سيد جعيتم - الطريشة

ـ احترس من الطريشه كانت تلكَ وصيةُ أبي وهو يودعني قبلَ سفري لموقعِ عملي بالصحراءِ جنوبَ مصر.

يتكلم الأهالي عنها بخوفٍ ويستعيذون باللهِ منها، يعتبرون تلك الحيةُ الرقطاءُ ضمنَ الشياطين، فهي تكمنُ خلفَ كُلّ حجرٍ، تتحينُ الفرصةَ لتهاجمَ، ولا علاجَ للدغتِها إلا ببترِ العضوِ المصابِ قبلَ أن يسري سُمّهَا في باقي الجسد.

الطبيبُ بعد تأكدَ من إيجابيةِ المسحةِ، يكتبُ بروتوكولَ العلاجِ ويصدرُ تَعْلِيمَاته.

ـ مخفضٌ للحرارةِ وقتَ اللزومِ، وقياسُ نسبةِ الأكسجينَ في الدمِ كَلَّ ساعتين.

تنظرُ إلي من خلفِ حصنِها الحجري برأسِها الشيطانِي رافعةً قرنيها، تكورَتْ استعدَّتْ للانقضاضِ، زلزلني الخوفُ، ارتجفتُ بشدةٍ، طعمٌ مالحٌ تسللَ لحلقي مع قطراتِ عرقي، يَمُرّ الهواءُ أمامَ أنفي لكنَّه استعصى على دخولِ صدري، صرختُ، تَحَولَ صراخي لسعالٍ. أشعرُ ببللِ الكمادات علي وجهي وخالتي تضاحكُ أمي:

ـ لفي رأسه بمنديل أحمر وهاتي إخوته ياخدوا منه الحصبة دفعة واحدة وترتاحي، وتوصيها بأن تسقيني منقوع الشعير.

كلماتُ طاقَمِ العلاجِ تداخلَتْ مع صوتِ خالتي الآتي من الماضي. ـ حرارتُه انخفضَتْ، لكن تنفسُهُ غيرَ منتظمٍ، لابد من وضعهِ على جهازِ التنفسِ الصناعي.

موكبُ طَهورِ أخي الأصغرِ يَمُرّ أمامي، يركبُ حصانًا ويلبسُ جِلْبَابًا أبيض وعلى رأسِهِ عقالٌ عربي، عطرَتْ أمي ثيابَنا، لا تنفذ رائحة العطر لأنفي، يبدو أني فقدتُ حاسةَ اَلشَّمّ.

خالتي ترشو المِلحَ في عيونِ الحساد، أصابت حبةُ ملحٍ عيني، أيقظَني الألمُ . ا

تصلوا بالطبيب أخبروه.

ـ اِسْتَرَدَّ المريضُ رقم خمسةِ آلافٍ وعيَه.

تسيطر عليَ صورتُها وقرناها لأعلى وَتَسْتَعِدّ للانقضاض، يسري سُمّهَا اَلنَّافِع في كُلّ جسدي، اِرْتَجَفَ رغمَ ارتفاع حرارتي، سألتُ عن العضو الذي سيبدؤون في بتره، لم أسمعْ إجابةً فهم يظنونَ أني في غيبوبةِ . نفقٌ مظلمٌ ينتهي بضوءٍ، يُطِلّ وجهُ أمي تشيرُ إلي:

ـ تَعَالَ.


أرتفعُ في جَوّ الحجرةِ وجسدي مازالَ مَسْج علي السريرِ، معلقا في الهواءِ. يبذلُ الأطباءُ جهدَهم، كلما نجحوا أهبطُ تجاهَ جسدي، وإن ظَلَّلَتْ معلقا بين السماء والأرض.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...