سعيد الشحات - ذات يوم 21 أكتوبر 1965.. طه حسين يقلل من شيخ النقاد محمد مندور: «ليس شيئا ذا بال فى الثقافة».. ويهاجم لويس عوض: «لا يعرف شيئا»

ذات يوم 21 أكتوبر 1965.


زار الكاتب ثروت أباظة عميد الأدب العربى الدكتور طه حسين يوم 21 أكتوبر «مثل هذا اليوم 1965»، وحسب الدكتور محمد الدسوقى «سكرتير العميد» فى كتابه «أيام مع طه حسين»، كان «أباظة» أحد الذين يحافظون على مودة العميد وزيارته، وكان إذا أتى زائر توقفنا عن القراءة، وتحدث العميد معه فى مسائل مختلفة، بعضها عام يتناول قضايا فكرية أو سياسية، وبعضها خاص يتناول قضايا شخصية، ويضيف: «تطرق الحديث مع الأستاذ ثروت إلى الكلام عن المرحوم الدكتور محمد مندور والدكتور لويس عوض».
كان الكلام سلبيا فى حق الاثنين، وأشد فى حق «مندور» الملقب بـ«شيخ النقاد»، وشارك أباظة بهمة كبيرة فيه، ويذكر «الدسوقى»: «قال العميد: الدكتور محمد مندور ليس شيئا ذا بال فى الثقافة، وليس لديه دور فكرى هام فى حياتنا الثقافية فى هذا القرن، أما الدكتور لويس عوض فدًعىٌّ، ولا يعرف شيئا، وأسلوبه ممل وركيك». رد الدسوقى: «الدكتور مندور أسهم فى حياتنا الفكرية المعاصرة إسهاما لا بأس به وله مؤلفات علمية جديرة بالخلود». سأله العميد: «مثل ماذا؟. رد دسوقى: «مثل كتاب «النقد المنهجى عند العرب»، فعلق العميد: «هذا كتاب هايف».
تدخل أباظة قائلا: «الدكتور مندور كان ينقد الكتب دون قراءتها، وكان شديد الحب للمال، ويكتب من أجل الحصول عليه، ولو كان ما يكتبه ليس فى مجال تخصصه، وأنه كان يوما ومندور فى مكتب مدير البرنامج الثانى بالإذاعة، وفجأة دخل عليهم موظف وقال للمدير: إن الأستاذ الذى كلف بكتابة بحث عن موضوع «كذا» لم يكتبه حتى الآن، فطلب المدير من الموظف أن يتصل بهذا الأستاذ مرة أخرى، فقال مندور: «لا داعى للاتصال بالأستاذ، أنا على استعداد لكتابة البحث المطلوب فى الوقت المحدد، ولى دراسات تتصل بهذا البحث»، ووجد مدير البرنامج الثانى نفسه فى موقف حرج فوافق».
وفقا للدسوقى، أضاف أباظة: «هذا التصرف لا يليق بكاتب مبتدئ فضلا عن مفكر كبير»، وعقب العميد: «الدكتور مندور فعلا كان يحرص على المادة، فعندما كان أستاذا مساعدا بجامعة الإسكندرية عرض عليه أحمد أبو الفتح راتبا 125 جنيها، مقابل عمله فى صحيفة «المصرى»، وكنت مديرا للجامعة، وجاءنى ليقدم لى استقالته فحاولت أن أثنيه، وأذكره بمستقبله فى الجامعة، غير أنه أصر، فالراتب الذى سيحصل عليه ضعف راتبه فى الجامعة»..يضيف الدسوقى: «صمت العميد برهة ثم قال: «أوفدت مندور فى بعثة إلى باريس، ومكث فيها اثنا عشر عاما، ولم يتمكن إلا من الحصول على الليسانس فى الأدب اليونانى، بسبب عبثه ولهوه وعدم إخلاصه للعمل، وبعد عودته قدم رسالة لجامعة القاهرة وهى كتابه «النقد المنهجى» وحصل بها على درجة الدكتوراه..والذى أحمده له وفاءه وحسن تقديره لأساتذته وأدبه معهم فى الجدل والنقاش».
اللافت أن كلام «العميد وأباظة»، جاء بعد رحيل مندور بشهور «توفى يوم 19 مايو 1965.. وولد 5 يوليو 1907–قرية كفر مندور–منيا القمح-الشرقية»، ووفقا لمجلة «دعوة الحق-وزارة الأوقاف المغربية-عدد 83-1965»: «عند حافة القبر أبنه الدكتور طه بكلمات تتقطر حزنا وألما..ومن جملة ما قال: «كان مندور أذكى تلاميذى فى كلية الآداب، ومن أنبههم مع ثلاثة آخرين من زملائه.. إن الأمة خسرت بوفاة مندور أديبا نابها، وناقدا ممتازا من أبنائنا رحمه الله».
فى سيرة «مندور»، أن «حسين» أستاذه الذى أقنعه بدراسة الأدب، حين التحق بجامعة فؤاد الأول عام 1925 لدراسة الحقوق، والتحق بالآداب فى نفس الوقت، وأعفاه «حسين» كعميد للآداب من مصروفاتها، ثم سانده للسفر فى بعثة لدراسة الأدب فى فرنسا على نفقة الحكومة، وفى جزئى «طه حسين ومراسلاته» عن «دار الكتب والوثائق القومية–القاهرة»، نقرأ 17 رسالة كتبها التلميد للأستاذ من 7 يونيو 1929 حتى 25 أبريل 1940 بمحبة وتأثر، ويؤكد «مندور» أنه أخذ عنه التحرر الفكرى والثقة بالنفس، ويقول فى كتابه «معارك أدبية»: «كنت أشفق عليه من ثقته العميقة بنفسه وهو يحاضر مئات المستمعين فى محاضراته العامة دون أن يستعين بنص مكتوب أو تخطيط تحريرى مدون، وعندما كان ينطق فى محاضراته بأسلوب الموسيقى المنغم كنت أشعر بشىء كثير من الإشفاق، وأود لواستطعت مساعدته على نحو ما يطمع الطفل فى مساندة أبيه القوى القادر، وفى نهاية كل محاضرة كنت أشعر فى نفسى معنى عميقا للثقة والاطمئنان إلى قدرتها».
لماذا إذن هذا الانقلاب؟. يجيب فؤاد قنديل فى كتابه «محمد مندور شيخ النقاد» أن مندور عاد من فرنسا دون حصوله على الدكتوراه، فساءت علاقته بأستاذه طه، ورفض تعيينه بكلية الآداب لتدريس اللغة العربية أو اليونانية أو اللاتينية، وفى 1942 افتتحت جامعة الإسكندرية، والدكتور طه مديرها، فقرر تعيينه لتدريس الأدب العربى والنقد القديم والحديث بكلية الآداب، بالإضافة إلى اللغة اليونانية، لكن علاقتهما ساءت مرة أخرى لقيام مندور بكتابة رسالته للدكتوراه، بإشراف أحمد أمين، وموضوعها «تيارات النقد العربى فى القرن الرابع الهجرى»، فرفض طه حسين الاعتراف بها، والاشتراك فى مناقشتها، وتطور خلافهما فاستقال مندور من الجامعة وتفرغ للصحافة والسياسة.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...