د. إبراهيم مراكشي - بائع العصير...

لفت انتباهي بائع متجول للعصائر الطازجة، بهندامه الصقيل، ووجه المليح، وابتسامته المشرقة التي تزرع في النفوس ورود الأمل وأقحوان البهجة والنشاط، وتقتلع منه جذور الحزن والكآبة والضجر... يجر عربته وقد كتب عليها بخط اليد، وربما قد تكون يده، وبالبند العريض: "عصائر النعيم والسعير... واحد في ثلاثة، طز علي وعليك".
استوقفتني هذه العبارة، وشدتني كثيرا لما لها من غرابة وطرافة ووقاحة في آن، وتساءلت في خلدي كيف سيجذب الزبناء إليه وهو يسبهم؟ وكانت تلك هي طريقته الذكية في جذبهم لمربع عربته المتواضعة، لقد دفعني الفضول وما في جعبتي من أسئلة إلى اللحاق به، فسألته عن اسمه، فأجابني بأن اسمه بوشعيب...
- "وهل أنت دكالي؟"، سألته مرة أخرى.
- "نعم سيدي... دكالي قح أبا عن جد، كيف عرفت ذلك؟"؛
- "لأن هذا الاسم شائع جدا بين أبناء منطقة دكالة"، رددت عليه، ثم أضفت:
- "هل من عصائر؟ ما هي الأصناف التي تبيعها؟"؛
- "للأسف، نفذت مني جميعها، بيعت في ظرف قياسي، اللهم لك الحمد والشكر!".
عندئذ دعوت له بمزيد من التوفيق ومن مدد لا ينقطع من الله عليه بالبركة، وهممت بالانصراف، مواصلا طريقي نحو مقر عملي، فإذا به يقول لي:
- "لكن مازال لدي عصائر من نوع آخر، لذيذة المذاق، ومطلوبة من الزبناء أكثر من عصائر النعيم"؛
- "أين هي؟ ولماذا لا أراها معروضة على عربتك؟"، سألته وقد زاد فضولي، وتفتحت شهيتي لتذوق عصائره، خاصة وقد جف حلقي وتحول إلى بيداء لا ينبت فيها زرع ولا توجد بها ينابيع مياه ولا بِئار، فالجو حار والسماء قائظة.
- "أحتفظ بهم في المبردة أسفل العربة فقط للزبناء الذين أتوسم فيهم صفات ومواصفات خاصة"، قال لي بوشعيب.
استغربت واندهشت من ملكات هذا البائع، المُقَوَّرٌ بسلوكه، في استقطاب الزبناء وجذبهم إليه تماما كما تنجذب النحل إلى رحيق الأقحوان وشقائق النعمان، الرجل حذق وماهر في البيع، حباه الله برد فعل فطري غريزي في التسويق، فسألته:
"وهل أنا منهم؟".
نظر إلي مليا ثم قال لي:
- "أرني يديك!"، فتحسسهما براحة يمناه، ثم أردف لي قائلا:
- " نعم، أنت منهم"!.
من هم "منهم"؟ وكيف شكلهم ؟ وما هي صفاتهم؟ ولماذا أنا منهم؟ أسئلة كثيرة راودتني، كما تراود اللبوءات الأسود وهن في فترة التزواج.
أمسك بوشعيب بباب المبراد، الذي يفتح من الأعلى، فتحه على مصراعيه وقال لي عارضا علي العصائر بأشكال وألوان مختلفة:
- "تفضل سيدي... إليك هاته الباقة من العصائر مختلفة الألوان، اختر ما تبتغيه نفسك، لا ما يشتهيه قلبك. فهذا الشديد الحمرة هو عصير الحسد، وذي اللون الأسود عصير الحقد، والذي لونه أصفر عصير النفاق، وهذا عصير الزنى وعقوق الوالدين؛ لونه أزرق سماوي، وأما هذا الذي عينك لا تحيد عنه، ويبدو أنه قد أعجبك، فهو عصير الغدر وخيانة الأمانة". صمت بوشعيب لبرهة، ثم أضاف:
- "أم أنك تفضل كوكتيل يجمع من كل هاته العصائر طرف؟".
وقفت مشدوها للحظات، لا اعرف ما الذي ألَّم بي، للوهلة الأولى اعتقدت أنها مزحة من لدنه، إلى أن قدم أحد الزبناء، متأنق ببذلته السوداء الرسمية، والذي يبدو من خلال طريقة حديثه مع بوشعيب، أنه زبون وفي متعود على اقتناء عصائر السعير منه.
- "كيف حالك سيدي بوشعيب، هل عصير العين متوفر؟"؛
- "طبعا، أحتفظ بواحد لك"، رد عليه البائع، ثم سأله قائلا:
- "سيدي أحمد كيف وجدت مفعول عصير الأسبوع الفارط؟"؛
- "أوهوهو... لن أقول لك... إنه النمبر وان"، ثم أشار الزبون أحمد بإبهماه إلى علامة الجودة، قبل أن يضيف:
- "مفعوله سريع، ما إن شربته وشحت بنظري صوب نائب المدير، بنظرات كلها غل وحقد، حتى أصابته العين، وفي اليوم نفسه بدأت المشاكل تتراكم وتتساقط عليه كحطام بيت تهاوى بعد أن انقضت أعمدته ودعائمه... ليتم عزله من منصبه بعد ثلاثة أيام من ذلك، وهناك حظوظ وافرة لأحل محله"؛
- "وماذا أنت فاعل بالعصير هذه المرة بعد تناوله؟"، سأله بوشعيب.
رد عليه الزبون وابتسامة تشفي لا تفارق محياه:
"أصيب بأزمة نفسية دخل على إثرها إلى المستشفى، سأزوره اليوم، وأرغب أن أدخله غرفة الإنعاش... إن عاش، عاش مقهورا مغبونا، وإن توفى، أكون قد تخلصت من أبرز منافس لي في العمل!".
لم أعد أحتمل أكثر، لقد وضعت نفسي، عن غير قصد، في موقف سريالي يدعو للرثاء والغضب والبكاء، لم أتمالك نفسي وخاطبت الرجل بحدة، وقلت له:
"أعوذ بالله من الشيطان الرجيم... هل أنت بشر مثلنا، أم قادم من كوكب آخر؟ هل أنت مجنون؟ بالحق، أخبرني هل أنت فعلا مجنون، أم تتظاهر بالعته؟ ثم أنت يا بوشعيب، ما هذا الهراء؟".
ببرودة دم تستعر دماء أي إنسان فيه ذرة من النخوة والحمية والكبرياء، رد علي الزبون أحمد قائلا:
"بل أنت المجنون ونحن العقلاء! ليس هناك ما يعيب تصرفاتي، لو كان نائب المدير مكاني لسلك الأمر عينه"؛
ثم ختم الزبون حديثه معي بالقول: "اهتم بشؤونك الخاصة ولا دخل لك بشؤون غيرك يا صاح!".
ثم مضى لحال سبيله يدندن فرحا ومستفرحا بعصيره. بيد أنه استدرك وعاد عند بوشعيب طالبا منه أن يعد له كوكتيل عبارة عن خليط من الخمر والميسر والزنا.
- "لا بد وأنك تستعد لليلة ماجنة؟"، قال له بوشعيب.
- "نعم، إن شاء الله يوم السبت المقبل!"، رد عليه الزبون أحمد.
استلم طلبيته، ثم مضى في طريقه، وهو يطرب نفسه بأغنية "أنا في انتظارك" لأم كلثوم، والغريب أني استحسنت صوته، فغناؤه أفضل بكثير من مطربي اليوم.
بعد ما رأيت وشاهدت بأم عيني، تناسلت الأسئلة في ذهني كالفطريات، فعدت لتجاذب أطراف الحديث مع بوشعيب، لعلي أجد عنده أجوبة تشفي غليلي؛ فسألته بدايةً إن كان الأمر كله عبارة عن غبن أو نصب واحتيال، فأقسم لي بأعز وأثمن ما يملك أن العصائر يعدها بنفسه، لا تشوبها شائبة، ويحرص على نظافتها، ويبيعها بنفسه لأنه لا يثق في أحد غيره ليقوم بذلك.
"بيع هذه الأصناف من العصائر مسؤولية جسيمة، وخصوصا عصائر حياة السعير"، قال لي وبكل ثقة في النفس.
عندئذ سألته سؤالا آخر، لا أدري إن كنت به قد بلغت السؤال التاسع أم العاشر، وقلت له:
"كيف تعد عصائر السعير؟".
رفض أن يجيب عن سؤالي، قائلا لي:
"إنها من أسرار المهنة، لا يمكن لي البوح بها إلا لمن سيخلفني في مهنتي".
وبعد إلحاح مني، قبل بوشعيب، بعد تردد كبير، أن يرد على سؤالي بنصف جواب، قائلا:
"أعدها انطلاقا من خطايا الناس، أقوم بقطف خطاياهم ليلا، بعد صلاة العشاء، وأحرص على أن تكون نضرة وطرية، خطايا اليوم وليس الأمس، لم تفقد بعد نكهاتها وروائحها القوية".
استوعبت نصف ما قاله لي، والنصف الآخر بدا لي وكأني في أول حصة دراسية لتعلم اللغة اليابانية، غير أن مسامعي التقطت كلمة "يقطف"، فتساءلت في خلدي إذ قلت: "هل خطايانا عبارة عن أزهار؟ لكن حتى الأشواك التي تنمو عشوائيا في الحقول تقطف؟ ما الذي يقصده بذلك".
لم أنتظر طويلا، بعد أن بادرت بتوجيه سؤال آخر إلى بوشعيب اختزل جميع هواجسي السالفة الذكر، إذ قلت له: " وكيف هي شكل خطايانا؟"؛
أجاب البائع عن سؤالي قائلا:
"إنها عبارة عن أزهار داكنة اللون، مميزة الشكل، تعمر في الأرض سبعة أيام، لا غير، قبل أن ترفع إلى السماء، في انتظار ذلك تظل في محيط صاحبها نهاراً، وتتركه ليلا، لتعود إليه صباحا، بعد شروق الشمس... في الثلث الأخير من الليل يسهل الإمساك بها وقطفها، إذ تكون رخوة ورطبة، وبعد أن أقوم بهذه العملية، تأتي مرحلة التصنيف، إذ أقوم بتصنيفها حسب نوع الخطيئة، الزنا واللواط لوحدهما، القتل، السرقة بمفردها، إلخ... يجوز لي الجمع بين الاثنين كالجمع مثلا ببن الكذب والزور، أو بين السرقة وأكل مال اليتيم، لكن ليس بين خطيئتين مختلفتين كالسرقة وعقوق الوالدين، إن قمت بذلك أحصل على عصارة سيئة المذاق".
قبل أن ينهي كلامه قاطعته بسؤال آخر، إذ سألته قائلا:
- "وكيف تحصل على العصارة؟"؛
- "أقوم بترشيح أزهار كل صنف من الخطايا، وأحرص على عدم تنظيفها، إذ من المهم أن تظل الخطيئة بكامل رذائلها، ثم أقطرها، لأحصل في نهاية المطاف على عصارة مركزة للكذب وأخرى للسرقة وأخرى للحسد، وهكذا"، صمت للحظات يلتقط أنفاسه، ثم واصل حديثه معي قائلا:
- "ومن هاته العصارة أصنع العصير، وأضيف إليه نكهات الفواكه، ولكل نكهة لون محدد... فمثلا، عصير العين بنكهة الرمان، وعصير السرقة بنكهة الليمون، وعصير الزنا بنكهة البرتقال، وهكذا بالنسبة لبقية الأصناف الأخرى".
سألته وقد تملكني إحساس جارف بالقرف والتقزز، وبالمرار في قرحة معدتي، وقلت له:
-"ألا تخاف الله وأنت تعمل على إشاعة الفواحش بين الناس؟"؛
- "لا أرغم أحدا على اقتناء منتجاتي، لكل منا إرادته الحرة... ثم لست الوحيد في هذا المضمار، يوجد الكثيرون أمثالي... أنا على الأقل أصارح زبنائني بنوع العصير، وأي صنف هو؛ أما غيري فمعظمهم يبيعون عصائر السعير على أنها من عصائر النعيم"؛
- "يا لها من طامة كبرى!"، قلت في نفسي.
- " ولعلمك، أنا حاج لبيت الله الحرام"، قال لي بوشعيب.
لقد شعرت به وكأنه يبحث عن الغفران، لكني لست بالكرسي الرسولي الأعظم، وليس في متناولي صكوك الغفران أوزعها على من أشاء.
فقلت له: "ولكن مصدر رزقك من حرام، فكيف يستقيم حجك لبيت الله مع هذا؟".
أجابني قائلا: "ما العمل؟ أكل العيش مر، لو فكرنا جميعنا بمثل هذه الطريقة لما اشتغل منا أحد".
تغيرت سحنات البائع، وتجهم وجهه واكفهر، ومُسحت الابتسامة الوديعة من شفتيه، شعرت بأنني السبب، وقد قنط من كثرة السؤال... من حقه أن يشعر بذلك، فقد استوقفته طويلا، دون أن أقتني منه أي عصير.
"هل ستقتني أي عصير من هاته العصائر؟ أم ستمضي وقتك في إضاعة وقتي بالأسئلة العريضة والثقيلة؟"، قال لي.
لقد كنت ماض في طريقي وهو من استوقفني، والآن يتهمني أني مضيعة لوقته الثمين. عجبا! ورغم ذلك قدمت له اعتذاري، وهممت بالانصراف، بيد أن سؤالا واحدا ظل يؤرقني، ومن يعرفني يدرك أنني من النوع الملحاح، لا أتوقف حتى أنال مبتغاي، لكن من يعرف نفسي حق المعرفة غيري؟ لن يهدأ لي بال ولن يستقر لي قرار حتى أعرف الإجابة. فقلت له:
"لدي سؤال أخير".
قاطعني بوشعيب قائلا، وقد عادت الابتسامة لتمنح نضارة وإشراقة لوجهه:
- "ألن تنصرف؟ اذهب وإلا شربت على شرفك عصير العين!"؛
- "لا من فضلك، لا تقدم على ذلك... يكفيني ما أمر به من محن"، قلت له ذلك مبتسما ومضيت في طريقي.
توقفت قليلا، تحركت بداخلي شياطين الإنس والجن، استدرت فوقعت عيني على بوشعيب يمضي هو وعربته وكأنهما جسد واحد، ناديته من بعيد، حينما التفت نحوي، سألته بصوت جهور قائلا: "ما قصة طز علي وعليك؟".
نظر بوشعيب نحوي مبتسما، جوابه كان الصمت، واكتفى بأن أشار بسبابته إلى نفسه ثم إلي، وأكمل طريقه إلى أن توارى عن نظري، وبقيت أنا واقفا في مكاني لا أتزحزح ولا أترنح أفكر فيما قاله لي بوشعيب، وكيف يبيعون للناس عصائر السعير على أنها عصائر النعيم. صدمتي قوية حينما قررت استئناف المسير، فلم أقوى، قدماي متخشبتين، وكأنهما مثبتتين بالأوتاد والمسامير الغليظة التي تستعمل في صناعة مراكب الصيد التقليدي، ذهب تفكيري مباشرة إلى الزبون أحمد.
"أيعقل أن يكون قد أخطأ الوجهة وفكر في عند شربه العصير، قبل أن ينظر نحو نائب المدير المُقال؟"، قلت في خلدي، وقد شرعت في تلاوة المعوذتين.
وفي تلك حكاية أخرى...

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...