على جذعها اسمك واسمى … ولا تتأخر !

أخوك محمود درويش
( باريس – 3/6/1986 )

***

من سميح القاسم لمحمود درويش

أخي محمود...

بين تكتكة الآلة الكاتبة في الغرفة المجاورة وهمهمة المروحة الكهربائية لصق مكتبي وهدير محرك الديزل علي الشارع المحاذي وخشخشة الأوراق المضطربة علي حامل التليفون ودعاء جارتنا الساخطة علي ابنها العفريت بانقصاف العمر فورا وحالا وبلا فرصة لأمنية أخيرة.. بين كل هذا وفي غمرة سيمفونية كاملة من الضجيج العصري تأتي رسالتك احزم كل هذه المنغصات بهدوء ونظام وأضعها جانبا، طامحا الي شيء من التفرغ لقراءتك.

قبل الرد علي رسالتك أود تنبيهك الي أننا وحيدون في حديقة الأسي والتراشق بالياسمين هذه، التي امتشقناها من أضلعنا مثل آدم في طفرته الابداعية الرائعة، ان حشدا كبيرا من الناس يزيح الستائر ويطل من النوافذ المحيطة بنا منتظرا ساعي بريدنا الخاص. ومن المدهش ان بعض القراء يكتشفون في رسائلنا ويستشفون منها أموراً لا أشك في انها لم تخطر لنا علي بال، ولا بأس في ذلك.

يوم الاثنين الماضي كنت جالسا بمنتهي الوقار علي كرسي الاعدام الكهربائي في عيادة طبيب الاسنان وبينما انا أغلي وأنضح في ألم الاسنان كان الطبيب ومساعداته ومرضاه ذكوراً وإناثا، طوالاً وقصاراً شقراً وسمراً مدنيين وقرويين كانوا جميعا أشبه بجوقة انشاد مدرسية أو بكورس كنسي يحدثونني باهتمام أكيد وبلهفة منقطعة النظير عن انطباعاتهم الخاصة بشأن هذه الرسالة أو تلك ويسألون ويعقبون ويختارون، وأنا أواصل الجلوس بوقار علي كرسي الاعدام علاجاً حتي الموت، محدقا في وجهك الهيتش**** لاعناً أجداد أجدادك علي هذه الورطة: ولا بأس، ثم انني اوصلت هديتك الي تلك الفتاة التي مازالت تحلم بأنها عدلت صورتها علي جواز السفر بحيث أصبحت مطابقة لصورتك. وبعملية التزوير البريئة هذه اتاحت لك العودة الي الوطن وبقيت هي في بلاد الغربة منتظرة الفرج. من مؤتمر القمة: مورفي - بيريس - مبارك؟! .
وماذا أقول؟ نحن يا صديقي لا نحسن التمثيل، ولا نملك قوة المهرج الحقيقي ولئن صعدنا خشبة المسرح فلن نجد هناك سوي بيدائنا التاسعة، تتوسط فضائها ونتشظي علي مشهد من النظارة المأخوذين بانفجار الشرايين وانتصاب اصابع اليدين مثل شجرة عارية.

لا يا صديقي، نحن لا نحسن التمثيل، ورسالتك الاخيرة تسجل هذه الحقيقة المبهجة في نهاية الأمر نحن مزجوج بنا في مساحة ما بين الملاك والدكتاتور، نقترب من هذا فيشتتنا ذاك، نضطرب قليلا وقد نضيع قليلا، ولا نعثر علي أنفسنا إلا في القصيدة، ولماذا تنفي صفة القصيدة عن خطاب الجلوس ؟ لماذا تعطي متنفسا غير مبرر لخصوم الشعر؟ لماذا تتيح لهم الوهم بأنهم يحاصروننا بينما هم يزحفون حائرين علي أطراف الغاية عاجزين عن اقتحام مغاليقها العصية الا علينا؟ وهل ننسي أن نظرياتهم الشعرية ليست سوي سيور في حذاء الدكتاتور؟

أعجبتني مهنتك الجديدة، كاتباً لخطابات صاحب السيادة والجلالة والسمو اضحك يا ولدي اضحك ما أجمل أن يصادق المرء احزانه ويؤاخي سخريته، في هذا الزمن الذي ما كنا نؤثر ان يمتد بنا، إلا أنه يمتد ويمتد،
ولا حياة تنصف ولا موت يسعف.

ها أنذا أتأبط ملاكي فتأبط دكتاتورك وتعال معي نتفرج علي النفس البشرية، ان تعبيرا مثل النفس البشرية يوحي تلقائيا بالمغازي الايجابية التي تنسجم أصلا مع اللفظتين في حالة الانفصال: النفس و البشرية وفي هذا الايحاء دليل علي فاعلية التراكم التربوي والتثقيفي لصالح هذا المفهوم العام، ومما يلفت النظر حقا أن هذه الفاعلية لم تتأثر كثيراً بالأدلة المناقضة المتوافرة. علي امتداد التاريخ، وفي التاريخ الحديث حصراً، وحتي لا أؤخذ بالانانية والاقليمية.. فإنني انصرف قليلا عن تجربتنا نحن الفلسطينيين، التجربة الساخنة سخونة الدم الطازج، والتي أثبتت الآن في هذا الوقت، في هذه اللحظة أن النفس البشرية تستطيع الخروج في تظاهرة من مليون انسان الي شوارع مدينة ما جراء لعبة كرة قدم، بينما تنهال شرطة النفس البشرية في المدينة ذاتها بالهراوات وبالغاز المسيل للدموع علي بضع نساء يتظاهرن احتجاجاً علي مذبحة صبرا وشاتيلا.

منذ عشرين عاما، علي وجه التقريب، فقرأت كتابا عن الأرمن، ومن المفارقات التي تميز حياتنا أن الكتاب كان باللغة العبرية وقد ترجمت منه بعض القطع الشعرية الأرمنية الي اللغة العربية ونشرتها آنذاك في احدي الصحف المحلية.

وأمس مساء فرغت من قراءة كتاب جديد عن المأساة الأرمنية لكاتب عربي فلسطيني اسمه الياس زنانيري، وازاء الشهادات المقشعرة الواردة في الكتاب والتي رواها شهود عيان وبعض الناجين من المذبحة، وجدتني متورطا مرة أخري في مسألة النفس البشرية هذه والايحاء التلقائي بمغزاها الايجابي، ان تلهي الجنود بقذف طفل الي الاعلي واستقباله برؤوس سنجاتهم، وبقربطون الحبالي، واغتصاب امرأة نفساء، حتي الموت، واصطياد الشعراء وسحل المفكرين، كل هذه الفنون الكامنة في النفس البشرية لم تبدأ عند جنكيز خان وتيمور لنك ولم تنته عند طلعت بك وأدولف هتلر.

و النسيان الذي نعتبره، بحق، نعمة من الطبيعة علي الانسان، ينبغي أن نعتبره، وبحق، نقمة علي الانسان ومن الطبيعة نفسها، وقد أدرك السفاح المحترف أدولف هتلر هذا السر، فحين اصدر أوامره الي فرق الموت بإبادة جميع الناطقين باللغة البولونية، اختتم أوامره هذه بعبارة ذكية: علي أية حال، من يتذكر اليوم تصفية الأرمن! .

اضحك يا ولدي أضحك .. وانظر أي مطب هو النسيان هذا؟ وكيف انه قابل للتكيف ومهيأ لأن يصبح ستارا من الدخان يخفي وراءه نيازك الجنون المتفجرة في أعماق النفس البشرية!.

إلا أن الذكاء ليس وقفا علي الجزار. انه في متناول الضحية ايضا واليهودي الذي رفع شعار لو نشكاح فلو نسلاح لن ننسي ولن نصفح كان يدرك أنه يمارس الانتقام بمجرد طرح الشعار ذاته، لأنه يفوت علي الجزار فرصة التمتع بنعمة النسيان - نقمة النسيان، ولم يكن الفلسطيني أقل ذكاء فقد سارع هو أيضا الي رفع شعار لا نسيان ولا غفران غامزاً لامزاً، مطيحا بتنينين في ضربة واحدة.

هكذا اذن يتداخل الارمني في التركي واليهودي في الارمني والفلسطيني في اليهودي واليهودي في الالماني والالماني في الأرمني.. تتداخل الفصول، تختلط المقاييس، يمتزج الدم بالسخرية، تتشابه الدمعة والوردة، ويتطابق الموت والحياة في أورجيا صاخبة متفجرة، ونتبجس من كل هذا مصعوقين مبهورين مشحونين بالسخط المتردد كالأرجوحة بين ضفاف النور والظلام، فما الذي أصابنا أيها العزيز محمود، ما الذي أصابنا في هذه الايام؟ لماذا أصبحنا فرائس سهلة للهواجس التي تتشبت بها مثل قشة الغريق؟ هل تذكر هاجس البحر عندك وعند حبيبنا معين؟ هل تذكر هاجس الصحراء عندي؟ ألم تلمس هاجس الصليبيين عند أميل حبيبي؟ وما أنت اليوم مسكون بهاجس الدكتاتور كما يتلبسني هاجس السقوط. ماذا أصابنا؟ أهو الخوف أم هي الجرأة؟ أهي الرؤية أم أنها الرؤيا؟
ماذا أصابنا؟ إضحك يا ولدي إضحك.. إبك يا بني إبك!.

أخوك سميح القاسم
(حيفا 16-9-1986)

***

من محمود درويش لسميح القاسم ..

عزيزي سميح...

ساعات ما بعد الظهر، ضوء سماء زرقاء، ضوء يتلألأ علي أوراق الشجر، ضوء يتسرب الي النفس، ضوء من ضوء، لا من موسيقي موزارت ولا من رواية فوكنر. ضوء ضوء..

لعل أول الخريف هو أحد هبات الطبيعة الجديرة بالمدائح. تشدُّ الشجرة قامتها لتشكر هذا البهاء كامرأة تشكر الرجل.. شجرة، امرأة، قصيدة يونانية صافية. وفي وسع الحمام، المصاب صوته بالربو والزكام، ان يطير علي هذا الضوء الثابت، وأن يطمئن الي سماء العودة، في وسعه أن يكف عن الهديل.. ضوء.
وأحسُّ برغبة في التعبير عن فرح طاريء، مجاني، غامض، ما أشد سعادة المرء حين لا يودع أحداً، ولا ينتظر أحداً، كأنه لا يصحح بروفات كتاب. أمن مثل هذه العناصر البسيطة تتكون السعادة؟.. وجرس الهاتف لا يرن، فما أجمل هذا الكسل! أغلق رواية اسم الوردة للايطالي إيكو، واترك نفسي لفراغ لذيذ.
لا أفكر بشيء يُخرب القلب، واغبطك وانت جالس علي صخرة البداية - الي متي تبقي البداية بداية؟ - سعيداً بشوكة أسوكار وايلد التي تحيل دم العندليب الي وردة، هارباً من سالومي ومن اضطراب مؤلف صورة دوريان جراي وقابضاً علي التعريف المادي الأولي للحرية: هي وعي الضرورة ، ومسلطاً احلام اليقظة علي أساطيل البحر الأبيض المتوسط.. والي متي تبقي البداية بداية؟

ولكن هل استطاع امرؤ القيس فينا - يا عزيزي - امرؤ القيس الذي لا تحبه أن يوقف المذبحة وأن يسقط الطائرات؟ أو هل استطاع، علي الأقل، أن يمنع سواه، ممن ساروا علي دربه، من اللحاق بقيصر، علي الرغم من أنه أدرك الخيبة منذ البداية ونبه السائرين الي أن صاحبه قد بكي...! لا تظلم امرأ القيس، يا صاحبي، وإن وضعه المستشرقون مع السموأل الركيك لأسباب لا تعنيه!

رتب العالم علي هواك، أيها الشاعر القادر علي الاحتفاظ بكل بداية، ومنها وهم الشاعر - أعني قوته ومبرره - في تغيير العالم واستبدال فوضاه بنظام الصورة والإيقاع. وأسلم من الثلج القادم من النافذة. نعم، هناك ثلج لا يراه فتي وجهت إليه السؤال.. هناك ثلج.. ثلج نحسُّ به ولا نريد أن نراه..

وهذا حسن. هذا أفضل من الدفء الرخيص، المبتذل الي حد وصف الثلج بأنه دافيء، ساخن، لاهب. فالثلج ثلج يستمتع بمشهده العباد، عبر الزجاج، وهم جالسون في بيوت دافئة، ألا يشبه هذا اللؤم المنافق لؤم المتفرجين علينا، عبر الزجاج والنظريات، وهم يستمتعون بالدفء، والنصر؟ ونحن.. أو بعضنا يتلقف الآهة الضرورية لتحسين الصورة، ونبني عليها، أو منها، تخطيطاً أولياً لتأسيس جمهورية أفلاطونية!.

هل أسخر؟ أسخر كثيراً. فالسخرية وهي البكاء المُبطن خير من دموع الاستعطاف، لأن الأجل قد امتد بنا الي ما دون أرذل العمر، الي يوم نهبُ فيه لمواساة القاتل بما حل به من مصاب، هو تأنيب الضمير، حين أتقن لعبة البكاء الالكتروني علي ضحايانا، فكدنا نقول له: اغفر لنا موتنا علي يديك.. اغفر لنا أننا سببنا لك بعض الازعاج!..

اضحك، يا ولدي، اضحك، فليس في وسعنا ان ننساق في لغة الحزن أكثر مما انسقنا، فلنوقفها بالسخرية، لا لأن السخرية هي اليأس وقد تهذب كما يقولون، بل لأنها لا تثير الشفقة، ولأنها تنزل القاتل من منزلة الفكرة المجردة، السلطة المطلقة، الي إنسانية تتعارض مع إنسانية البشر ومع الطبيعة الإنسانية الي انسانية مضحكة بقدر ما هي مرعبة..

هل تعرف ماذا يُشغلني في هذه الأيام، انه الدكتاتور، نقيضٌ ملاكك.. الدكتاتور، اني مشغول بالدكتاتور الي درجة عينت معها نفسي كاتباً لخطب الدكتاتور!!. ما أصعب هذه المهمة، وما أشدُّ ما تثيره من متعة حين نعي أنها لعبة أدبية. سأواصل كتابة خطب الدكتاتور، أليس هذا مسلياً؟.

هل تساءلت يوماً عن خلو الأدب العربي الحديث مع شخصية الدكتاتور؟ ألأن ملامحه لم تتبلور، بعد، في وعينا، أم لأننا نخلو من طفل أندرسوني البراءة يشير الي عُري الملك؟.. لقد فسر الكولومبي غارسيا ماركيز اهتمام الرواية الأمريكية اللاتينية بشخصية الدكتاتور بقوله إن الدكتاتور هو الشخصية الأسطورية الوحيدة التي انتجتها امريكا اللاتينية . أمن الضروري أن يتحول الدكتاتور العربي الي شخصية أسطورية لتنتبه إليه الرواية العربية الحديثة، أم أننا نحتاج الي شروط أخري لتعامل أكثر واقعية وأقل تجريدية مع سؤال السلطة؟.

الدكتاتور فينا حد التماهي، شخصاً وفكرة. الدكتاتور في نسيج حياتنا، بأسلوب آسيوي كما يقول الاستشراق، سواء كان الدكتاتور معبود الجماهير أم عدو الجماهير ولكنه ما زال مغلفاً بالتجريد، لا أحد يعرفه، لا أحد يراه، مخبأ بأغلفة سميكة من الكوادر والمصالح والأقنعة، لأنه مشغول بتأمين مستقبل مزدهر للأمة تارة، ولأنه مشغول بتفكيك الأمة وإعادتها الي مصادر تكونها الأولي تارة أخري، ولأنه دائماً متأرجح بين المصطلحات الأيديولوجية المرنة وتوزعنا التلقائي والقسري علي خنادق أوهامنا.. الدكتاتور حولنا، بيننا، فينا.

حين انتهيت من قراءة رواية الغواتيمالي العظيم استورياس السيد الرئيس انتابني شعور غريب وملتبس: شعرت انني انتهيت من كتابتها لا قراءتها. كم تسحرني هذه الرواية المدمرة التي لا تُظهر الدكتاتور في أكثر من صفحتين. ولكنه منتشر في نسيج الخراب النفسي، والتدمير الذاتي، والموت الأخلاقي، الذي أشاعه في من يعملون معه، وفي تغييب الحد الأدني من العلاقات الإنسانية حتي بين أفراد حاشيته، وفي تحويل القلب البشري الي خرقة.

وبالمناسبة، لم أفهم لماذا استدرج صديقنا ماركيز الي القول إن هذه الرواية رديئة جداً رداً علي قول استورياس ان ماركيز مجرد كاتب أمثال . لعل هذا التراشق بالإنكار والضغينة هو أحد آثار التخريب النفسي التي أشاعتها الدكتاتورية في أمريكا اللاتينية حتي علي مستوي العلاقات بين الأدباء الذين تفشت فيهم الدكتاتورية الأدبية وهم يقاومون الدكتاتورية العسكرية.

الدكتاتور يتلاعب بمصائرنا، فلم لا نلعب بشخصية الدكتاتور بتحويله الي مضحك، كما كنا نسخر من الحاكم العسكري الاسرائيلي بتحويله الي مجرد خواجه في مطلع حياتنا الأدبية والسياسية. هل تذكر تلك الأيام؟ هل تذكر زاوية من وحي الأيام في جريدة الاتحاد التي تألب علي كتابة قصائدها الساخرة حنا أبوحنا وتوفيق زياد وسالم جبران؟ لماذا توقفتم عن السخرية، واحتكرها شيخ شبابنا أميل حبيبي؟ وأنت.. أنت ألم تكن لاذعاً ورائعاً حين دفعت قرقاش الي تعيين وزير للفرح ووزير للحزن لا تفرح الناس ولا تبكي إلا بأمر منهما، أو لعلهما اللذان يفرحان ويبكيان نيابة عن الشعب!.

... والدكتاتور يعيش في حياتنا، ويصوغ أسطورته التدريجية، هل خطر لحاكم أمريكي لاتيني أن يُسلط صورته علي القمر بالأشعة ليؤمن الناس بنبوءته عندما يرون وجهه طالعاً من القمر، كما قد يفعل حاكم عربي؟ أفي وسعنا أن نواجه هذه الظواهر الساخرة بغير السخرية؟.

حين باشرت كتابة خطاب الدكتاتور الأول خطاب الجلوس كنت أنوي كتابته نثراً، ولكن امتلائي بالسخرية
جرني الي الايقاع. ورغبتي في الضحك جرتني الي القافية. لماذا تثير القافية الضحك الي هذا الحد؟ ألأنها تسلط الحواس علي النتوء، ولأن الدكتاتور نتوء في الطبيعة؟ لا أعرف تماماً. ولكن الانسجام في غير موضعه يثير السخرية، والانضباط في موقف فوضوي يثير الضحك. أليست القافية هي أعلي تجليات الانضباط؟.. وهكذا رأيت أن من المضحك أكثر أن استخدم قافية واحدة لكل خطاب الضجر وهو الخطاب الثاني من سلسلة خطب الدكتاتور التي لا أعتبرها، ولا أريد لأحد أن يعتبرها قصائد، بل خطباً موزونة!..
من هو دكتاتوري؟.. إنه مجمل خصائص الحكم العربي الفردي الاستبدادي المجافي للطبيعة، والمتجسد في حكام يتداخلون في بعضهم تداخل الصفات العامة المشتركة في فرد، دون أن أحدد ملامحه الشخصية المميزة، لأن ذلك قد يعرضني الي خطر استثناء آخرين، وقد يعرضني ايضاً الي مخاطر الهجاء.
وقد تسألني عن مصادر إنسانية الدكتاتور: هل هي تعاطف خفيّ مع ما يعانيه الدكتاتور من اغتراب وعزلة وحرمان إنساني؟ أم هي تضخيم مع سلطة الكتابة؟.

لعل مصدر الالتباس الذي تبعثه هذه الأسئلة هو أن علي الكاتب أن يتقمص شخصية موضوعه. ومن شروط هذا التقمص ألا يحوَّل الدكتاتور المخلوق من لحم ودم الي آلة، فهذه الآلة تصلح لعمل الكاريكاتور لا للأدب الساخر الذي يشترط مستوي انسانياً ولعل انسانية الدكتاتور هي نتاج تدخلنا وشرطها لإعادة انتاجه أدباً من ناحية، ومن ناحية اجتماعية - فإن الدكتاتور هو من نتاج البشر، ولو كان تشويهاً لطبيعتهم البشرية!.
أما الجانب الشخصي الذي لاحظته، يا عزيزي، وهو المشترك الضروري بين المؤلف والمؤلف، فإن هنري برجسون يفرسه في دراسته الشهيرة عن الضحك بقوله: مهما يكن الشاعر الهزلي قوي الرغبة في استجلاء مضحكات الطبيعة الإنسانية، فما أحسبه يمضي الي البحث عن مضحكاته هو. ولنفترض انه أراد ذلك، فلن يستطيع الوصول إليها، إذ لا يُضحك في المرء إلا الجانب المحتجب عن وعيه من شخصيته ولذلك فإن الملاحظة في الملهاة تجري علي الآخرين، ومن هنا تتصف بالعمومية. وهذا ما لا يتوفر لها حين تجري علي الذات. لأنها وقد استقرت علي السطح لن تبلغ من الأشخاص إلا غلافهم. وعند الغلاف يتماس الناس، ويكون من الممكن ان يتشابهوا .

لنضحك قليلاً مع الدكتاتور وعلي الدكتاتور. ومهما كان الاختلاف الايديولوجي بين أنواع الدكتاتورية صحيحاً فإن الدكتاتور - في علاقته بالناس وفي عزلته - هو الدكتاتور. والدكتاتور يثير الرعب والسخرية معاً. وساعات ما بعد الظهر هي وقت السخرية. سأودعك الآن لأكتب إحدي خطب الدكتاتور، فقد أطلقت عليه قافيتي، كما أطلق هو عليّ نباح كلابه.. وكُتابه.

أخوك محمود درويش
(باريس - 9/9/1986)



====================




محمود_درويش إلى #سميح_القاسم
( الرسالة الأخيرة )
عزيزي #سميح،
بين عاصفةٍ وعاصفة، قد نجد مَقعداً للحنين أو للوداع. طوبى لهذه السُّكنى القصيرة المُسَوّرة بالرّيح. ولكن، لماذا تخشى السُّخرية؟ إذا كان لا يروقُكَ تعريفُها بأنّها "اليأس وقد تهذّب"، فإنّ في مَقدوركَ أنْ تُسمّيها ما شئتَ، شرط أن تدرأ عنكَ البُكاء.. وأن تقترحَ وردةً على الليل.
أمُّكَ، أمّ قاسم، أمُّنا المُشتركة، تنامُ أخيراً على مِتْرٍ من وطن. كيف أواسيكَ وأنتَ على مَقرُبةٍ من ثراها! خُذْ قصفةً من حَبَق واذهبْ إليها، وقبِّلْ ثوبَها التّرابيّ باسمي. كلّمتُها منذ شهر ولم تقلْ لي إنها ستغادر ذاك البيتَ القديمَ. كلّمتُها ولم تُخبرني بأنها ستذهب بهذه السُخرية العبثيّة إلى النهاية.
لا أذكرُ منها غيرَ جمالها الناطق وصَلاتِها الصامتة على ولدين منذوريْن لما يٌقلِقُ الأمّهات. قالت إنها قويّة وستحيا من أجلك. والآن، لا أستطيعُ أن أتخيّلكَ بلا أمّ أيّها الطفلُ الأبديّ. لقد اختارتْكَ أنت، لتكونَ يوسفَ قلبِها. ألأنّكَ جديرٌ بكلّ حُبّ؟ أم لأنكَ ذاهبٌ في طريق الشقاء والحُريّة؟
كل الذين نحبّهم ذهبوا... وسيذهبون.
لا تنسَ أن تنثرَ عليها ما وسعكَ أن تنثرَ من حَبَق. ألم تكنْ هي سيّدةَ الحبَق، كلّما فركْنا يدَها أو ثوبَها صرخَ العطرُ بنا ونهانا عن انكسارٍ لا يَليقُ بأغنيةٍ صاعدة. ولكنّ لكَ، يا عزيزي، أمّاً ثانية. لكَ أمّي التي كفّتْ، منذ سنوات، عن إدراك الفارق ما بيني وبينك. عرّجْ عليها في طريقِكَ من حيفا إلى الرّامة، لتُعوّضَ عنكَ غيابَ "أمّ قاسم". عرّجْ على "أم أحمد" لتعوّض عنها رحيلي الطويل.
#أخوك_محمود_درويش
(باريس – 21/6/1988)

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...