د. محمد الشرقاوي - المظالم... بابٌ دوّارٌ متقلبُ الأطوار! (ذكريات الصيف 2)

(ذكريات الصيف 2)


كنتُ في الثانية عشرة من العمر في الشّهر الثاني من العام الدراسي في ثانوية الأيوبي. وكان أستاذ اللغة العربية في الخمسينات من العمر يُعرف بإسمٍ سباعيِ الحروف: "الأستاذ اله….". كان يحرص دوما على ارتداء بذلة دكناء، ويجرّ معه محفظة جلدية متهالكة وبنظرات عابسة مستدامة. كان صوته الطبيعي ينم عن نشاز في المسامع من فرط طول تدخينه النهم علب السجائر وأمور أخرى.
كان يتأفف أغلب الأوقات في الفصل، وكأنّه يلعن الظروف التي فرضت عليه هذه الوظيفة. وبدا عليه أحيانا التشنج والمزاج العصبي وما يوشي أنه ليس في المكان الذي يرغب أن يكون فيه. لم يكن هذا أمرًا مزعجًا بقدر ما كان متهوّرا في لغته الجامحة وسلاطة لسانه بما لا يليق بأجواء المدرسة ولا بوظيفة التدريس. كان يُمعن في تقعير نبرته وجمله عند النطق بنوع من ادّعاء "الفهلوة"، وكأنه يقول ضمنيا إنه يتفوق في إتقان اللغة المبتذلة أو لغة الهامش.
كثيرا ما اختلطت في شروحاته داخل الفصل عباراتٌ سوقيةٌ أو نابيةٌ جعلت عيوننا تنفتح على آخرها. وكنّا نخشى من التّعليق عليها حتى لا يزيد الطّين بلة وتنهال على بعضنا ترسانة ألفاظ سلبية من عيار أسوأ. لا يزال مشهدٌ واحدٌ عالقا في ذاكرتي بكل تفاصيله عندما أشار على أحد التلاميذ التقدم نحو السّبورة ليختبره فيما إذا كان قد حفظ درس الحصة قبل يومين. كان هذا التلميذ من عائلة غير ميسورة يساعد والده في متجر صغير في حيّ شعبي. ويبدو أنّه من فرط انشغاله بذلك لم يحفظ الدرس، وهو المعيار السائد أنذاك. فتلعثم أكثر مرّة، وبدا أنه في ورطة حقيقية.
بادر الأستاذ طيب الذكر بنبرة الاستخفاف والتحقير به أمامنا في الفصل، وبقينا نحن مشدودين جامدين في مقاعدنا نترقب ما سيكون عليه الفصل الموالي في هذا المشهد البائس. قرّر الأستاذ معاقبته بطريقة غريبة: أمره بالجلوس على الأرض الحافية، وهو يردد عبارة جعلتي أستشيط غضبا وانفعالا في داخلي. هي جملةٌ دفعتني للكفر بهذا الأستاذ عندما ضغط على مخارج حروفه ليفرغ فيها كل حمولة ممكنة من التحقير والنسف المعنوي قائلا: "حَطّْ مَسْعُودَة للبْرُودَة..."
جملةٌ وقحةٌ لها في معناه المحلي الكثير من الانحدار القيمي وإنْ كانت دلالتُها تخفُّ نسبيا عند تفصيحها بهذا الشكل "ضع مؤخرتك على الأرض الباردة"، ناهيك عن المنحى السّادي الذي ينطوي عليه هذا الأمر من حضرة الأستاذ المبجّل. ساورتني شتى غصّات الانفعال الصامت في أحشائي، وكيف هي لحظة "حگرة" غير مشروعة وغير قابلة للتبرير، وحتى لو كان التلميذ قد ارتكب جرما من صنف الكبائر.
لم أكن الوحيد الذي غالبته مشاعر الضعف والاختناق وعدم القدرة على إيقاف مشهد التلميذ الذي حوّله الأستاذ إلى قرد في سيرك حقير لا يضحكنا بتاتا، ويترقب أن يستجمع عبر مؤخرته روافد البرد والتبريد من أرضية الفصل الدراسي. غادرتُ الفصل وأنا أسرح في تفكيري كيف سأفاتح والديّ في رغبتي في الانتقال إلى فصل آخر دون رواية ما حدث.
أصبح الدخول إلى حصة اللغة العربية فزّاعة حقيقية ومجازفة باحتمال أن يحدث أغرب من ذلك. وكثرت في نفسي الآمالُ والأدعيةُ بأن نسلم نحن التلاميذ من هذا الكابوس في أقرب فرصة. وبعد أسبوعين بالتمام والكمال، دخلنا الفصل بمستوى الترقب ذاته، ولم يظهر للأستاذ أثر. وفجأة، ظهر عبر النافذة شخصان يخطوان في طريقهما إلينا.
كان الشخص الأول مألوفًا وهو الحارس العام في الثانوية. أما الثاني فكان شابا حديث التخرج من جامعة محمد الخامس، هو البشير القمري الذي قلب أجواء الفصل وطريقة التدريس بنسبة مائة وثمانين درجة. كان يجمع بين أسلوبي التحفيز والتشجيع، ولا يُحرج من أخطأ الصواب. وأحيانا، نشعر أنه خفيف الظل تلقائيا، ويكسر الجدة ببعض الطرافة بشكل ينسيك الشعور بمرور الوقت.
أصبحت بقيةُ العام الدراسي بالنسبة لي انطلاقة جديدة ذهنيا ونفسيا. وأتذكر كيف حققت ما يبدو أنه طفرة في تعلّم النحو والإعراب واكتشاف آخر لرونق اللغة والآداب العربية. في السنوات اللاحقة، أصبح الأستاذ القمري ناقدا وروائيا وكاتبا مسرحيا معروفا، وعضوا نشطا في اتحاد كتاب المغرب. ومن إصداراته الروائية " حرب البسوس" عام 2006، و"سهر البهلوان" عام 1997 ومن مسرحياته "رجعة ليلى العامرية (1998).
في السنوات الأخيرة، حاولت التواصل معه، وأبلغت الصديق عبد الرحيم العلام رئيس اتحاد كتاب المغرب اهتمامي بالتواصل مع أستاذين كان لهما تأثير كبير في تحصيلي الدراسي: البشير القمري وأيضا عبدالرّحيم المودن الذي أحتفظ له بذكريات أخرى خلال عام الباكالوريا. ومن أولى إصداراته "اللعنة والكلمات الزرقاء" (مجموعة قصصية مشتركة مع وإدريس الصغير،1976)، و"رحلة ابن بطوطة الجديدة" 1993، و"مستويات السرد في الرحلة المغربية" 2006.
لكن المنية وافت أستاذي القمري في 24 يونيو من العام الماضي، واليوم أدعو له مجددا بالرحمة والغفران.
لك أطيب التحيات والتقدير من تلميذ حافظ على ذكراك إلى روحك التنويرية في الأرض والمنوّرة في السّماء.



تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...