قصة ايروتيكة علاء الدين محسن - قصة حب

المتن
لم يكن ضروريا أن نجهش بالبكاء، غير أن دموعنا انهمرت، وكان الجو خانقاً فتعرقنا، وصار تلامس جسدينا مزعجاً، فابتعدنا عن بعضنا خطوتين، ثم أربع خطوات، ثم لم نعد نلتقي أبدا.
ومثلما افترقنا بسبب الحر، التقينا في صباح صيفي ساخن، ولم يكن ضرورياً أن نجهش بالبكاء لأننا لم نلتق كل السنوات التي مرت، فنحن نعرف أن لا انسجام بيننا، ولن يكون. غير أن دموعنا انهمرت، وكانت أسبابي غير أسبابها، وتشابكت أصابعنا كما الأصدقاء في علاقتهم الحميمة، واتفقنا أن نتحادث بما دار في سنوات الفراق. فقالت أنها افتقدتني كثيرا، وقلت لها أنني افتقدتها أكثر. وكنا نكذب على بعضنا بطبيعة الحال، لأنني عرفت معها وبعدها كثيرا من النساء، وعرفت هي معي وبعدي عديدا من الرجال. ولكن الناس عندما يفترقون ويلتقون فلا بد أن يقولوا لبعضهم مثل هذا الكلام.
ثم تعبنا من الكلام فخرجنا إلى الشارع الذي أتينا منه وقد صار الوقت عصرا وطاب الهواء فوجدنا الأولاد والبنات في الزوايا الخافتة وبين الأشجار، إثنين إثنين. كانوا عشاقا وجلين خائفين من شيء ما، لعله الحرب. أما نحن فلم يكن ثمة ما يخيفنا لذا ذهبنا إلى البيت بسرعة.
وهناك اكتشفت أنها لم تتغير، وقالت هي أيضا إنني لم أتبدل. ثم عضتني في صدري وقالت أن مديرها في العمل علمها ذلك، وعضضتها من أذنها وقلت لها أنني تعلمت ذلك من فيلم فرنساوي. ولم نكن نكذب على بعضنا، فذلك الفيلم كان مليئا بالقبلات، وكان الناس فيه يقبلون بعضهم بعضا في كل مكان، وكانت السينما تضج بصفير المشاهدين الذين لا يجدون حبيباتهم بجوارهم ليقبلوهن.
ولم يكن ممكنا أن أفتح النافذة وإلا أطل علينا الجيران ووقعت الفضيحة، لذا صار جو الغرفة خانقاً، وصار تلامس جسدينا مزعجاً بسبب التعرق، فابتعدنا عن بعضنا خطوتين، ثم ثلاثا، ثم لم نعد نلتقي أبداً، ولم يكن ضرورياً أن نجهش بالبكاء، إذ لم يكن ثمة انسجام بيننا، ولن يكون.
الهامش
ولنا، لي ولها، في حبنا مواسم. نتغافل عن ذلك وننكره متى التقينا، ولكنه وقع ويقع. نشتعل وتتأجج فينا العاطفة، فنبقى معا أياما بلياليها، وليال دون نهار، نضحك ونضحك وننام ونصحو ثم نفترق فلا نلتقي شهورا، وعندما نلتقي فكأنما لم يكن بيننا فراق. تسألني عن الصحة، وأسألها عن الأحوال، وهي أسئلة نعرف أجوبتها، ولكننا نتبادلها باستمرار، كما القبلات. فكلما التقينا انصرفنا بسرعة إلى غرفتي او إلى منزلها، وكلانا متعجل. هي تريد العودة إلى طفلها وصديقها، وأنا أريد الذهاب إلى صديقتي. هي تعرف ذلك وأنا أعرفه، وكلانا راض ويرضي الآخر. تقول إنني مختلف، فابتسم وأقول لها إنها لا تشبه باقي النساء. صديقتي لا تشبهها، وصديقها لا يشبهني. وكلنا لا نشبه بعضنا، ولهذا نحب بعضنا. وأنا لا اعرف صديقها وهي لا تعرف صديقتي. لم تسألني عنها ولم اسألها عنه. ولكننا أحيانا نتحدث عنهما، مثلما هما بالتأكيد يتحدثان عنا. وكنت قد رأيتها في تلك الشركة تنزل السلم قافزة مثل غزالة، فعرفت إنها مختلفة. ورأتني هي صاعدا السلم مقطبا كأنما هموم الأرض فوق كتفي فعرفتني مختلفا. التقت نظراتنا، وتكرر النظر في اليوم التالي، وشعرنا معا برغبة في المحادثة. فسألتها عن غرفة المدير وكنت اعرفها، وأجابتني وهي تعرف إنني عارف، ولكن اللقاء يتطلب استفهاما وإجابة. وعندما التقينا تمددنا في غرفتي عاريين بردانين، حيث لا موكيت لدي ولا مدفأة. وكان ابنها ساعة اللقاء مريضا فبكت على صدري، وكنت مطرودا ذلك الصباح من عملي فبكيت على صدرها. وقالت إنها ستجد لي عملا عند عمها في الميناء مادمت قويا مفتول العضلات أعرف كيف أدك وأهز وأطلع وأهبط. وقلت لها إنني سآخذ ابنها إلى المستوصف، ولكنه للأسف مات في اليوم التالي فبكت على صدري، وشاركتها النحيب لأنني أخاف الموت وحيدا في غرفتي الباردة دون ان يعرف بموتي احد، وتتعفن جثتي فيعرف الجيران الخبر، ولكن هذا سيحصل بعد فوات الأوان، وتنشر الصور قصتي وصورة جثتي المتعفنة وأصير مشهورا، وترى البنات الصورة ويعجبن بي، ولكن هذا سيحدث بعد فوات الأوان أيضا. وعند هذا الحد قطعت نحيبها واشتعلت فيها الغيرة وقالت إنها خدعت بي وتصورتني مختلفا فيما أنا كباقي الرجال، أفكر بالبنات وهي معي في الفراش.
وماذا أقول عني وعنها وعنا أيضا؟
هبطت السلم مثل غزالة وكان صدرها يهتز. وبلمح البصر عريتها ولامست أصابعي على السلم نهديها، وعزمت على اصطيادها، وما كنت عارفا إنها عازمة على اصطيادي أيضا. وهكذا فإننا اصطدنا بعضنا إذن، وحسنا فعلنا، فأنا لها وهي لي ولنا في حبنا مواسم. الشهر الماضي لم نلتق أسبوعين، وعندما عادت إلي قالت إنها كانت على البلاج مع صديقها وان ممارسة الحب بين الأمواج لها لذة. وقلت لها إنني اشتهي ذلك في البانيو ولكن غرفتي ليس فيها حمام، ووقت الدوش العمومي محسوب بالدقيقة، وخادمة الحمام ليست جميلة، لذا أستحم مرة في الشهر، ورائحتي ليست طيبة دائما لهذا السبب. فقالت إنها ليست سيئة على أية حال وان الجسد لابد أن تكون له رائحة، وهي لا تحب عطور باريس وتحب رائحة الجسد الطبيعية. والحقيقة إنها لا تملك ثمن عطور باريس لذا رائحتها ليست طيبة، مثلي تماما.
وبعد فراق أسبوعين أقبلنا على بعضنا بلهفة، حتى إنني نسيت أنها كانت مع صديقها على البلاج، ونسيت هي سؤالي عما فعلت في غيابها. ولم أكن في الحقيقة قد فعلت شيئا، لأنها لم تعثر لي على عمل وقال عمها: الميناء في كساد وما دمت قد طردت من عملي في تلك الشركة فلأكلن لحم عضلاتي المفتولة إلى ما شاء الله. قالت لي ذلك وهي تضحك فأصابتني كآبة شديدة وكرهت عمها وغادرتها إلى صديقتي حيث سكرنا معا، وطلبت منها أن تشتم ذلك العم الذي لا تعرفه ولا أعرفه. فجلسنا طوال الليل نشتمه معا. وكانت سهرة مقرفة خرجت منها أكثر كآبة، عائدا إلى غرفتي. وكنت أعرف أنها ستأتي لأنني أعرف إنها تحب ذلك الذي تلقاه في فراشي. وأول ما دخلت علي بان لي عمها داخلا، فانسدت نفسي وتجمدت أعضائي ولم أطقها. ولكنها أخذتني في حضنها بسرعة وقالت لي يا طفلي، فأيقظتني. طردت عمها من الغرفة والتحمنا ببعضنا بسرعة ونسينا الذي كان وما يمكن أن يكون. ولكن ما كان كان مفجعا لأنها انسحبت من بين ذراعي فجأة وقالت: لم لا نتزوج؟
قلت لها: ولم يجب أن نتزوج؟ فأجابت بأن صديقتها في العمل تزوجت، وصديقها الذي كان معها على البلاج لا يريد الزواج منها، وأنا غير متزوج ولن أجد زوجة أفضل منها ولن تجد زوجا أفضل مني، وسنة الحياة إن الناس يتزوجون ويتزوجون. وأضافت: مادمت تخاف الموت وحيدا في هذه الغرفة الباردة فعليك بالزواج. فقلت لها إنني أخاف فعلا ليل نهار من الموت في هذه الغرفة لذا سوف أغيرها إلى غرفة أخرى. ولم تفهم، مثلما لم افهم أنا لماذا يجب أن أتزوج؟ وما علاقة الموت بالزواج؟ ولكنها رغم عدم فهمها حزنت وزعلت، وفهمت أنها ستغيب عني أسبوعين آخرين تنسى خلالهما حزنها، رفقة صديقها، مادامت تجد ذلك الشئ لذيذا بين الأمواج. خفت من الوحدة أسبوعين فقلت لها لم لا نذهب إلى البحر بدلا من الزواج؟ فقالت إن البحر كبير ولكنه لا يسع خيبتها في، ولم افهم. وعلى الرمال تدحرجنا وتبللنا بالأمواج الهادرة ولكن نفسنا ظلت مسدودة، ولم اعرف رائحتها ولم تعرف لي رائحة، كأنما قلوبنا انكسرت وجاء المد وأخذ شظاياها بعيدا. وفي ليلتنا الأخيرة على البحر نمنا على سريرين، وفي الصباح كانت الشمس ساطعة ولها بريق، فوقفنا لنأخذ صورة أمام الموج. وكانت لنا في حبنا مواسم، وفي ذلك الصباح كنا نحترق في كره بعضنا، لذا احترقت الصور، ولم نشاهد فيها غير السواد.
وعادت هي من رحلتنا البحرية السوداء لتتزوج معلم الرياضة في مدرسة ابنها الذي مات، وكان مفتول العضلات ولا يريد العمل في الميناء، ففرح به عمها كثيرا. أما أنا فقد عدت من البحر وأنا أفكر: هل لا يخاف المتزوجون حقا من الموت وحيدين؟


*علاء الدين محسن: قاص من العراق


تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...