يوسف زيدان - اعتقال الشيخ الرئيس

مالت شمس النهار القصير إلى مغيبها اليومى، فاكتست الأنحاء الجرداء المحيطة بقلعة «فردجان» البائسة، بالوحشة الشتوية المعتادة فى الليلات الطويلات، وابتدأ البرد فى الاشتداد.. انعدمت بعد هنيهة رؤية المدى، وصفر الهواء من فتحات رمى النبال، معلناً عن عصفٍ آتٍ. ومع ذلك، ظل منصور «المزدوج» آمر عسكر القلعة ساكناً فى جلسته على السطح، يحدق من علٍ فى الطريق المتعرج النحيل، المؤدى إلى قلعته المعزولة، ويراقبه بقلقٍ بوجلٍ، تقدم واحد من الخدّام الثلاثة الواقفين من خلفه بخشوع، منذ الظهيرة، وأشعل فتيلة القنديل ثم اقترب من «المزدوج» وسأله بهمس يناسب رهبته فى القلوب، إن كان يود أن يأتوه بشىء من الشراب العتيق، المعين على اتقاء الصقيع المرتقب، أو يشتهى الآن وجبة العشاء.. أشاح «المزدوج» بظاهر كفه اليسرى رافضاً، فتراجع الخادم إلى موضعه الأول صاغراً، يائساً من الاستدفاء، وضم حسرته إلى تحسر زميليه..

لما عم الظلام، قام «المزدوج» وصاح بصوته الجهير، سائلاً مراقب برج القلعة، إنه يرى فى الأفق قادمين، فأجابه من فوره: لا أحد على الطريق يا سيدى الآمر.. كأنه أراد أن يستوثق من أمرٍ، فسأله مجددا: هل ترى فى الأفق نار مشاعل أو وميض لهب استغاثة؟ فجاءت الإجابة من فوق الظلام المحيط ببرج القلعة: لا يا سيدى الآمر.

فى تلك اللحظة، وصل إلى السطح رئيس حراس البوابة «حامد البرجندى»، المعروف بين عسكر القلعة بالزعاق، وخلفه خادم من الجند بيده قنديل يضىء. كان يريد الاطمئنان على رئيسه الجالس منذ ساعاتٍ يترقب القادمين، على غير عادته، وعندما رآه يتجه إلى الدرج الضيق المؤدى إلى غرفته، سار وراءه صامتاً متحشماً من الكلام أمام الخدم وصغار الجند، ودخل خلفه إلى الغرفة الفسيحة نسبيا، ولما انفردا سأله:

ــ يا سيدى، أراك مهموما بأمر السجين القادم!

ــ هو ليس سجيناً يا حامد. السجين يحكم عليه القاضى بحبسٍ، فيرسلونه إلى هنا إن كان خطيراً، ويخشى هربه من الحبوس العمومية ليقضى زمن سجنه فى سكون، أما هذا القادم فهو معتقل بأمر الأمير «تاج الملك» ولم يحاكم أو تحدد لحبسه فترة معلومة سلفاً.

ـ لكن هذا غير موجب للقلق يا سيدى الآمر، فكم حبس هنا سجناء ومعتقلون.. أم أن كونه وزيراً سابقاً هو ما يقلقك؟

ــ لا قيمة لوزير خلع بعد حمله الأوزار.. أهمية هذا الرجل يا حامد تأتى من شهرته كحكيم بارع، ومن صداقته مع «علاء الدولة» حاكم أصفهان. والذين جاءوا اليوم مع خيل البريد أخبروا بأنه اعتقل، أمس الأول فجراً، بعد أن وشى الوشاة إلى العسس باختبائه فى دار «أبى غالب العطار» بهمذان، فكبس عسكر الأمير الدار واعتقلوه وأرسلوه تحت الحراسة المشددة إلى هنا.. فكيف لم يصلوا به حتى الآن؟ هل قطع عليهم الطريق، أم أرسل «علاء الدولة» جندا فاستنقذوه من عسكر «تاج الملك»..؟

ــ صباح غدٍ ينجلى كل شىء يا سيدى.. هل تريد شيئاً قبل انصرافى.

ــ زد عدد الحراس عند البوابة، وضع بالبرج أفضل الرقباء.

ــ سمعاً وطاعة يا سيدى.

ساد السكون ممرات القلعة وفناءها والغرف والزنازين، كأن الكون نام مع كل من فيه، وحول القلعة هبط ظلام ثقيل زاده الزمهرير قتامة.. هذا شأن الشمال الفارسى وقِفاره فى ليالى الشتاء، وكلما توغلنا شمالاً ناحية زنجان وتبريز وأردبيل، صارت الليلات الشتوية أشد شراسة، حتى إنها تسقط أحياناً أطراف المسافرين ليلاً، إذا لم يستدفئوا. فجأة قبل انتصاف الليل، صدحت صيحات الحراس من أعلى برج القلعة، مخبرة بأن مشاعل عسكر الأمير «تاج الملك» تقترب رويداً من باب القلعة.

على عجل ارتدى «الآمر» ملابسه الرسمية، وخرج إلى الشرفة المطلة على فناء القلعة ينظر إلى الجند الداخلين من الباب الصغير، ووسطهم (المعتقل) يجر السلاسل المقيدة لقدميه وكفيه. وكما هو معتاد، ذهب العسكر القادمون بالمقبوض عليه إلى غرف الضيافة الأرضية. وجاء «الزعاق» وخلفه المعتقل الجليل إلى «الآمر» الذى أمر بتحريره من الأصفاد، وسار أمامه حتى جلسا منفردين فى القاعة الوسطى، فاستدعى بحساء دافئ وطعام للمعتقل، وأخذ يلاحظه وهو يأكل ببطء، وبغير انكسار، ثم صرف عن القاعة الحرس والخدام وبدأ معه الحديث بحرص:

ــ أخبرنى الحراس بأن سفركم كان شاقاً.

ــ السفر قطعة من العذاب، فما بالك بسفر المعتقل المصفد بالسلاسل.

ــ لا بأس، ها قد وصلتم بسلام، ولعلك تدرك أن الأمير «تاج الملك» لو أراد هلاكك لكان قد أمر بقتلك فى همذان، بدلاً من إرسالك لتحبس هنا حيناً ثم تخرج حين يأتى الأوان.

ــ دخولى باليقين كما تراه، وكل الشك فى أمر الخروج.

ــ سنرى ما يكون.. ولى معك فى الصباح حديث، وستكون إقامتك بغرفة فى برج القلعة، فمثلك لا يودع فى زنازين. إذ لابد من إنزال الناس منازلهم.. يا حراس، خذوا الشيخ الرئيس إلى محبسه، واتركوا معه قنينة الشراب هذه.

ابتسم «ابن سينا» حين سمع آمر القلعة، الضخم، يصفه بلقب الشيخ الرئيس. وأدرك أن هذا الرجل خطير، ويعرف الكثير، فهذا اللقب الذى يطلقه عليه تلامذته المقربون، متداول بينهم وغير معروف لغيرهم.. وكذلك إحاطته بشغفه الوفير المستتر بالشراب. ولهذا، نظر ابن سينا إلى الآمر، وهو يفارقه نظرة لا يستطيعها غيره! فيها حسرة وحكمة، وامتنان يمازجه الشعور بالهوان، واعتداد بما لا يعرفه معظم الناس من ابتئاسٍ بما آل إليه الحال من مآل.. فغض «الآمر» أنظاره وابتسم فى سره.

■■■

أوان الضحى طرق أحد الحراس باب ابن سينا، وأدخل إليه ماء دافئاً للاستحمام وملابس نظيفة، وترك له مهلة ساعة قبل أن يقتاده إلى آمر القلعة. من دون أصفاد. فى القاعة ذاتها التى التقيا فيها بالأمس، كان الآمر جالساً وإلى جواره اثنان من أعوانه، والزعاق، وأمامهم طاولة عليها أطباق طعام ساخن، وخضروات طازجة، جلس، فدعاهم «الآمر» للأكل معه بعد أن قال لابن سينا بنبرة متوددة، إنه طلب أن تكون على المائدة «هندباء» لأنه يعرف أن رئيس الحكماء المعتقل، ألّف رسالة خاصة فى فوائدها الغذائية.. ضحك ابن سينا وهو يقول للآمر: أنت تعرف أشياء كثيرة..

بعد وجبة الغداء، صرف الآمر أعوانه، وبدا أنه يريد أن يتحاور مع ابن سينا فى أمورٍ. لكنه أطال التمهيد. بادره الشيخ الرئيس بقوله المباشر: منذ ليلة أمس، وأنت توحى إلى بأنك تعرف عنى الكثير، وتغمرنى بفضلك وكرمك، وظاهر أنك تريد منى شيئا، فلو تفضلت بالإفصاح عنه بوضوح، أعدك بأننى لن أتأخر عن بذل ما أستطيعه، وفاء لحسن وفادتك.

ــ ههه، يا أبا على، والله إنك لمن الماهرين. نعم أريد منك شيئاً، وأثق فى أنك لن تتأخر فيه. لكننى لم أوهمك بمعرفتى أسراراً تخصك، فمقالتك فى الهندباء مشهورة عند الناس، ويتناسخها الورّاقون فى القرى والمدن. ولقبك الذى تظنه مستوراً بين تلامذتك شاع على ألسنه كثير من الناس وسلم لك كثير من العلماء والعارفين، بأنك «الشيخ الرئيس» لجودة مصنفاتك ودروسك، ولنبوغك فى صنوف المعرفة والحكمة منذ حداثتك.. لكننى، والحق أخلق عند الخلوق من المخايلة والمخادعة، أعرف عنك فعلاً أسراراً مستورة عن معظم الناس، أبلغنى بها العسس والبصاصون.

ــ ماذا تقصد بالعسس والبصاصين؟

دامت الجلسة بينهما ساعات، حتى اقترب موعد الغروب فاستأذن الشيخ الرئيس من الآمر، فى أن يذهب ليستريح من مشاق السفر مصفدا ومن أرق تبديل الفراش. فافترقا بعد وقت انقضى على غير العادة فى مثل تلك المواقف، لاسيما فى تلك الأنحاء المضطرب زمانها بسبب التنازع بين حكام المناطق وأمراء البلدان. إذ ارتفع بينهما حاجز الحذر حتى صارا يتحدثان كأنهما صاحبان يتحاوران، بل يتسامران. حكى «الآمر» لابن سينا، ربما ليطمئنه عن مولده بديار بكر ثم نزوحه مع أسرته إلى «تفليس» ومنها إلى «سهرورد» طلباً للرزق، ثم انضمامه إلى الجند العاملين فى خدمة السلاطين والأمراء كأقرانه الترك، وهم الذين أطلقوا عليه لقب «المزدوج» تهكماً، أو تقديراً لقوته وضخامة بدنه وأكله فى كل مرة وجبتين، وقتله لرجلين فى معركة بضربة سيفٍ واحدة. غير أنه بعد فترة عاف سفك الدماء، فتولى الإشراف على أمور العسس والبصاصين، وهم عيون الترك من غير المقاتلة، يأتون بخفايا الأخبار من تهامس الناس فى الأسوق والحمامات، ومن الوشاة. وهو الآن رئيس هؤلاء المجهولين، وعمله آمرا لهذه القلعة التعيسة ستار لعمله الأساسى الذى يقدم خدماته لمن يحكم، من دون انحياز لأحد. سأله ابن سينا، مستغرباً: وكيف ذاك؟ فأجابه بلا تكلف: يعنى لو استتب أمر هذه النواحى فى يد «تاج الملك» واستقر، فأنا فى خدمته الاستخباراتية والإشرافية على هذه القلعة. وإذا غلبه صاحبك «علاء الدولة» أو اجتاح ملوك «غزنة» نواحينا وملكوها، كنت فى خدمة الغالب المستولى على السلطة، بصرف النظر عن شخصه. أنا المستقر بموضعه، وهم الذين يتقلبون مع الأيام فيأتون ويذهبون، وهذه القلعة كانت منذ أمد بعيد عسكرية، تحمى ما حولها من قرى كثيرة متناثرة بين المروج، فلما أجدبت الناحية وهجرها الناس بسبب الحروب، فقدت القلعة دورها وصارت سجناً للمحبوسين واستراحة طريق لجند الحاكمين، وصاروا يبعثون إليها بأضعف الجند وذوى الإصابات المستدامة من المقاتلة. وتحت إمرتى اليوم مائة وخمسون منهم، وفيهم مرضى كثيرون، ولا طبيب هنا ليدبرهم ويعالج أمراضهم التى استعصت، خصوصاً القولنج والزحير. فلو قمت بذلك أثناء إقامتك هنا، وأنت الطبيب الحكيم والنطاسى البارع، فهذا فضل منك وثواب لك فى الآخرة عظيم.

ــ هذا يا سيدى مطلب لابد له أن يؤدى، ولا يسعنى التوانى عن تلبيته، لكننى سأحتاج أدوية وأعشاباً وعقاقير.

ــ هذا شىء ليس بالعسير، وسأطلب من شيخ القرى توفيره لك، وهو لن يتأخر.

ــ ومن شيخ القرى؟

ــ هذا كبير الناس فى هذه الناحية، وهو شيخ حكيم، يقرأ فى الكتب، اسمه أبوالزهير. وسأرسل غدا من يستدعيه إلى هنا، وهو على كل حالٍ معتاد على التردد علينا والتودد إلينا، لاشتراك المصالح وتشابكها.

ــ حسناً.. وهل يجوز لى التماس طلب وحيد، فإننى لا أنقطع عن التأليف، وأحتاج دواة وقلماً وكاغداً من الورق السمرقندى إن أمكن، وسراجاً لأكتب على ضوئه فى تلك الليالى الطويلات التى لا يعلم إلا الله متى تنتهى.

ــ ههه، توقعت طلبك هذا، ولبيته لك من قبل أن تتفوه به.. ستجد ذلك حاضرا فى غرفتك، فقد قدرت احتياجك له، لمعرفتى بأنك كنت فى وقت اختبائك بمنزل «أبى غالب العطار» تؤلف كتاباً كبيراً، ولم تتمه.

ــ وكيف عرفت بذلك، أتراك أنت الذى دللت على مخبئى!.

ــ لا، الوشاة فعلوا ذلك. ولم يسألنى أحد لأخبره، ولو كان «تاج الملك» قد استخبر منى عن موضع اختبائك لأخبرته، فهذا عملى، لكنه لم يسألنى فلم أبادر بالإخبار.. وأنت يا رئيس الحكماء لا تحكم الاختباء، ههه، تلامذتك كانوا يترددون إليك منذ اليوم الثالث لما تظن أنه اختباء! لكننى استغربت عنوان الكتاب الذى كنت تؤلفه أهو حقاً: الشفاء فى الحكمة والإلهيات.

ــ نعم، وكتاب آخر لم أكمله بعد، عنوانه: القانون فى الطب.

ــ أمرك عجيب يا أبا على، تكتب فى الحكمة «الشفاء» وفى الطب «القانون».. هذا عكس للحال.

ــ لا يا سيدى، هو الأصح. فالحكمة شفاء للنفوس، والقانون حاكم للأبدان. والآن هل أستميحك عذراً لأذهب فأرتاح من مشقة سفر ليومين وأرقى ليلة أمس من تبديل الفراش؟ كما أننى فى شوق لرؤية المحبرة والكاغد.

■■■

ابتهج قلب ابن سينا حين لمح ما تمناه حاضراً فوق الطاولة بالغرفة، وانخطف مع إصكاك حديد مزلاج الباب عندما أغلقه عليه الحارس من الخارج، فارتمى على السرير ليهرب من تماوج السرور والأسى على روحه الثكلى، وراح فى نومٍ عميقٍ على غير عادته فلم يفارق مرقده حتى تسلل إلى سمعه صوت المؤذن، الأجش، لصلاة الفجر.. توضأ ببعض يسير من الماء، وأسرع فى الصلاة، ثم وقف قبالة قضبان النافذة يحملق مدهوشا فى انسحاب الاسوداد من السماء الغائمة، وفى رأسه تحتشد الأفكار.. لم يكتب فى ذاك الصباح شيئاً، لازدحام خواطره وتردده بين تأليف قصيدة يجعلها على قافية قصيدته العينية فى النفس، ويكون عنوانها «شجون المسجون» أو ينظم فى الطب والتداوى أرجوزة «ألفية» يعتمد فيها على ما يحفظه ويستهلها بقوله: يقول راجى عفو ربه ابن سينا، ولم يزل بالله مستعيناً، يا سائلى عن صحة الأجساد، اسمع صحيح الطب بالإسناد.. أو يستكمل مسودات كتاب «الشفاء» أو يحكى سيرته الذاتية منذ مولده ببلاد الأفغان ثم تطوافه ببلاد الأوزبك والترك والفرس، وما رآه خلال مساره من إعزاز وإذلال واستعلاء وخذلان.

عندما دق عليه الحارس الباب، وفتحه ليضع له على الطاولة طعام الغداء. كان ابن سينا شارد اللب، كالمأخوذ، وكانت عواصف الأفكار لاتزال تدور برأسه فتديره كأنها كؤوس الشراب الريحانى المعتق. خرج الحارس وأغلق الباب فأخذ ابن سينا ينظر إلى الطعام بعين لا ترى إلا الماوراء، ثم جلس بغتة وأزاح الأطباق برفق وفى الدواة غمس القلب ثم فرد الكاغد وكتب عليه: إنه قد تيسر لى حين مقامى ببلاد..

ــ يا شيخ الحكماء، الآمر يطلبك فاستعد للذهاب إليه، قال الحارس ذلك من خلف الباب، وهو يدق عليه، فانقطعت خيوط الأفكار عن رأس ابن سينا وكف عن الكتابة، وتهيأ للخروج. فى طريقه الهابط على الدرج الحجرى الضيق، كان يلمس بأطراف أنامله خشونة الجدران الرطبة ويفكر فى هذا «الآمر» الغريب الذى أدهشه بما قاله، وبما لم يقله بعد، مع أنه لم يلتق به إلا مرتين فى يومين متتاليين.. وظن ابن سينا لوهلةٍ أن هذا الرجل هو أكثر الذين عرفهم إثارة للحيرة والاستغراب! لم يكن يعلم أنه سوف يلتقى بعد أيام بأبى الزهير شيخ القرى الأكثر غرابة وتحييراً.

فى فناء القلعة، حيث ضوء النهار باهر للعين وبرد الهواء لاسع، أشار «الآمر» لابن سينا إلى غرفتين متجاورتين وأخبره بأن واحدة منهما ستكون محبسه، والأخرى محل لقائه بالمرضى من جند القلعة وخدامها.. وأردف بصوت أخفض، أن كلتا الغرفتين لن تغلقا من خارج، ثم ضحك وهو يقول لابن سيناء محذراً: ولكن إياك أن تفكر فى الهروب من هنا، فالنواحى المحيطة بالقلعة مهلكة، وكلاب المطاردة متوحشة كالذئاب. ههه. ولا أريد أن يلحق بك أى مكروه يا رئيس الحكماء.

ــ لن تجد منى يا سيدى ما يسوؤك أبدا، وليس للإحسان جزاء إلا الإحسان، وقد تقدم إحسانك وفضلك.

ــ عظيم.. عظيم والآن تعال لتفحص حال المرضى من أهل القلعة، وليتك تراهم كلهم فأظنهم جميعاً بحاجة إلى تدبير. ههه.. والله هو المعين، وعليه قصد السبيل.

■■■

تعليقات

اعتقال الشيخ الرئيس «2» «قصة قصيرة»
يوسف زيدان


ظن ابن سينا أن يومين بطولهما سوف يكفيانه، لكنه احتاج- لفحص أحوال الجند والخدم العاملين بالقلعة- يوماً إضافياً وبعض يوم. وفور فراغه من تلك المشقة، عصراً، أرسل خادماً ليخبر حراس آمر القلعة «المزدوج» بأنه يود الالتقاء به، وكان «الآمر» كريم الطبع، فبادر إلى النزول إلى الفناء، حيث غرفة ابن سينا، بعدما طلب من معاونه أن يرسل إليهما وجبة العشاء عقب الانتهاء من صلاة المغرب.. وحين دخل عليه من باب الغرفة المفتوح، تهلل ابن سينا ورحب بالآمر معرباً عن تقديره لمجىء الرجل إليه، فرد عليه: وهل أقل من ذا، بعدما رأيت من تعبك الأيام الأربعة الماضية؟ والعجيب أنك فى جوف الليالى لم تنم، وكنت تكتب!.. اندهش ابن سينا وسأله: وكيف علمت بذلك وبابى مغلق علىَّ؟!

- من خيط ضوء السراج البادى من تحت الباب.

كان اليوم هو السادس من أيام اعتقال الشيخ الرئيس، الذى أنست الممارسة الطبية أنه بهذه القلعة معتقل، فانهمك نهاراً فى فحص الأبدان وليلاً فى تسويد مقالة فى القولنج. سأله الآمر: كيف وجدت الرجال؟ فأجابه وهو يتناول من فوق الطاولة وريقة، قال وهو ينظر فيها: جملة الذين فحصت أحوالهم من رجالك يا سيدى أربعة وخمسون ومائة. وأخبرونى بأن هذا هو تمام عددهم. وقد وجدت فيهم ثمانية وسبعين من الأصحاء الذين لا يحتاجون إلا للأمور واجبة المراعاة لحفظ حال الصحة، وخمسة يعانون من أمراض حادة ولابد من المبادرة إلى علاجهم لأن الإهمال قتّال فى حالتهم، وفيهم رجل أشيب اسمه «محمود البرجندى» اجتمعت عليه علّتان، وعلاجه عسر، وما لديهم من أدوية هنا ردىء ومعظمه فسد بسبب سوء الحفظ، ولا يؤمَن استعماله فى المعالجات.

- بعد يومين ستأتيك الأدوية المفردة والعقاقير، فقد وصل «أبوالزهير» صباح اليوم إلى قريته وتسلم رسالتى، فوعد بالوفاء بالمطلوب. وهو رجل يوثق بوعده. ولولا غيابه أياماً للتعزية فى نيسابور، لكان ما نريده من صنوف الأدوية حاضراً هنا منذ أمس. لكن لا بأس. وقد أخبرنى مرسالى إلى أبى الزهير بأن الرجل يحب أن يراك ويود أن يهديك شيئاً تحبه.

- تعزية!.. هل مات واحد من أعلام الرجال فى نيسابور؟

- نعم. أبوعبدالرحمن السلمى، المقرئ المتصوف، هل تعرفه؟

- سمعت به (عليه رحمة البارئ ورضوانه)، ورأيت كراريس من تفسيره للقرآن الذى سماه «الحقائق» وقرأت كتابه فى سير الصوفية.. لكن هذا الرجل يسكن بالبصرة!

- نعم، ومات فيها قبل أسبوعين. لكن أسرته وقومه أقاموا له فى ديارهم عزاءً آخر، اعتزازاً بسيرته، ولشهرته بين الناس بالصلاح- رحمه الله.

- وكيف وجدت بقية الرجال؟

لمح ابن سينا ما كتبه بالوريقة، ثم قال إنه وجد جماعة، أكثرهم من الخدم، مصابة أجسادهم ببثور النملة الجاورسية والشّرى والخراجات والنفاطات، وهؤلاء أتم استفراغهم بالفصد، وسوف يكمل لهم العلاج عندما تصل الأعشاب الطبية اللزمة لعمل الأطلية والمراهم. وكان منهم رجلان مصابان بورم الغدد التى خلف الأذن، وهى الأورام المسماة «فوجثلا»، وقد دبرهم بالتدبير ذاته إلى حين توفر الأدوية النافعة لهم. وجماعة أكبر منهم عدداً- سبعة وعشرين وجدهم يعانون القولنج البارد وما يلحق به من الزحير واحتباس الطبيعة والقراقر.

قطع «الآمر» استرسال ابن سيناء بسؤاله عن سبب إصابة كثيرين هنا بهذا المرض المؤلم، الذى يعانى شخصياً منه. «لعنه الله». قال الآمر ذلك لحظة دق على الباب الخدم الذين جاءوا بطعام العشاء، ووضعوه أمامهما على الطاولة، فابتسم ابن سينا، وهو يشير للأطباق الثلاثة قاصداً ما فيها من طبيخ: هذا جوابك قد حضر فى وقته.. فتطلع إليه «الآمر» مندهشاً وهو يقول: كيف؟! هذا والله أطيب طعام يمكن أن يؤكل فى هذه الأنحاء. فما العيب فيه؟

أفهمه ابن سينا أن هذه «الإسفيذباجات» والبقول المطبوخة معها- مما يعسر هضمه، ويكثر نفخه للقولون وللمعى الدقاق، وكذلك هذه «الكواميخ» اللاذعة، وتلك «المضيرة» بما فيها من اللحم السمين واللبن، كل هذا مضر جداً بالمعى والقولون وردىء لأصحاب القولنج.. كان الآمر يسمع وهو يأكل بشهية شتوية لقمات كبيرات تناسب رجلاً عبل البدن، وكأن كلام الشيخ الرئيس كان همساً فى فراغ مغارة.. وأدرك «الآمر» ما يدور برأس ابن سينا، فقال وهو يضحك: يا حكيم الزمان، دعنا الآن نلبِ الاشتهاء لهذا العشاء الشهى، وغداً أو بعد غد نبدأ فى العلاج عندما يأتى الدواء، ولكل داء دواء إسفيذباجة، اللوبياء هذه لذيذة المذاق جداً، تفضل.. بتهمل يلائم طبيباً عبقرياً، يعانى من القولنج، أكل ابن سينا على هون لقيمات لا يقمن الأود. تجنباً لما يدركه من النتائج، ومرضاة لمضيفه النهم الذى يلتهم ما أمامه، كأنه ذاهب فى الغد للقتال. والحال على أصحابه غلاب. بعدما انتهيا، قام «الآمر» فتمطى ثم فتح باب الغرفة ومال للأمام برأسه كى يخرج إلى الفناء فيصيح فى خادميه كى يسرعا بإحضار «الفالوذج» وما يجدانه حاضراً من حلو الفواكه: أحضِرا قنية الشراب وكأسين.. هيا.

■ ■ ■

كانت الغرفة تفوح أجواؤها برائحة الطبيخ الباقية منه فى الأطباق مقادير، وحولها فتات الخبز الذى تناثر من بين أصابع «الآمر» النهم. لا يحب ابن سينا تلك الرائحة، ويعافها منذ صغره، لكنه لم يظهر ذلك للآمر كيلا يعكر صفوه، وتمنى أن يسرع إليهما الخادمان بالشراب والفاكهة، فيرفعا ما تبقى على المائدة وتذهب رائحته.. سرح بخاطره فعاد بالزمان ثلاثين سنة، بل أكثر، وتذكر ضيقه وهو صبى من رائحة الأرز البخارى بالغ الدسومة، الذى كانت أمه تداوم على طبخه مخلوطاً بلحم الضأن والطازج من الخضروات. كانت رائحته طيبة عند الجوع وقبل الأكل، فقط، أما بعده وعند الشبع فهو مما لا يطاق. وكان حين يقول ذلك لأمه، ما كانت تهتم، وتعد كلامه من قبل دلال بكور الصبيان، وأبوه كان يضحك من تبرمه ويردف أنه دليل على أن الروائح تدرك بأشكال مختلفة بحسب حال من يشم. أبوه كان رجلاً أفغانياً نحيلاً، حاد الملامح لكنه طيب القلب شديد الذكاء محب لمطالعة الكتب، وقليل الحظ، رحل من بلدته «بلخ» وهو فى حدود العشرين من عمره طلباً للرزق وأملاً فى الحصول على وظيفة ديوانية تضمن له جريان الراتب، فوجدها فى قرية كبيرة قريبة من «بخارى» اسمها: خرمثين، فصار هناك من صغار الموظفين التابعين لبلاط السلطان نوح الثانى، أبى القاسم نوح بن منصور بن نوح السامانى، وكانت النواحى أيامها مستقرة تحت سلطانه الذى دام طويلاً حتى وفاته. لكن ابنه فشل فى الحفاظ على إرث أبيه وأجداده، ثم جاء من «غزنة» الأفغانية محمود بن سبكتكين فاستولى على تلك النواحى وفتح بلاد الهند، فصار سلطاناً مخولاً بالحكم من الخليفة العباسى ببغداد.

كان أبوه فى ذاك الزمان الأول مسؤولاً عن إحصاء التركات التى يرثها أبناء المتوفى، ويسجل ذلك فى الدفاتر لضبط أمور الخراج على المسلمين والجزية على النصارى والصابئة واليهود. وكان عمله هذا يقتضى التطواف أحياناً على القرى الصغيرة والمحيطة ببخارى، وفى واحدة منها اسمها «أفشنة» رأى الفتاة اليتيمة التى تزوجها فأنجبت له اثنين من الذكور. هذا العبقرى الذى أعطاه أبوه اسماً دالاً على مذهبه الشيعى، «الحسين» وأخيه الأصغر الذى سماه أبوه «الحسن» تيمناً باسم سبطى النبى من ابنته فاطمة وزوجها الإمام على.. كان زمان «نوح السامانى» يسمح بذلك، ولا يجد فيه أحد غضاضة أو خطراً.

كانت أم أبى على الحسين بن عبدالله بن سيناء الشيخ الرئيس، امرأة متينة البنيان أوزبكية الملامح قوية القسمات. وقد ورث عنها عينيها الواسعتين وشعرها الأسود الكثيف والجبهة العريضة، ومن أبيه ورث الصلابة والصبر والشغف بالكتب. أمه لم تكن تقرأ، فكانت تفهم ما حولها بقلبها الذى انقبض عندما انتقلت الأسرة من قريتها إلى بلدة «بخارى» قصبة الإقليم وعاصمته، إذ تخلى زوجها هناك عن الحذر الواجب المسمى «التقية» وجهر بمذهبه الشيعى، بل صادق الداعى الإسماعيلى وصار يدعوه كثيراً للمنزل الذى كانوا يسكنونه ببخارى. والظاهر أن أباه كان يأمل فى اختياره ليكون يوماً من دعاة الشيعة الإسماعيلية الذين يمهدون لامتداد دولتهم «الفاطمية» التى نجحت فى حكم مصر، وكانت تطمح للمزيد. أما أمه، فهى مثل عوام الناس فى بخارى وما حولها، ومعظمهم من الأوزبك البسطاء المسلمين، بفطرتهم. والمفروض أن عمومهم على المذهب المسمى بأهل السنة، وهم فى فروع الفقه شافعية أو أحناف، وفى أصول الدين أشاعرة. لكن هذه المرأة الطيبة التى أنجبت للإنسانية ابن سينا، ما كانت تعرف معنى المذهب والفقه وعلم الكلام، وكان زوجها الذى اختار مذهب جده الشيعى الإسماعيلى بعد تدبر، يحدثها كثيراً فى تلك الأمور التى كان يعنى بها، ولا تكترث هى، فتمل من كلامه وتنهيه بعبارتها المعتادة: المهم أننا جميعاً مسلمون، الحمد لله!.. وحين سقطت دولة السامانيين المتسامحة مذهبياً، نسبياً، واستولت على الأنحاء سيوف السلطان «محمود بن سبكتكين الغزنوى» رافعة راية السنة وقمع البدع، اضطربت الأحوال وتبدلت.. هذا شأن الأيام.. متقلبة، لا تقر.

- أراك شارد اللب يا حكيم الزمان!

- آه، نعم.. عفواً سيدى الآمر، ربما ذكرنى طعامك الشهى هذا بالأرز البخارى الذى كانت أمى تطبخه لنا أيام صباى. فالشبه ينادى الشبيه.

- إذن، فليكن غداؤنا فى الغد، الأرز البخارى.. وسوف...

- لا، مهلاً يا سيدى. يجب علينا من الغد البدء فى التدبير الغذائى، فالأطعمة والأشربة نصف العلاج.

- ههه، سمعتك تقول قبل يومين وأنت تفحص الرجال، إن التشخيص ومعرفة العلة هو نصف العلاج، وما دام الطعام هو النصف الآخر، فما حاجتنا إلى الدواء. ههه، ههه. أين الفالوذج.

■ ■ ■

دخل عليهما خادمان رفعا من فوق الطاولة الأطباق الفواحة، ووضعا مكانها قدحين من الخزف المزخرفة حوافه بالنقوش، فيهما «الفالوذج» الرقراق العسلى المطيب بماء الورد، وبوسط الطاولة وضعا طبقاً كبيراً، فيه رمان حلو، وعناقيد عنب قانٍ لونه، حباته كبار، وبجواره القنية والكأسان.. ابن سينا كان فى طفولته يسمع بالفالوذج، ولا يراه، ولما انتقل فى صباه مع أسرته من قرية «أفشنة» الفقيرة إلى بلدة «بخارى» العامرة، حضر مع أبيه ولائم فتذوقه هناك واستطابه. وفى زمن وزارته الأولى، كان ببيته مملوك يجيد صنعه ويداوم على عمله كل أسبوع. لكنه فى السنوات الأخيرة صار يقى الإكثار منه، لأنه مع فوائده وحلاوته الجلاءة الصدر، عسر الهضم، وقد يهيج أوجاع القولنج.. لمح «الآمر» نظرة الشيخ الرئيس إلى القدحين، وقرأ ما فيها من اشتهاء وتوق فقال مشجعاً: هذا مقدار قليل، نافع، فعليك الآن بقدحك قبل شرب نبيذ الفانيد، فإن هذا لن يصلح بعد ذلك.

«نعم، نعم».. قال ابن سيناء ذلك وهو يمسك بيسراه القدح ويضع فيه الملعقة بيمناه، ثم يدسها فى فِيهِ ملتذاً. ضحك «الآمر» وهو يقول ملاطفاً إن رجلاً من بدو العرب الأخلاق ذاق «الفالوذج»، لأول مرة، فانبهر بطعمه اللذيذ وأراد أن يلتهم منه طبقاً كبيراً، فحذوره من ذلك بقولهم إن الجائع إذا شبع من الفالوذج، مات! فتردد لحظة، ثم أقبل على الطبق بنهم وهو يقول: أوصيكم خيراً بأولادى.. ولما التهم كل ما فيه وهو يبتهج، قالوا له: قد حذرناك! فقال: حين نزحت من البادية إلى الحضر سكنت قرب المقابر سنوات، فما سمعت يوماً بميت أهلكه الفالوذج. ههه، ههه.

عاد الخادمان وهما يحملان بعناية جمراً يتقد فى طست نحاسى قديم، فشاع الدفء فى الغرفة والرضا فى قلب الجالسين، المتسامرين اللذين نسيا بعد ساعة أنهما حابس ومحبوس.. وكانت المرة الأولى، منذ شهور، التى يضحك فيها ابن سيناء بصوت عالٍ.

خلال هذه الجلسة، جرى بينهما خيل الكلام فى كل مضمار، حتى انتصف الليل وثقل رأس «الآمر» واحمرت عيناه، وكان مما قالاه، سؤال ابن سينا عن ذلك الرجل المسمى «شيخ القرى» ومن أين سيأتى بالأدوية المطلوبة؟ فأجابه «الآمر» بأن هذا الرجل لا يعجزه شىء. وهو من خيرة الناس بتلك الناحية، يتودد إلى الجميع، ولا يعادى أحداً، بل لا يعاتب، فأحبه أهل القرى، وارتضوا بكلامه فيهم، ورضى عنه الحكام، وفوضوه فى حل الخلافات التى تنشب بين القرويين. ما عدا حوادث القتل، وهى نادرة الوقوع. ويتوسط بين الجباة والناس فى أمور المكوس والخراج والجزية، ويقرض المحتاج من دون ربا. وهو ميسور الحال ومعدود من الأثرياء. لديه بساتين مثمرة. هو شيخ نيف عمره على السبعين سنة، لكنه صحيح البدن ونشط كالشبان، وسيكون غالباً من المعمرين! فأبوه توفى صحيح البدن وقد بلغ من عمره مائة سنة، ويقال إن جده لأبيه مات بعدما تجاوز المائة بعشرين عاماً.. الأعمار لا ضابط لها يا حكيم، أليس كذلك؟

- بلى، لكن الصحة لها ضوابط كثيرة، منها عدم الإفراط فى الأكل، خصوصاً ما كان منه شديد الدسومة، ومنها عدم الإفراط فى الشراب.

- ههه، ههه. والله إنك لمن ألطف الحكماء، فإشاراتك كلها ذكاء، وأراك قد استبد بك القلق منذ أخبرتك بأننى أعانى أوجاع القولنج.

- هذا صحيح، فهذا مما لا يجب الاستهانة به.. وقد صرت مؤخراً أعانى منه.

- لعنة الله عليه. هذا مرض وقح لا يتورع أن يصيب أبرع الأطباء ورئيس الحكماء. أخبرنى يا أباعلىَّ بسر هذا المرض الوضيع، ومن أين يأتى، وكيف يكون علاجه.. وهل له صلة بأننى نهم وشديد الشهوة للشهى من الطعام؟

أفهمه ابن سينا بأيسر الألفاظ أنه لا غضاضة فى شهيته هذه مع ضخامة بدنه، فالجسم يحتاج من الطعام ما يتناسب مع حجمه، ويكفى للقيام بمؤونته. فلا بأس فى ذلك. اللهم إلا فى حالة الاختلال المسماة باليونانية «بوليموس».

قاطعه الآمر «المزدوج» مارحاً بقوله: بوليموس ابن بطلميوس! فلم يسايره ابن سينا واستكمل كلامه بحدية: هو مرض يسميه الأطباء «الجوع الكلبى» وبعضهم يسمونه «البقرى» وفيه يتناول المريض ما لا يقدر بدنه على القيام بهضمه، ولا يحتاجه أصلاً، فيضطره ذلك إلى القىء المستمر. ثم تبطل الشهوة وتسقط، لشعور المعدة كذباً بالشبع، مع جوع الأعضاء وافتقارها إلى الغذاء، وقد يؤدى ذلك بصاحبه إلى الإغماء والغشى، أما القولنج، فهو ألم معوى يعسر معه خروج ما يخرج بالطبع من الثقل. فإن كان سببه فى المعى الدقاق فهو المعروف عند الأطباء باسم «إيلاوس» وإن كان فى القولون أى المعاء الفلاظ، قيل له قولنج.. ومن مسبباته الكثيرة برودة الجو، وكثرة البقول فى الطعام، والشراب القوى. قاطعه «الآمر» وهو يضحك كطفل عملاق:

- أنت تصف حالنا وما نحن فيه!

- سنرى، غداً، بعدما أفحصك على الوجه الصحيح لنتأكد من طبيعة ما يؤلمك. ولا تقلق، فأظنننى خبير بهذه العلة، وقد بدأت أول أمس فى تأليف كتاب عن القولنج وأنواعه وعلاجاته.

- ليتك تهدى هذا الكتاب إلىَّ ليشتهر بين الناس اسمى. ههه. فتجعل عنوانه مثلاً «الآمر المنصورى فى القولنج» أو «الرسالة المزدوجة فى القولنج» أو القولنج الغردجانى، نسبة إلى هذه القلعة التعيسة البائسة.

- يا سيدى، لا يصح أن نقرن فى عنوان بين شخص ومرض، وحين نهدى لرجل كتاباً فلابد أن يكون فى علم نافع، لا علة، ليتشرف به المهدى إليه.. ثم ما أدراك بأن علتك هى القولنج؟

- قد أخبرنى بذلك كل من حولى، أقصد الذين أخبرتهم بما يؤلمنى.

- هل فيهم طبيب نابه قام بفحصك أو سمع منك وصفاً لأعراض علتك؟

- لا والله، وكلهم هنا كالبهائم.. ههه.. ولكن يا حكيم الزمان، لماذا ننتظر إلى الغد؟! أما بمقدورك تشخيص علتى الآن؟ أتمنى عليك أن تفعل، وخير الفعل عاجله.

تردد ابن سينا لحيظة، ثم طلب من «الآمر» أن يستلقى على سرير الغرفة، وجس نبضه، ثم سأله عن عمره فقال: فى حدود الخمسين. واستخبر منه عن موضع الوجع، فقال إنه يبتدئ من خلف ثم ينحدر إلى أسفل، ويسبقه عسر فى البول وسلس وانتثار. كان ابن سينا يعلم أن هذه الأعراض تخالف أحوال المقولنج، بيد أنه أراد أن يتثبت مما لاح له، فضغط بأطراف أصابعه على موضع الكلى اليسرى فصبر «الآمر» على ذلك، وحين ضغط على موضع اليمنى صرخ وهب منتفضاً من استلقائه، ومال متألماً إلى جهة اليمين.. قال له الشيخ الرئيس: قد صدق حدسى، هذا ليس من أنواع القولنج، إنما هو حصاة فى الكلى وهى قريبة الموضع من الحالب.. هل الوجع الذى تشعر به الآن شديد؟

- نعم، شديد جداً.. كان يجب فعلاً أن نرجئ هذا الأمر إلى الغد.

- لا بأس، استرح.. سيهدأ الوجع رويداً، وسيكون علاجك سهلاً بإذن الله.

■ ■ ■

بعدما هدأ ألمه، نسبياً، ذهب «الآمر» إلى غرفته فأغلق ابن سينا عليه الباب واستلقى على السرير، وراح يحدق فى الظلام.. رأى أمه جالسة أمام الفرن الذى كان فوق سطح بيتهم القديم ببخارى، ثم رأى نفسه صبياً يتطلع نحو النجوم فى ليلة صيفية. وسمع أصواتاً خافتة كأنها الأنين، تأتيه من موضع بعيد، يستبيحون بلدة كانت قبل قدومهم بقليل نائمة.. ثم اصطخاب جنودا غلاظا، وفجأة سكن الكون وخمد.

ما هذه العتمة التامة، وما تلك الأضواء الخافتة التى تلوح من بعيد، ومن هؤلاء الرجال.. ومن أنا..؟

■ ■ ■
 
اعتقال الشيخ الرئيس «2» «قصة قصيرة»
يوسف زيدان


ظن ابن سينا أن يومين بطولهما سوف يكفيانه، لكنه احتاج- لفحص أحوال الجند والخدم العاملين بالقلعة- يوماً إضافياً وبعض يوم. وفور فراغه من تلك المشقة، عصراً، أرسل خادماً ليخبر حراس آمر القلعة «المزدوج» بأنه يود الالتقاء به، وكان «الآمر» كريم الطبع، فبادر إلى النزول إلى الفناء، حيث غرفة ابن سينا، بعدما طلب من معاونه أن يرسل إليهما وجبة العشاء عقب الانتهاء من صلاة المغرب.. وحين دخل عليه من باب الغرفة المفتوح، تهلل ابن سينا ورحب بالآمر معرباً عن تقديره لمجىء الرجل إليه، فرد عليه: وهل أقل من ذا، بعدما رأيت من تعبك الأيام الأربعة الماضية؟ والعجيب أنك فى جوف الليالى لم تنم، وكنت تكتب!.. اندهش ابن سينا وسأله: وكيف علمت بذلك وبابى مغلق علىَّ؟!

- من خيط ضوء السراج البادى من تحت الباب.

كان اليوم هو السادس من أيام اعتقال الشيخ الرئيس، الذى أنست الممارسة الطبية أنه بهذه القلعة معتقل، فانهمك نهاراً فى فحص الأبدان وليلاً فى تسويد مقالة فى القولنج. سأله الآمر: كيف وجدت الرجال؟ فأجابه وهو يتناول من فوق الطاولة وريقة، قال وهو ينظر فيها: جملة الذين فحصت أحوالهم من رجالك يا سيدى أربعة وخمسون ومائة. وأخبرونى بأن هذا هو تمام عددهم. وقد وجدت فيهم ثمانية وسبعين من الأصحاء الذين لا يحتاجون إلا للأمور واجبة المراعاة لحفظ حال الصحة، وخمسة يعانون من أمراض حادة ولابد من المبادرة إلى علاجهم لأن الإهمال قتّال فى حالتهم، وفيهم رجل أشيب اسمه «محمود البرجندى» اجتمعت عليه علّتان، وعلاجه عسر، وما لديهم من أدوية هنا ردىء ومعظمه فسد بسبب سوء الحفظ، ولا يؤمَن استعماله فى المعالجات.

- بعد يومين ستأتيك الأدوية المفردة والعقاقير، فقد وصل «أبوالزهير» صباح اليوم إلى قريته وتسلم رسالتى، فوعد بالوفاء بالمطلوب. وهو رجل يوثق بوعده. ولولا غيابه أياماً للتعزية فى نيسابور، لكان ما نريده من صنوف الأدوية حاضراً هنا منذ أمس. لكن لا بأس. وقد أخبرنى مرسالى إلى أبى الزهير بأن الرجل يحب أن يراك ويود أن يهديك شيئاً تحبه.

- تعزية!.. هل مات واحد من أعلام الرجال فى نيسابور؟

- نعم. أبوعبدالرحمن السلمى، المقرئ المتصوف، هل تعرفه؟

- سمعت به (عليه رحمة البارئ ورضوانه)، ورأيت كراريس من تفسيره للقرآن الذى سماه «الحقائق» وقرأت كتابه فى سير الصوفية.. لكن هذا الرجل يسكن بالبصرة!

- نعم، ومات فيها قبل أسبوعين. لكن أسرته وقومه أقاموا له فى ديارهم عزاءً آخر، اعتزازاً بسيرته، ولشهرته بين الناس بالصلاح- رحمه الله.

- وكيف وجدت بقية الرجال؟

لمح ابن سينا ما كتبه بالوريقة، ثم قال إنه وجد جماعة، أكثرهم من الخدم، مصابة أجسادهم ببثور النملة الجاورسية والشّرى والخراجات والنفاطات، وهؤلاء أتم استفراغهم بالفصد، وسوف يكمل لهم العلاج عندما تصل الأعشاب الطبية اللزمة لعمل الأطلية والمراهم. وكان منهم رجلان مصابان بورم الغدد التى خلف الأذن، وهى الأورام المسماة «فوجثلا»، وقد دبرهم بالتدبير ذاته إلى حين توفر الأدوية النافعة لهم. وجماعة أكبر منهم عدداً- سبعة وعشرين وجدهم يعانون القولنج البارد وما يلحق به من الزحير واحتباس الطبيعة والقراقر.

قطع «الآمر» استرسال ابن سيناء بسؤاله عن سبب إصابة كثيرين هنا بهذا المرض المؤلم، الذى يعانى شخصياً منه. «لعنه الله». قال الآمر ذلك لحظة دق على الباب الخدم الذين جاءوا بطعام العشاء، ووضعوه أمامهما على الطاولة، فابتسم ابن سينا، وهو يشير للأطباق الثلاثة قاصداً ما فيها من طبيخ: هذا جوابك قد حضر فى وقته.. فتطلع إليه «الآمر» مندهشاً وهو يقول: كيف؟! هذا والله أطيب طعام يمكن أن يؤكل فى هذه الأنحاء. فما العيب فيه؟

أفهمه ابن سينا أن هذه «الإسفيذباجات» والبقول المطبوخة معها- مما يعسر هضمه، ويكثر نفخه للقولون وللمعى الدقاق، وكذلك هذه «الكواميخ» اللاذعة، وتلك «المضيرة» بما فيها من اللحم السمين واللبن، كل هذا مضر جداً بالمعى والقولون وردىء لأصحاب القولنج.. كان الآمر يسمع وهو يأكل بشهية شتوية لقمات كبيرات تناسب رجلاً عبل البدن، وكأن كلام الشيخ الرئيس كان همساً فى فراغ مغارة.. وأدرك «الآمر» ما يدور برأس ابن سينا، فقال وهو يضحك: يا حكيم الزمان، دعنا الآن نلبِ الاشتهاء لهذا العشاء الشهى، وغداً أو بعد غد نبدأ فى العلاج عندما يأتى الدواء، ولكل داء دواء إسفيذباجة، اللوبياء هذه لذيذة المذاق جداً، تفضل.. بتهمل يلائم طبيباً عبقرياً، يعانى من القولنج، أكل ابن سينا على هون لقيمات لا يقمن الأود. تجنباً لما يدركه من النتائج، ومرضاة لمضيفه النهم الذى يلتهم ما أمامه، كأنه ذاهب فى الغد للقتال. والحال على أصحابه غلاب. بعدما انتهيا، قام «الآمر» فتمطى ثم فتح باب الغرفة ومال للأمام برأسه كى يخرج إلى الفناء فيصيح فى خادميه كى يسرعا بإحضار «الفالوذج» وما يجدانه حاضراً من حلو الفواكه: أحضِرا قنية الشراب وكأسين.. هيا.

■ ■ ■

كانت الغرفة تفوح أجواؤها برائحة الطبيخ الباقية منه فى الأطباق مقادير، وحولها فتات الخبز الذى تناثر من بين أصابع «الآمر» النهم. لا يحب ابن سينا تلك الرائحة، ويعافها منذ صغره، لكنه لم يظهر ذلك للآمر كيلا يعكر صفوه، وتمنى أن يسرع إليهما الخادمان بالشراب والفاكهة، فيرفعا ما تبقى على المائدة وتذهب رائحته.. سرح بخاطره فعاد بالزمان ثلاثين سنة، بل أكثر، وتذكر ضيقه وهو صبى من رائحة الأرز البخارى بالغ الدسومة، الذى كانت أمه تداوم على طبخه مخلوطاً بلحم الضأن والطازج من الخضروات. كانت رائحته طيبة عند الجوع وقبل الأكل، فقط، أما بعده وعند الشبع فهو مما لا يطاق. وكان حين يقول ذلك لأمه، ما كانت تهتم، وتعد كلامه من قبل دلال بكور الصبيان، وأبوه كان يضحك من تبرمه ويردف أنه دليل على أن الروائح تدرك بأشكال مختلفة بحسب حال من يشم. أبوه كان رجلاً أفغانياً نحيلاً، حاد الملامح لكنه طيب القلب شديد الذكاء محب لمطالعة الكتب، وقليل الحظ، رحل من بلدته «بلخ» وهو فى حدود العشرين من عمره طلباً للرزق وأملاً فى الحصول على وظيفة ديوانية تضمن له جريان الراتب، فوجدها فى قرية كبيرة قريبة من «بخارى» اسمها: خرمثين، فصار هناك من صغار الموظفين التابعين لبلاط السلطان نوح الثانى، أبى القاسم نوح بن منصور بن نوح السامانى، وكانت النواحى أيامها مستقرة تحت سلطانه الذى دام طويلاً حتى وفاته. لكن ابنه فشل فى الحفاظ على إرث أبيه وأجداده، ثم جاء من «غزنة» الأفغانية محمود بن سبكتكين فاستولى على تلك النواحى وفتح بلاد الهند، فصار سلطاناً مخولاً بالحكم من الخليفة العباسى ببغداد.

كان أبوه فى ذاك الزمان الأول مسؤولاً عن إحصاء التركات التى يرثها أبناء المتوفى، ويسجل ذلك فى الدفاتر لضبط أمور الخراج على المسلمين والجزية على النصارى والصابئة واليهود. وكان عمله هذا يقتضى التطواف أحياناً على القرى الصغيرة والمحيطة ببخارى، وفى واحدة منها اسمها «أفشنة» رأى الفتاة اليتيمة التى تزوجها فأنجبت له اثنين من الذكور. هذا العبقرى الذى أعطاه أبوه اسماً دالاً على مذهبه الشيعى، «الحسين» وأخيه الأصغر الذى سماه أبوه «الحسن» تيمناً باسم سبطى النبى من ابنته فاطمة وزوجها الإمام على.. كان زمان «نوح السامانى» يسمح بذلك، ولا يجد فيه أحد غضاضة أو خطراً.

كانت أم أبى على الحسين بن عبدالله بن سيناء الشيخ الرئيس، امرأة متينة البنيان أوزبكية الملامح قوية القسمات. وقد ورث عنها عينيها الواسعتين وشعرها الأسود الكثيف والجبهة العريضة، ومن أبيه ورث الصلابة والصبر والشغف بالكتب. أمه لم تكن تقرأ، فكانت تفهم ما حولها بقلبها الذى انقبض عندما انتقلت الأسرة من قريتها إلى بلدة «بخارى» قصبة الإقليم وعاصمته، إذ تخلى زوجها هناك عن الحذر الواجب المسمى «التقية» وجهر بمذهبه الشيعى، بل صادق الداعى الإسماعيلى وصار يدعوه كثيراً للمنزل الذى كانوا يسكنونه ببخارى. والظاهر أن أباه كان يأمل فى اختياره ليكون يوماً من دعاة الشيعة الإسماعيلية الذين يمهدون لامتداد دولتهم «الفاطمية» التى نجحت فى حكم مصر، وكانت تطمح للمزيد. أما أمه، فهى مثل عوام الناس فى بخارى وما حولها، ومعظمهم من الأوزبك البسطاء المسلمين، بفطرتهم. والمفروض أن عمومهم على المذهب المسمى بأهل السنة، وهم فى فروع الفقه شافعية أو أحناف، وفى أصول الدين أشاعرة. لكن هذه المرأة الطيبة التى أنجبت للإنسانية ابن سينا، ما كانت تعرف معنى المذهب والفقه وعلم الكلام، وكان زوجها الذى اختار مذهب جده الشيعى الإسماعيلى بعد تدبر، يحدثها كثيراً فى تلك الأمور التى كان يعنى بها، ولا تكترث هى، فتمل من كلامه وتنهيه بعبارتها المعتادة: المهم أننا جميعاً مسلمون، الحمد لله!.. وحين سقطت دولة السامانيين المتسامحة مذهبياً، نسبياً، واستولت على الأنحاء سيوف السلطان «محمود بن سبكتكين الغزنوى» رافعة راية السنة وقمع البدع، اضطربت الأحوال وتبدلت.. هذا شأن الأيام.. متقلبة، لا تقر.

- أراك شارد اللب يا حكيم الزمان!

- آه، نعم.. عفواً سيدى الآمر، ربما ذكرنى طعامك الشهى هذا بالأرز البخارى الذى كانت أمى تطبخه لنا أيام صباى. فالشبه ينادى الشبيه.

- إذن، فليكن غداؤنا فى الغد، الأرز البخارى.. وسوف...

- لا، مهلاً يا سيدى. يجب علينا من الغد البدء فى التدبير الغذائى، فالأطعمة والأشربة نصف العلاج.

- ههه، سمعتك تقول قبل يومين وأنت تفحص الرجال، إن التشخيص ومعرفة العلة هو نصف العلاج، وما دام الطعام هو النصف الآخر، فما حاجتنا إلى الدواء. ههه، ههه. أين الفالوذج.

■ ■ ■

دخل عليهما خادمان رفعا من فوق الطاولة الأطباق الفواحة، ووضعا مكانها قدحين من الخزف المزخرفة حوافه بالنقوش، فيهما «الفالوذج» الرقراق العسلى المطيب بماء الورد، وبوسط الطاولة وضعا طبقاً كبيراً، فيه رمان حلو، وعناقيد عنب قانٍ لونه، حباته كبار، وبجواره القنية والكأسان.. ابن سينا كان فى طفولته يسمع بالفالوذج، ولا يراه، ولما انتقل فى صباه مع أسرته من قرية «أفشنة» الفقيرة إلى بلدة «بخارى» العامرة، حضر مع أبيه ولائم فتذوقه هناك واستطابه. وفى زمن وزارته الأولى، كان ببيته مملوك يجيد صنعه ويداوم على عمله كل أسبوع. لكنه فى السنوات الأخيرة صار يقى الإكثار منه، لأنه مع فوائده وحلاوته الجلاءة الصدر، عسر الهضم، وقد يهيج أوجاع القولنج.. لمح «الآمر» نظرة الشيخ الرئيس إلى القدحين، وقرأ ما فيها من اشتهاء وتوق فقال مشجعاً: هذا مقدار قليل، نافع، فعليك الآن بقدحك قبل شرب نبيذ الفانيد، فإن هذا لن يصلح بعد ذلك.

«نعم، نعم».. قال ابن سيناء ذلك وهو يمسك بيسراه القدح ويضع فيه الملعقة بيمناه، ثم يدسها فى فِيهِ ملتذاً. ضحك «الآمر» وهو يقول ملاطفاً إن رجلاً من بدو العرب الأخلاق ذاق «الفالوذج»، لأول مرة، فانبهر بطعمه اللذيذ وأراد أن يلتهم منه طبقاً كبيراً، فحذوره من ذلك بقولهم إن الجائع إذا شبع من الفالوذج، مات! فتردد لحظة، ثم أقبل على الطبق بنهم وهو يقول: أوصيكم خيراً بأولادى.. ولما التهم كل ما فيه وهو يبتهج، قالوا له: قد حذرناك! فقال: حين نزحت من البادية إلى الحضر سكنت قرب المقابر سنوات، فما سمعت يوماً بميت أهلكه الفالوذج. ههه، ههه.

عاد الخادمان وهما يحملان بعناية جمراً يتقد فى طست نحاسى قديم، فشاع الدفء فى الغرفة والرضا فى قلب الجالسين، المتسامرين اللذين نسيا بعد ساعة أنهما حابس ومحبوس.. وكانت المرة الأولى، منذ شهور، التى يضحك فيها ابن سيناء بصوت عالٍ.

خلال هذه الجلسة، جرى بينهما خيل الكلام فى كل مضمار، حتى انتصف الليل وثقل رأس «الآمر» واحمرت عيناه، وكان مما قالاه، سؤال ابن سينا عن ذلك الرجل المسمى «شيخ القرى» ومن أين سيأتى بالأدوية المطلوبة؟ فأجابه «الآمر» بأن هذا الرجل لا يعجزه شىء. وهو من خيرة الناس بتلك الناحية، يتودد إلى الجميع، ولا يعادى أحداً، بل لا يعاتب، فأحبه أهل القرى، وارتضوا بكلامه فيهم، ورضى عنه الحكام، وفوضوه فى حل الخلافات التى تنشب بين القرويين. ما عدا حوادث القتل، وهى نادرة الوقوع. ويتوسط بين الجباة والناس فى أمور المكوس والخراج والجزية، ويقرض المحتاج من دون ربا. وهو ميسور الحال ومعدود من الأثرياء. لديه بساتين مثمرة. هو شيخ نيف عمره على السبعين سنة، لكنه صحيح البدن ونشط كالشبان، وسيكون غالباً من المعمرين! فأبوه توفى صحيح البدن وقد بلغ من عمره مائة سنة، ويقال إن جده لأبيه مات بعدما تجاوز المائة بعشرين عاماً.. الأعمار لا ضابط لها يا حكيم، أليس كذلك؟

- بلى، لكن الصحة لها ضوابط كثيرة، منها عدم الإفراط فى الأكل، خصوصاً ما كان منه شديد الدسومة، ومنها عدم الإفراط فى الشراب.

- ههه، ههه. والله إنك لمن ألطف الحكماء، فإشاراتك كلها ذكاء، وأراك قد استبد بك القلق منذ أخبرتك بأننى أعانى أوجاع القولنج.

- هذا صحيح، فهذا مما لا يجب الاستهانة به.. وقد صرت مؤخراً أعانى منه.

- لعنة الله عليه. هذا مرض وقح لا يتورع أن يصيب أبرع الأطباء ورئيس الحكماء. أخبرنى يا أباعلىَّ بسر هذا المرض الوضيع، ومن أين يأتى، وكيف يكون علاجه.. وهل له صلة بأننى نهم وشديد الشهوة للشهى من الطعام؟

أفهمه ابن سينا بأيسر الألفاظ أنه لا غضاضة فى شهيته هذه مع ضخامة بدنه، فالجسم يحتاج من الطعام ما يتناسب مع حجمه، ويكفى للقيام بمؤونته. فلا بأس فى ذلك. اللهم إلا فى حالة الاختلال المسماة باليونانية «بوليموس».

قاطعه الآمر «المزدوج» مارحاً بقوله: بوليموس ابن بطلميوس! فلم يسايره ابن سينا واستكمل كلامه بحدية: هو مرض يسميه الأطباء «الجوع الكلبى» وبعضهم يسمونه «البقرى» وفيه يتناول المريض ما لا يقدر بدنه على القيام بهضمه، ولا يحتاجه أصلاً، فيضطره ذلك إلى القىء المستمر. ثم تبطل الشهوة وتسقط، لشعور المعدة كذباً بالشبع، مع جوع الأعضاء وافتقارها إلى الغذاء، وقد يؤدى ذلك بصاحبه إلى الإغماء والغشى، أما القولنج، فهو ألم معوى يعسر معه خروج ما يخرج بالطبع من الثقل. فإن كان سببه فى المعى الدقاق فهو المعروف عند الأطباء باسم «إيلاوس» وإن كان فى القولون أى المعاء الفلاظ، قيل له قولنج.. ومن مسبباته الكثيرة برودة الجو، وكثرة البقول فى الطعام، والشراب القوى. قاطعه «الآمر» وهو يضحك كطفل عملاق:

- أنت تصف حالنا وما نحن فيه!

- سنرى، غداً، بعدما أفحصك على الوجه الصحيح لنتأكد من طبيعة ما يؤلمك. ولا تقلق، فأظنننى خبير بهذه العلة، وقد بدأت أول أمس فى تأليف كتاب عن القولنج وأنواعه وعلاجاته.

- ليتك تهدى هذا الكتاب إلىَّ ليشتهر بين الناس اسمى. ههه. فتجعل عنوانه مثلاً «الآمر المنصورى فى القولنج» أو «الرسالة المزدوجة فى القولنج» أو القولنج الغردجانى، نسبة إلى هذه القلعة التعيسة البائسة.

- يا سيدى، لا يصح أن نقرن فى عنوان بين شخص ومرض، وحين نهدى لرجل كتاباً فلابد أن يكون فى علم نافع، لا علة، ليتشرف به المهدى إليه.. ثم ما أدراك بأن علتك هى القولنج؟

- قد أخبرنى بذلك كل من حولى، أقصد الذين أخبرتهم بما يؤلمنى.

- هل فيهم طبيب نابه قام بفحصك أو سمع منك وصفاً لأعراض علتك؟

- لا والله، وكلهم هنا كالبهائم.. ههه.. ولكن يا حكيم الزمان، لماذا ننتظر إلى الغد؟! أما بمقدورك تشخيص علتى الآن؟ أتمنى عليك أن تفعل، وخير الفعل عاجله.

تردد ابن سينا لحيظة، ثم طلب من «الآمر» أن يستلقى على سرير الغرفة، وجس نبضه، ثم سأله عن عمره فقال: فى حدود الخمسين. واستخبر منه عن موضع الوجع، فقال إنه يبتدئ من خلف ثم ينحدر إلى أسفل، ويسبقه عسر فى البول وسلس وانتثار. كان ابن سينا يعلم أن هذه الأعراض تخالف أحوال المقولنج، بيد أنه أراد أن يتثبت مما لاح له، فضغط بأطراف أصابعه على موضع الكلى اليسرى فصبر «الآمر» على ذلك، وحين ضغط على موضع اليمنى صرخ وهب منتفضاً من استلقائه، ومال متألماً إلى جهة اليمين.. قال له الشيخ الرئيس: قد صدق حدسى، هذا ليس من أنواع القولنج، إنما هو حصاة فى الكلى وهى قريبة الموضع من الحالب.. هل الوجع الذى تشعر به الآن شديد؟

- نعم، شديد جداً.. كان يجب فعلاً أن نرجئ هذا الأمر إلى الغد.

- لا بأس، استرح.. سيهدأ الوجع رويداً، وسيكون علاجك سهلاً بإذن الله.

■ ■ ■

بعدما هدأ ألمه، نسبياً، ذهب «الآمر» إلى غرفته فأغلق ابن سينا عليه الباب واستلقى على السرير، وراح يحدق فى الظلام.. رأى أمه جالسة أمام الفرن الذى كان فوق سطح بيتهم القديم ببخارى، ثم رأى نفسه صبياً يتطلع نحو النجوم فى ليلة صيفية. وسمع أصواتاً خافتة كأنها الأنين، تأتيه من موضع بعيد، يستبيحون بلدة كانت قبل قدومهم بقليل نائمة.. ثم اصطخاب جنودا غلاظا، وفجأة سكن الكون وخمد.

ما هذه العتمة التامة، وما تلك الأضواء الخافتة التى تلوح من بعيد، ومن هؤلاء الرجال.. ومن أنا..؟

■ ■ ■
 
3
كان السابع من الأيام الخمسة عشر ومائة، التى أمضاها ابن سينا فى قلعة «فردجان» معتقلاً، يوماً هادئاً باستثناء بعض الصخب الذى ملأ فناء القلعة صباحاً بسبب صيحات «حامد البرجندى» العالية فى الحراس. لا عجب فى أنهم لقبوه بالزعاق. وقد يعد من الأيام الطيبة نسبياً، لدى الشيخ الرئيس الحبيس لأمد غير محدد، فقد استفاق من نومه باكراً وبقى رهين فراشه يتفكر فى تقلبات أمواله حيناً، وحيناً فى فصول «كتاب القولنج» الذى يرجو أن يتمه فى الأيام المقبلة، ويفكر فى اختتامه بفصل خاص يناقش فيه ما قاله أحد الأطباء القدماء، من أن هذا المرض قد يقع عن طريق العدوى الوبائية الوافدة من خارج الجسم بسبب فساد الهواء، فيتعدى من بلد إلى بلد ومن إنسان مصاب به إلى الآخرين، وهو قول عجيب لم يعاينه المعاصرون ولا المحدثون من الأطباء.. من كان هذا الطبيب؟ حاول ابن سيناء أن يتذكر اسمه فلم يستطع، ولم يطمئن إلى ظنه بأنه «روفس» الحكيم الذى عاش قبل «جالينوس» بفترة، وكان يسكن ببلدة أفسس. أتراه هو؟ أغمض ابن سينا عينيه وعصر بأنامله جفنيه محاولاً أن يتذكر صاحب هذا القول. واغتاظ من نفسه. هو يستحضر فى ذهنه تلك الظهيرة التى كان جالساً فيها وهو يقرأ هذا الكتاب فى خزانة الأمير «نوح بن منصور» سلطان بخارى، بالغرفة الصغيرة التى قرب باب دار كتبه الفسيحة العامرة. ويتذكر أن هذا القول كان فى بداية الصفحة اليسرى من الورقة المليئة بالحواشى، بوسط المجلد، بل يكاد يرى شكل الحروف. لكن اسم المؤلف غاب.. هل كان الكتاب الذى ورد فيه هذا القول هو نوادر الحكماء لحنين بن إسحاق «أم» كتاب القولنج ليوحنا بن ماسويه.. وهل قائله هو روفس أم ميطس السكندرى؟ من كان..

انتبه ابن سينا بسبب زعيق «البرجندى» فقام منزعجاً من سريره إلى الباب، وخرج منه وعلى كتفيه الدثار الذى كان يلتحف به أثناء نومه. رآه «الزعاق» فتهلل فألقى عليه تحية وإليه سؤالا: صباحك خير يا حكيم.. هل تريد نأتيك الآن بالفطور؟ ممتناً، ابتسم له ابن سيناء ففهم من ذلك أنها الموافقة. وأسرع إلى غرفة قريبة جاء منها بطبق خزفى كبير فيه قطعة جبن وثلاث بيضات مسلوقات وفوق ذلك رغيف سمرقندى مرقق. وضع ما معه فوق الطاولة التى بغرفة ابن سيناء، ودعاه إلى الأكل، وجلس!

متحرجاً، أخذ الشيخ الرئيس من الرغيف لقيمة وضغط بها قطعة الجبن، ولاكها ببطء، قال الزعاق وهو يشير إلى البيضات: إنه نيمبرشت، فإن أردت أن يكون سلقه تاماً أو كنت تفضل المشوى، فلا مشكلة، أنا فى خدمتك يا سيدى الحكم.

- شكراً، لكننى اعتدت عدم الأكل فى الصباح، وكان يكفينى قدح فيه شىء من السويق الدافء.

- سيكون حاضراً من الغد.. هل تحب سويق الحنطة أم العدس أم الشعير؟

- كلهم عندى فى الصباح سواء، فلا تشغل بالك بذلك.. ولكن.. هل تعاملون الذين يعتقلون هنا، كلهم، بمثل هذا اللطف!

- أنت تختلف يا أمير الحكماء.. طبعاً.

- أمير الحكماء! وكيف تروننى مختلفاً.

احتار البرجندى الزعاق فى لحظة وتردد فبدت على وجهه النحيل بعض علامات العته والغباء، ثم انفرجت أساريره وضحك فجأة فصار كالبلهاء بسرعة قام فأغلق باب الغرفة وعاد إلى جلسته، مضطرباً، كمن يوشك على البوح بسر خطير. وبلع ريقه قبل أن يقول بصوت اجتهد قدر طاقته، أن يجعله خفيضاً: هذه يا حكيم أوامر الأمير!

عقد ابن سينا ما بين حاجبيه وزر عينيه وهو يحدق فى «الزعاق» بنظرة مستفهمة، فابتسم الرجل ثم أفاض بعدما استوثق من ابن سينا بأنه سوف يحفظ السر، ولا يخبر أحداً بأنه أخبره به.. الأمير «تاج الملك» أرسل سراً إلى الآمر «منصور المزدوج» برقعة وصلت إلى القلعة صبيحة وصول ابن سينا إليها، وكان المكتوب فيها كملتين فقط، أكرمه ولا تهنه.

- هذا عجيب! يحبسنى ثم يأمر بإكرامى.

- نعم، لأنه يريد إرضاء الجند.

بدا ابن سيناء غير مقتنع بما يسمع، فبدأ الزعاق فى الإبانة وإبداء الرأى، وقد اطمأن واكتسى ثقة من حسن إصغاء الشيخ الرئيس إليه، فقال إن أمور الحكم مضطربة فى عموم النواحى، وقد يدور قريباً قتال بين الأميرين تاج الملك وعلاء الدولة، ولابد بالتالى من ترضية الجند واستمالتهم..

على غير عادته، قاطع ابن سينا محدثه سائلاً إياه بانزعاج، وما شأنى بالجند؟ فأجابه البرجندى من دون زعيق، يا سيدى، الأمير «تاج الملك» يعلم بأنهم لا يحبونك منذ كنت وزيراً لأبيه، وهم مغتاظون جداً من كتابك الذى ألفته آنذاك وجعلته بعنوان «تدبير الجند والمماليك والعسكر» لأنه قلل من قدرهم وقلص أرزاقهم.. وأنت تذكر ما فعلوه أيامها، ولا يريد الأمير أن يتكرر مثل هذا الفعل الذى لا تؤمن عواقبه.

قبل اعتقال الشيخ الرئيس بالقلعة، بسنوات، حنق كبار العسكر والمماليك عليه وهيجوا الجند ضده، فلم يكترث. زادهم ذلك غيظاً منه، فأكثروا من الشائعات للتشنيع عليه والنيل من مكانته كوزير للأمير «شمس الدين» وهو أبوالأمير الحالى «تاج الملك»، فلم يكترث. ظنوا أنه يحيك مؤامرة للإطاحة بهم، فحاكوه وحاكوا ضده مؤامرات عديدة، لكنها باءت بالفشل.. حتى بلغ بهم الثوران غايته ومداه فى يوم، فاجتمعوا وجلبوا معهم شرار العوام واقتحموا منزله ونهبوا ما فيه، واقتادوه إلى السجن وصخبوا عند الأمير «شمس الدين» كما يصرح لهم بقتله. وكان الأمير يخشى بأسهم إذا انفلت أمرهم، ومن ناحية أخرى يقدر مكانة ابن سيناء وفضله، ففاوضهم فى الأمر حتى وصلوا إلى الحل الأوسط: نفى ابن سيناء من البلاد.

أطلقوه من حبسه ليرحل فوراً عن همذان، فلم يبدِ على ذلك أى اعتراض لكنه لم ينفذ حكم النفى. اختبأ فى منزل صديقه «ابن دخدوك» وتوارى عن الأعين لمدة أربعين يوماً، وبعدها أصيب الأمير «شمس الدين» مجدداً بأوجاع القولنج التى كان ابن سينا سابقاً قد عالجه منها بألطف المعالجات، فانطلق رجال القصر الأميرى يفتشون عن الشيخ الرئيس لعلاج الأمير. ولما أظهر نفسه اعتذر له الأمير عما جرى وأعاد إليه الوزارة وأمنه من سطوة العسكر وهمجية الجند، واسترضاه بكل السبل، فعادت الأحوال إلى سابق عهدها وعالج ابن سينا الأمير حتى برئ من علته.

■ ■ ■

أثارت كلمات «الزعاق» غبار الذكريات فى صدر ابن سينا، فضاق، وذهب بنظرته بعيداً مستعيداً مآسى ذكرياته فزع ذاك اليوم المريع الذى اقتحم فيه رعاع العسكر منزله. وزاده الحال الحالى أسى وأسفاً. استأنف الزعاق كلامه بعد لحظة ثقيلة الصمت، فقال إن الحال اليوم أسوأ مما كان عليه سابقاً، وسطوة العسكر أنكى والاحتياج إليهم أشد. وشاع مؤخراً أن ابن سينا يراسل صديقه الأمير «علاء الدولة» ويحسن له فكرة الاستيلاء على همذان وما حولها.

- لم أراسله!

- عفواً يا حكيم، لكنك راسلته. والمرسال خانك وسلم الرسالة لعسكر «تاج الملك» فاهتاجوا..

- هذه كانت رسالة واحدة بعثت بها مع تاجر ركابى استأذن «علاء الدولة» فى القدوم إليه والإقامة عنده، هرباً مما ألاقيه من اضطرار للاختباء فى همذان، اتقاءً لمكر العسكر.. وليس فيها غير ذلك.

- أعرف يا حكيم، والأمير «تاج الملك» يعرف ذلك. وقد قرأ الرسالة لكنه لا يريد الآن أن يخوض مع جنده فى الجدال، فوجد الأصوب إبعادك حتى تتضح الأمور. فإن انهزم أمام «علاء الدولة» فاوضه عليك، وإن هزمه استقوى وقل احتياجه للعسكر فأعادك.. يعنى يا سيدى، أنت فائز فى الحالتين وليس عليك إلا الصبر إلى حين.

- إلى حين غير معلوم المدة.

- لن يطول الانتظار، فالحرب تدق الباب وهى التى تنحسم بها الأمور. المهم، أن تتذكرنى بفضلك حين يستقيم معك حال الزمان. وأنا يا سيدى خادم مخلص، وسأكون لك من خير الحاشية والأعوان.

- سنرى ما سوف يكون..

- سيكون كل الخير.. وسأتركك الآن فى سلام، فقد اقترب وقت الظهيرة، وسيعود «الآمر» من الأكواخ فى أى لحظة.

- الأكواخ!

بسرعة، أخبر «الزعاق» الشيخ الرئيس بأن خلف هذه القلعة من الجهة الأخرى، بيوت تلتصق بسورها. وكانت سابقاً تسمى الأكواخ لأنها متخذة من الأخشاب، وقد كانت مهملة حتى قام الآمر «منصور» بإصلاحها، واتخذها كالمنزل وله فيها زوجتان وخدم وإماء. وهو يذهب إلى هناك مرة كل يومين، ليرى أهله ويلتقى خفية بالمخبرين والبصاصين والعسس.. لا تخبر أحداً بأننى أخبرتك بهذا.. استودعك الله.

مبتهجاً، رحل الزعاق عن الغرفة وهو يظن أنه اتخذ خطوة كبيرة فى طريق طموحاته المستقبلية، وما كان يدرى أن خطواته وطموحاته هذه سوف تقتله بعد ثلاثة أيام.. وساكناً كقلب الإعصار، جلس ابن سينا حيناً مديداً بعد خروج الزعاق، ثم استفاق من غيابه مع شوارد الخواطر وقام إلى أوراقه والمحبرة، حازماً على استكمال كتابه الجديد عن القولنج.. كتب حيث كان قد توقف، والمقولنج إذا استدامت علته يضعف استمراؤه للطعام فلا يلتذ بشىء منه، ويعاف الدسومات والحلاوات، وهذه الأعراض قد تظهر عند ابتداء القولنج ثم تمتد معه وتشتد مع اشتداده واستحكامه، وتقترن بها أعراض أخرى مختلفة..

- يا رئيس الحكماء، جاء أبوالزهير..

من خلف الباب، المغلق لاتقاء برد الهواء، جاء صوت «الآمر» مبشراً بوصول الرجل المنتظر مجيئه بالمفردات الطبية والأدوية. وفور استماعه للنداء، ترك ابن سينا أفكاره والمحبرة والأوراق، وقام متلهفاً لرؤية ما أتى به أبوالزهير.. شيخ القرى.

■ ■ ■

لحظة خروجه من باب الغرفة، لمح ابن سيناء «الآمر» ومن معه يصعدون الدرج الحجرى متآكل الحواف، الصاعد من فناء القلعة إلى غرفة الآمر. ووجد لدى بابه حارساً نحيلاً ينتظره، ولدى باب القلعة «بغلة شيخ القرى واثنين من مماليكه، ولدى السماء سحباً داكنة تنذر بنزول البَرَد.

وراء الحارس الذى كان ينتظر، سار ابن سينا وارتقى الدرج ودخل غرفة «الآمر» التى كان قد رآها ليلة وصوله إلى القلعة. قبالة الباب، كان الآمر وإلى جواره شيخ القرى، يجلسان على دكة خشبية عتيقة ودكة أخرى على مقربة منهما، يجلس الزعاق وأحد أعوان «الآمر» الآخرين وشاب صبوح الوجه حسن الهندام فى حدود الثلاثين من العمر. ألقى ابن سينا السلام، فوقفوا مرحبين به ومستقبلين إياه بما يليق بمكانته.. شيخ القرى رجل طويل ولطيف اللحية والملامح، ويلبس الطيلسان، وعيناه الواسعتان تتوقدان ذكاءً.. وهو يسلم عليه يداً بيد، قال شيخ القرى مجاملاً وهو يبتسم:

- أخيراً التقيت بك، الحمد لله ما شاء الله، أراك شاباً فى منتصف العمر، فما سبب قولهم «الشيخ الرئيس» وأنت بالكاد فى الأربعين من عمرك!

- تخطيت الأربعين بعامين، فقد ولدت سنة سبعين وثلاثمائة ضحك «الآمر» وهو يقول لشيخ القرى، مازحاً: لا تحسد الشيخ الرئيس، فأنت أولى منه بالحسد يا شيخ شباب القرى- ههه- ولن نتركك اليوم حتى تفصح لنا عن سر شبابك أنت! فرد عليه بقوله: ما عاد لدى شباب ليكون لديه أسرار.. ثم أنشد بالعربية البيت الشعرى المشهور: سئمت تكاليف الحياة ومن يعش، ثمانين حولاً لا أباً لك يسأم.. كان ابن سينا فى تلك اللحظة يصافح الشاب الذى جاء مع شيخ القرى، فاندهش مرتين: من كلام الرجل بالعربية الفصيحة، ومن نظرة الشاب إليه. فقد كانت مفعمة بمعان كثيرة، وفيها ابتهاج وقلق وتوق.

التزم معاونو «الآمر» والشاب بالصمت تأدباً، ودار الكلام المعتاد عن أحوال البلاد بين الآمر وشيخ القرى والشيخ الرئيس، فلما استطال بينهم الكلام العام أخذ ابن سينا قياد الحديث إلى وجهة أخرى بأن سأل عن الأعشاب الطبية والعقاقير. أشار شيخ القرى إلى الشاب الذى جاء معه، فأخرج من مخلاته لطيفة الحجم والشكل كراسة وأعطاها لابن سينا الذى نظر فيها مستغرباً، وتصفحها فوجدها جدولاً بأسماء مفردات طبية وعقاقير ومراهم وأطلية، أبوالزهير، شيخ القرى، إنها محتويات دكان كان يؤجره لرجل عطار، وقد كان رجلاً طيباً عطر السيرة، ولسوء حظه حاصرته عاصفة ثلجية أثناء عودته من «تبريز» فسقطت أطرافه، ووصل قريته بعد لأى ومعاناة وقد انهارت قواه، فلم يلبث إلا يومين ومات فى الثالث. وذرية هذا العطار صغار، ولا رزق لهم من دونه ولا عائل من بعده. ولو ترك الدكان مغلقاً فسوف تفسد محتوياته، ولهذا يريد «أبوالزهير» شراء ما تركه الرجل وإهداءه إلى القلعة لعلاج المرضى، كصدقة، ويكون بذلك قد أعان الأيتام وأمهم.. سأله ابن سيناء:

- وما المطلوب منى.. ومتى ستأتى هذه الأدوية؟

- لن تتأخر، غداً أو بعد غد. والمطلوب تقدير أثمانها حتى لا يظلم الأيتام.

- لا علم لى بالأسعار، لكنها إجمالاً بحسب المذكور فى هذا الكراسى، تتراوح ما بين ستمائة وثمانمائة درهم.

- سأعطيهم إذن ألف درهم، واحتسب الباقى عند الله.

«بارك الله لك وفيك».. قال الآمر ذلك لأبى الزهير، فقال الأخير لابن سينا إنه سوف يسرع بقدر الإمكان لإتمام الأمر، فقال ابن سينا وهو ينظر إلى «الآمر»: وأين ستوضع؟ فأجابه بأن عليهم الآن الذهاب إلى غرفة الطعام للغداء، وبعد ذلك سوف يخبره.. قال ذلك وهو يضحك مطمئناً للفكرة التى بدت له، وبدأ تنفيذها بعد الغداء.

وهم يتناولون الطعام الساخن الشهى، أشار «أبوالزهير» إلى الشاب الذى أتى معه، وأخبر ابن سينا بأن اسمه «مهيار» وأصله من بلدة «شجل» وقد تتلمذ على يد البيرونى «أبى الريحان» وصحبه لسنوات. وهو يحب أن يبقى بقرب الشيخ الرئيس، ليخدمه ويتعلم منه! قال ابن سينا: أنا هنا محبوس.

تدخل «الآمر» قائلاً بين الهزل والجد: القلعة ترحب بمن يريد حبسه فيها، خصوصاً إن كان من طرف شيخ القرى، ههه.. وقال ابن سينا للشاب: ما المدة التى أمضيتها مع أبى الريحان، وماذا قرأت عليه؟ فأجابه باقتضاب...



ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
تنويه: هذه القصة استطالت، وستكون رواية أرجو الانتهاء منها هذا الصيف. والأسبوع المقبل لقاؤنا سيكون تحت عنوان «الإلماح والإشارة إلى حقائق الحقارة» وهى مقالة نلقى فيها الضوء على الواقع التاريخى المخالف للأوهام المعاصرة والخرافات التى نسجت حول شخصية القائد العسكرى: الناصر صلاح الدين الأيوبى الذى يظنه العوام من أعظم العظماء.. وسوف نراه من زاوية أكثر واقعية وارتباطاً بالسيرة الفعلية، المحجوبة عن الأنظار، لهذا الرجل الشهير.
 
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...