مامند محمد قادر - بريق في الانتظار

عندما كنتُ صغيراً لم أنعم بِمتعة اللعب و لم أقدر على الخروج من البيت يوماً لشراء اية حلوى من دكان محلتنا ، أو رؤية نفسي في المرآة ، أو تمييز الألوان ، أو مشاركة أقراني من الأطفال في نزهة مدرسية . ذلك لأنني كنتُ قد أصبتُ مبكّراً و منذ صغري بالعمى جراء مرض معد . تربّيتُ كصغار الكنغر في حضن والدتي التي لم تفارقني للحظة ، و لم تكفّ عن مراقبة جميع حركاتي و سكناتي . ترعرعتُ تدريجياً و قضيتُ صبايَ في ظلامي الدامس . و كنتُ قد اعتدتُ في طفولتي على البقاء وحيداً في البيت ، أتجوّل في أرجاء المنزل و أعبث بِكلّ ما تصادفه يدايَ . و قد حصل كثيراً أن اصطدمتُ بالجدران أو قطعتُ أصابعي بالسكين أو احترقت يدايَ بِانسكاب مرقٍ مغلي عليها . فكنتُ للحظات أترنّح ، أتأوّه ، أو أذرف دموعاً دونما جدوى . لذا فقد كنتُ أنا أكثر من ايّ شخص أتأمّل الضياء ، فهي كانت رغم العمى تتجسّد في أحلامي و ترتسم في أذهاني . ذات يومٍ في زنزانتي الدائمة تلمّست أناملي ثقباً صغيراً في الجدار ، شرعتُ أعبث به ، قرّبتُ اليه عيني ، و نظرتُ خلاله ، يا للدهشة ، تناهت نظراتي المبتورة على بريق شعلة تتلألأ في الظلام ، لم أعرف مصدر البريق أو كنهه ، فلربما كان بريق مصباح وهمي ، أو خيالاً قد تجسّد في الضياء ، أو كتلة شمس كانت قد سبتت في الظلام . لطالما استأنستُ و عشقتُ هذا الثقب الذي أصبح رفيقي الوحيد في الحياة . فقد كنتُ أستمدّ من البريق القابع فيه نوراً لعيني المكفوفة ، و قد كان يبعث في نفسي الدفء ، و يخمد في أضلاعي ظنون ظمئي الجامح . فطوال ساعات اليوم كنتُ غارقاً في تأمّل ذلك الضوء الدافيء ، اذ لم يكن هناك ما يبرّر وجودي على الأرض سوى اللهفة في التحديق في ذلك الضوء حتى أصبحتُ رجلاً . شاء الدهر أن أجريتُ عملية جراحية لِعينيّ ، لم يلبث سوى أياماً حتى رجعت بصيراً . حينها تلمّستُ ضياء الشمس و رأيتُ في المرآة نفسي ، و ميّزتُ الألوان عن بعضها . غير انها لم تثر في نفسي جدوىً أو سروراً أو دفءءا، كما لم تمنح عينيّ نوراً . لِذا و على عادتي القديمة ، مجدّداً .. لازمتُ الغرفة في البيت ، و كسابق عهدي كنتُ أحدّق دوماً خلال ذلك الثقب في الشعلة القابعة في الظلام التي قد تكون هي الشمس الحقيقية.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...