عبدالمحسن يوسف - أمي التي تستيقظُ في الفجر مثل العصافير*

1
حين كنتُ صغيرًا ، وحين كانت أمي صالحة العقيلي تضبطني متلبسًّا بالكذب مثلًا ، لم تقلْ لي أبدًا : " أنت تكذبُ يا ولدي " ، بل كانت تكتفي بالقول وبصوتٍ خفيضٍ كنسمة : " يبدو إنك شربتَ من ماءِ فلان " .. و" فلان " هذا " سقّا " كان يشتهرُ في " جزيرة فرسان " بأكاذيبه الجميلة !
2
أمي ـ رحمها الله ـ سيّدةٌ أميّةٌ ، لم تدخلْ مدرسةً قط .. لكنّ كثيرًا من مفرداتها التي كنتُ أظنُّ أنها " عامية " اكتشفتُ ـ بعد الرجوع إلى المعجم ـ أنها فصيحة ..مثلًا كانت تطلقُ كلمة " زَرَى " على كلِّ سلوكٍ لا يروقُ لها ، ومن بابِ الفضول بحثتُ عن الكلمة في المعجم وإذْ بي أجدها كلمةً عربيةً فصيحة ، معناها " الشيء المعيب " ، وتساءلتُ : لِمَ الغرابة ؟ ..أليستْ هذه " العقيلية " من جذرٍ عربيٍّ عريقٍ وأصيل ؟..أليستْ هي التي دأبَتْ على التغنّي بعراقتها هكذا : " نحنُ من بيتِ المصاحف " ؟ وكأنّها تستعيدُ بيتَ الجواهري العظيم :
" يا بنَ الذين تنَزّلَتْ في بيتهم
سورُ الكتابِ ورُتّلَتْ ترتيلا " .
3
عندما كنتُ طفلًا ، كانت لدينا " غنمة " صغيرة بيضاء ، كانت أمي تعتني بها كما لو كانت شقيقتَنا الصغرى ، دائمًا كنتُ أرى أمي تذهب مسرعةً إلى " دكانٍ " قريبٍ من البيت لتشتري لها ـ رغم فقرنا المدقع ـ حليبًا ورضّاعةً ..ثم تتولى إرضاعها بحبٍّ كبير ، ليس هذا فحسب ، بل كانت تعلّمني كيف أرضعها وتحثني على فعل ذلك وهي تقول : " إنّها يتيمةٌ يا ولدي ، إنّها يتيمة " .
4
وحين كنتُ طفلًا أيضًا ، فتحتُ عينيَّ على طقسٍ فريدٍ عجيبٍ كانت تقومُ به معظمُ الأمهات في " جزيرة فرسان " في موسمِ صيدِ سمكِ " الحريد " ، ( الموسم في شهر إبريل من كل عام ، وهو بمثابة عيد من أعياد القلب ) ..كانت أمي تكحّلُ عينيَّ بذيل سمكة الحريد الناعم ، فيما تتمتمُ في رقةٍ كأنّها في صلاةٍ ، هكذا : يا الله بعودة ، يا الله بعودة " ..هذا " الطقس "الساحر كلما تذكرته سالَ دمعُ القلب.
5
وهي تكنسُ فناءَ الدار ، تغنّي أمي بحرقةٍ وشجن .
غناؤها يسيلُ في القلب ،
يتدفقُ في الفناء ،
يفتحُ البابَ ،
ثم يمضي متمهّلًا صوب البساتين المريضة .
أيضًا ، حين يغيبُ أبي في البحر أيامًا طويلةً بحثًا عن اللؤلؤ ،
كانت أمي ـ وهي تكنسُ الفناء ـ تغني غناءً شجيًّا صادقًا
حارقًا طالعًا من القلب ،
كاويًا يشعل الروح ويذكي جذوة الأشواق ..
أبي في الغياب يبحث عن لؤلؤةٍ فاتنةٍ ،
وهي تذوبُ كدمعةٍ ،
أو كما تفعلُ شمعة.
6
بعفويةٍ صادقةٍ وتلقائيةٍ عذبة ، رَمَتْ أمي ذات صباح ـ في فناءِ بيتنا ـ حفنةً من بذور البطيخ ..هذه البذور لم تخذلْ أمي إذْ تحوّلَتْ شجرًا تعهدته بالسقاية والرعاية كما لو كان فرعًا أصيلًا من شجرةِ العائلة..ذلك الشجر أثمرَ ثمرًا كبيرًا شهيًّا عذبًا ، ومن حسن الحظ إن ذلك الإثمار كان في رمضان ..لهذا كانت أمي قبل أذان المغرب بدقائق تبادر إلى قطف البطيخ الناضج ، ثم تحثني على توزيعه على بيوت الجيران ..
7
حين كان أبي يعمل بالأجرة اليومية في " زَهَب داود " ـ وهو حقلُ ذرةٍ واسعٌ في " جزيرة فرسان " ـ كانت أمي تنهضُ في الصباح الباكر كعادتها كي تعدَّ لأبي الفطائر والشاي ، وكانت تكلفني بحمل هذا الطعام المتقشف ، طعام الفقراء الطيبين ، إلى أبي الذي يبذر حبوب الذرة خلف محراثٍ يجرّه ثور ..أمي لم تتوانَ لحظةً عن القيام بهذه المهمة ، لقد كانت حريصةً على أن تكون عونًا لأبي ، أن تكون نسمةً باردةً في هجير حياةِ هذا الكادح ِالنبيلِ كموجة..لقد كنتُ أجلسُ مع أبي في ظلال الشجر ، نسمع غناء العصافير وهديل الحمام ونتناول الطعام الذي أعدته لنا أمي ونتابع بسعادةٍ غامرة أعراس التراب وأشجار الذرة وهي تطلُّ سعيدةً من عتمة الطين ..
8
عندما كنت صغيرًا كحبّةِ قمحٍ ، كانت أمي ترسلني إلى " دكان " العم عمر عبّاس لأشتري لها قليلًا من السكر والشاي والدقيق والزيت ...الخ ، كانت أمي إذا رأتْ الزيتَ شحيحًا في " القارورة " لا تقولُ مستنكرةً : لماذا وضعَ لك البائعُ زيتًا قليلًا ؟ ..بل كانت تلك المرأةُ الأميّةُ الرائعةُ تقول : " ما هذا إلا دمعة " ! ..
أرأيتم جمالَ هذه العبارة ؟
9
دائمًا يحدثُ هذا ..
نعم ، دائمًا وفي كلِّ مرّةٍ يحدثُ هذا ..
كلما حملتُ حقيبتي ذاهبًا إلى الميناء ، مغادرًا " جزيرة فرسان " ، تقفُ أمي ـ بعد أن أودّعها ـ صامتةً على عتبة الباب ، فيما عيناها مليئتان بدمعٍ لا يوّدُ الهطول ..أمضي بطيئًا وهي واقفةٌ بأسًى ترمقني بنظراتٍ حزينة..
في الميناء يحتلني وجهُ أمي الصامتُ الحزينُ ونظراتُها الغائمة .. في الميناء ينادي عليَّ المسافرون : " اسرعْ يا رجل ..لقد أخرتنا " .. بيد أني أديرُ ظهري لهم وللمركب والبحر معًا ، وأعودُ سريعًا إلى دمعِ أمي.
10
أمي وأبي حالتان عصيتان على الوصف ، كلما أردت الحديث عنهما يمعنان في النأي ، كلما أحضرتهما في نصٍّ آثرا الغياب ، هناك من يرى أنهما يحضران كثيرًا في نصوصي فيما أرى أنهما أكبر من كل نص ، وأي حضورٍ لهما في نصوصي أراه غيابًا.. ثمة من يتباهى بحشدِ عددٍ من المناضلين الكبار في العالم في نصوصه وفي هواجس حبره ( مثل جيفارا ولومومبا وغاندي ومانديلا ..الخ ) ، وينسى أو يتناسى أن بيننا مناضلين كبارًا غير مرئيين في هذه الحياة يعيشون في الهامش وأنهم يستحقون أن نكتب عنهم ليلمعوا في الواجهة ، يستحقون الحضور في نصوصنا ، يستحقون أن ننقذهم وننقذ سيرتهم الفاتنة من ريبة الصمت ومكائد الحياة.. أنا آثرت أن أدفع بأمي وأبي بعيدًا عن الهامش وسعيت حثيثًا لذكرهما وتذكرهما لكي يلمعا في الواجهة ، لقد كانا مناضلين عظيمين قاوما بؤس هذه الحياة وسطوتها بأيدٍ خالية ، وبقلوبٍ مليئةٍ بالأمل ، وبسلوكٍ ملئ بالشرف الكامل الذي ينبغي أن يكون عليه الإنسان في نضاله اليومي من دون أن يسقط في الوحل ..في وجه الفقر المدقع رفعا رايةَ نصرٍ عاليةً ولم يستسلما للهزيمة ..لم يتيحا الفرصةَ لليأس كي يسحقهما بأقدامه الغليظة .. كانا مثل موجتين كادحتين واستطاعا أن ينقذا سنابلهما من الغرق ..لم أرَ أمي و أبي نائمين قط .. كانا آخر من ينام وأول من يستيقظ ..كانا مهمومين بنا وبمشاغلنا وأحلامنا لكنّ أمي كانت تدفع أحزانها بعيدًا عن طريق الغناء ، تغني بشجنٍ فادحٍ وهي تكنس فناء البيت ، تغني وهي تضرم النار في التنور .....الخ ، أما أبي فقد كان يؤثرُ الصمت وكأنه يتعالى على أن يبوح بهمّه لأحد.


إضاءة :
* عشر تلويحات لأمي السيدة صالحة العقيلي ، ضمّها كتاب " سيرة الأمهات " الذي جمعت مادته و رعته برموش عينيها الأكاديمية والشاعرة الحداثية الرائدة الدكتورة فوزية أبو خالد .

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...