أ. د. عادل الأسطة - فدوى طوقان..

- فدوى طوقان: السيرة مدخلاً لقراءة الشعر

تزوّد سيرة فدوى طوقان بجزئيها "رحلة صعبة.. رحلة جبلية" (1985) و"الرحلة الأصعب" (1993) دارس شعر فدوى، وأحياناً قليلة، دارس أشعار بعض الشعراء الذين تواصلت معهم، مثل محمود درويش، بمفاتيح تضيء نصوصها وبعض قصائدهم، بل وبمسوغات وتفسيرات لغياب الموضوع الوطني عن أشعارها المبكرة، ولضآلته وقلته حتى فترة حزيران 1967، ومن ثم حضوره بقوة لاحقاً، بل وغلبته على أشعارها ذات الطابع الذاتي الوجداني غلبة لافتة لدرجة غيابها تقريباً، وعدم بروزها إلاّ في فترة متأخرة جداً، هي فترة ما بعد (اوسلو) (1993)، وهذا ما بدا في ديوانها الأخير "اللحن الأخير" (2002).
ومع أن الخوض في هذا الموضوع يتطلب حيزاً أكبر بكثير من الحيز المتاح في هذه الزاوية، إلاّ أنني سأتوقف أمام ثلاثة عناوين فرعية، يمكن أن تضيء، وما أدرج تحتها، العنوان: السيرة مدخلاً لقراءة الشعر.
ـ فدوى وأبوها والشعر الوطني:
تأتي فدوى، في سيرتها، على أبيها وعلى علاقتها به، وتعلن أنها لم تكن تحبه، وإن لم تكن أيضاً تكرهه، فهو، كونها أنثى في مجتمع ذكوري، فضل عليها الذكور، وأهملها ولم يكن يخاطبها مباشرة، وإنما من خلال أمها. هذا الأب سيختلف سلوكه معها بعد وفاة أخيها الشاعر ابراهيم. ولسوف يتوجه إليها مباشرة ويطلب منها أن تكتب الشعر الوطني، علها تحافظ على المجد والشهرة التي حققها إبراهيم للعائلة. ولكن أنَّى لها أن تكتب في الموضوع الوطني، وهي رهينة المنزل والجدران ولا يسمح لها بالمشاركة في الحياة العامة؟ إنها تعبر عن هذا بقولها:
"إن على الشاعر أن يعرف الحياة والعالم من حوله قبل أن يعالجهما في شعره، فمن أين آتي بالمادة الأولى الأساسية المناسبة؟ من أين يتوفر لي الجو الفكري والنفسي لأكتب مثل ذلك الشعر؟ هل استمده من قراءة الجريدة التي كان أبي يحضرها في ظهيرة كل يوم حين يعود إلى البيت لتناول الغداء؟ إن قراءة الصحف، على أهميتها، لم تكن كافية لانبعاث جذوة الشعر السياسي في أعماقي؛ لقد كنت معزولة عزلة تامة عن الحياة الخارجية.." ص132.
ولسوف تعود فدوى وتركز على هذا في صفحات لاحقة من سيرتها. لقد كانت في شبابها عديمة التجربة، وكانت تعاني من العزلة التي فرضت عليها، وأسهمت هي شخصياً في فرضها على نفسها، فارتباطها بالناس ظل يخضع لحالتها المزاجية، وحالتها المزاجية كانت تميل إلى العزلة والوحدة والخوف من الآخرين وعدم الاطمئنان إليهم، والكتابة في موضوعات وطنية واجتماعية تتطلب الاندماج بالآخرين والانخراط في خدمة اجتماعية. إنها تتطلب عملاً ووظيفة، وهذا ما حرمت منه، وأثر بالتالي على موضوعاتها الشعرية "وهكذا لم تكن عواطفي ومشاعري لتجد أي موضوع خارجي تمتد إليه" (ص133).
ولم تخرج فدوى من عزلتها إلاّ في بدايات 60 ق20. لقد سافرت إلى لندن لتقيم فيها عامين وأكثر قليلاً، ولتكون أيامها هناك لا تنسى، ذلك أنها كانت كعصفور في قفص، ثم فجأة وجد نفسه حراً، فعرف معنى الحرية، ومع هزيمة 1967 ستخرج من عزلتها كليا، وستلتقي بسياسيين ومقاومين وقادة كبار، من موشيه دايان إلى جمال عبد الناصر إلى ياسر عرفات. هنا ستجعلها الأحداث تستجيب تلقائياً لكتابة الشعر الوطني والخروج من دائرة الشعر الذاتي الذي كانت غارقة فيه، وكان بعض معارفها، مثل الشاعر كمال ناصر الذي التقت به في 60 ق20، حثها على ضرورة الخروج منه. وستقر فدوى بهذا، ففي الصفحات 148 ـ 152 من "رحلة صعبة.." تأتي على ملاحظات أصدقائها ومعارفها على شعرها في 50 و60 ق20، ومع ذلك فقد ظلت كتابتها للشعر أسيرة الحالات العاطفية والنفسية التي تباغت فجأة وتذهب فجأة "ولم أعرف الإحساس الدائم بالواقع والالتصاق الوجداني الملازم بالقضية الجماعية إلاّ بعد حرب حزيران" (ص152).
ـ فهمها الشعر وكيفية الوصول إلى المعنى:
في الصفحات الأخيرة من "رحلة صعبة.." تأتي فدوى على قراءتها بعض قصائد محمود درويش التي نشرت في مجلة "الآداب" اللبنانية (60 ق20)، وتصرح بأنها قصائد استعصت عليها، فلم تفهم بعض الرموز. ومع أن الشخص (ل) الذي حاورته أصر على قراءة النص بعيداً عن حياة مؤلفه وظروفه، إلاّ أن فدوى ترى غير ذلك فنحن "لا نستطيع أن نأخذ رموز محمود درويش معزولة عن مشكلاته الشخصية في واقع حياته وتجارب هذه الحياة وصراعها مع البيئة التي تحيط بالشاعر"هنا تشير فدوى إلى الشاعر (ت. س. إليوت) الذي أراد في فترة الاتكاء على النص وحده، ثم عاد وتراجع "واعترف بخطئه".
وربما لفهمها هذا عادت فدوى وكتبت في الجزء الثاني من سيرتها "الرحلة الأصعب" الكثير عن ولادة قصائدها التي كتبتها بعد العام 1967، ومناسبة تلك القصائد، مثل قصيدة "الليل والفرسان" وقصيدة "حمزة". إن الجزء الثاني يساعد قارئ هاتين القصيدتين كثيراً في فهمها فهماً أفضل.
ومثل القصيدتين السابقتين قصيدة "آهات أمام شباك التصاريح". لقد أثارت هذه القصيدة، زمن كتابتها، ضجة كبيرة، ربما لا تقل عن الضجة التي أثارتها قصيدة محمود درويش "عابرون في كلام عابر" التي كتبها في العام 1988، في الانتفاضة الأولى.
ـ التناص مع الشعر العبري:
كتبت فدوى قصيدتها السابقة بعد حرب حزيران، وتحديداً بعد سفرها إلى عمّان، عبر الجسر. وقد أتت في "الرحلة الأصعب" على زيارتها بيت (موشيه دايان) في تل أبيب، وكان أراد أن يتبع سياسة فيها قدر من التسيير لأهل الأرض المحتلة، فلجأ إلى سياسة فتح الجسور والسماح لأهل الضفة بالسفر إلى الأردن، بل انه طلب منها/ من فدوى أن تنقل رغبته إلى الرئيس المصري جمال عبد الناصر وإلى السيد ياسر عرفات، بالاجتماع معهما.
ولم يكن السفر على الجسر مريحاً، فقد رأت فيه الشاعرة ضرباً من إذلال الفلسطينيين وإهانتهم، وأصغت إلى جندي إسرائيلي يشتم العرب وينعتهم بأنهم همج وكلاب، لأنهم كانوا يتدافعون أمام شبّاك التصاريح. ما رأته وشاهدته ـ ولنلاحظ أن خروجها من عزلتها المنزلية تركت أثراً على موضوعاتها ـ ما رأته وشاهدته ترك أثراً فيها، ما دفعها وهي في عمّان إلى كتابة قصيدتها ونشرها، وفيها تتذكر فدوى هند بنت عتبة التي أكلت كبد حمزة عمّ الرسول حين قتله وحشي، وتتمنّى فدوى لو أنها تفعل الشيء نفسه بالجندي.
ما ورد في القصيدة حول رغبة الشاعرة بأكل كبد الجندي أثار ضجّة في الصحافة العبرية التي كتبت تحت عنوان "شاعرة في القرن العشرين من أكلة لحوم البشر" (ص73) وحين رتب الحاكم العسكري في نابلس لقاء بين فدوى ورئيسة تحرير جريدة (دافار) العبرية السيدة (زيمير) بادرتها الأخيرة بالسؤال التالي: "كيف شهيتك اليوم لأكباد جنودنا الإسرائيليين؟" ص75 ولسوف توضح فدوى لـ (زيمير) الصورة، وتعلمها من أين أتت بها.
كانت فدوى قرأت قصيدة لشاعر عبري هو (مناحيم بياليك) عنوانها: "أناشيد باركوخبا)، وفيها يخاطب (باركوخبا) اليهودي في سنة 66م القائد الروماني الذي كان يحاصر اليهود في قلعة مسعدة (مسادة):
"لقد جعلتمونا حيوانات مفترسة/ وبقساوة وغضب/ سوف نشرب دماءكم" (ص67). إن المعنى الذي ورد في نص قصيدة فدوى، وإن استحضر مقولة هند، إلاّ أنه استحضر أيضاً سطر (مناحيم بياليك).. وستتفهم (زيمير) فدوى، وستكتب مقالة في (دافار) توضح الأمر للقرّاء اليهود.
ولا أعرف إن كان هناك دارس درس قصيدة فدوى وكتب عن تناصها مع الشعر العبري. إن سيرة فدوى هي التي تمدنا بهذا، وهي التي تضيء القصيدة أكثر وأكثر.

عادل الأسطة
2015-10-04

***

- فدوى طوقان: السيرة الذاتية مدخلاً لقراءة الشعر: (2)

فدوى وشعر إبراهيم:
كان إبراهيم لأخته فدوى أكثر من أخ. كان لها أخاً ومعلماً وأباً، حين افتقدت عطف بعض الإخوة، ومعلمات المدرسة حين منعها أخوها يوسف من الذهاب إليها، وحين افتقدت حُنُوَّ الأب وعطفه.
وإبراهيم هو الأب الشعري لفدوى، وعلى الرغم من مشاعرها المحايدة نحو الأب البيولوجي، فلا هي، كما لاحظنا، تحبه ولا هي تكرهه، فإنها لم تعانِ من عقدة قتل الأب، لا الأب الحقيقي، ولا الأب الشعري. فهي في أعماقها، وأمام تدخل أعمامها في شؤون أسرتها الخاصة القريبة، كانت تتمنى، بل وتطلب، أن يطيل الله في عمر أبيها، وأدركت معنى وجود الأب وضرورة وجوده، بعد موته وازدياد تدخل الأقارب في شؤونها. وهي في أعماقها، وفي ظاهرها، تكنّ لإبراهيم، الأب الروحي/ الشعري، حبّاً واحتراماً وتقديراً، ولهذا لم تتجاهله في سيرتها، ولم تقلّل من مكانته الشعرية، وظلت تقرّ بأهميته الشعرية وبشاعريته وفاعليتها وتأثيرها في الحياة والمجتمع، وأتت على التأثير الكبير لبعض قصائده، في الأحداث الوطنية، على أبناء شعبها، مثل قصيدة «الثلاثاء الحمراء» التي كتبها في رثاء الأبطال الثلاثة الذين أعدمهم الإنجليز، وهم: جمجوم والزير وحجازي.

سيرة فدوى وشعر إبراهيم ورأي إبراهيم في الشعر:
تأتي فدوى على القصائد الأولى التي أعطاها إبراهيم إياها لتحفظها، وكانت هذه القصائد قصائد رثاء قالتها الشاعرة العربية الأنثى، وهي هنا الخنساء، في رثاء أخيها وأبنائها، وسيكون لهذه القصائد أثرها في شعر فدوى، فقد فقدت هي الأخرى إخوتها وأباها، ودفعها الفقدان إلى كتابة قصائد رثاء فيهم، وشكل موضوع الرثاء أحد موضوعاتها اللافتة.
عدا قصائد الرثاء التي اختارها إبراهيم لها، فقد أخذ يحثها على قراءة الشعر الكلاسيكي، لما يتسمّ به من جزالة، فقد كان معجباً بالشعر العربي القديم، وبشعراء مدرسة الإحياء، ولم يرق له شعر شعراء مدرسة (أبولو)، وشعر شعراء المهجر، ورآه شعراً «لا يرقى إلى مستوى التعبير الشعري الجزل والمميز للتراث الشعري القديم» (ص88)، ولهذا كان يلفت نظر فدوى دائماً إلى أن «متانة تركيب الجملة الشعرية والتمكن من ناصية اللغة لن يتوفرا للشاعر دون العودة إلى الينابيع الأصيلة للشعر العربي، يعني التراث» (ص88).

تأثر فدوى بما سبق:
تقرّ فدوى بأنها في بداية كتابتها الشعر وقعت تحت تأثير آراء إبراهيم، وتذهب إلى أن اهتمامها بالتركيب القديم للعبارة الشعرية تضخم إلى حد كانت أفكارها ومشاعرها «تنصرف معه عن التجربة الحقيقية إلى الاهتمام بتركيب العبارات وانتقاء الكلمات ذات الطنين والدويّ.» (ص79)، وقد غلب هذا على شعرها ما بين 1923 و1940، وحين عقب عمر فروخ صاحب مجلة «الأمالي» على بعض أبياتها مادحاً أصيبت بالزهو والغرور. وإذ مدح أخوها إبراهيم وأبو سلمى ما ورد في «الأمالي» تحت اسم دنانير، دون أن يعرفا أن دنانير هي فدوى أصابها الزهو أكثر وأكثر، وفي فترة لاحقة فاتحت أخاها بأنها هي دنانير.
وربما من يقرأ مجمل أشعار فدوى، ربما يلحظ بوضوح أن أسلوبها وعبارتها تختلف عما أشارت إليه، وهذا صحيح، فهي تكتب عن أشعارها المبكرة جداً التي لم تجمعها في ديوان.
على الرغم من مديح عمر فروخ لأسلوبها إلاّ أنها هي شخصياً لم تكن تشعر أنها تكتب شعراً ينتمي إلى القرن العشرين. إنه شعر يخلو من رائحة القرن العشرين، وتعقب هي على ذلك: «في الحقيقة إن حكاية الديباجة الكلاسيكية هذه، والاهتمام الكلي بالكلمة ورنينها، وبأسلوب التعبير المصنوع، كل هذه كنت أحسبها سداً يقف دون الحركة والتدفق والانطلاق بعفوية وصدق خلال عملية النظم» (ص90).

لغة الشعر ولغة الواقع:
لم تأتِ فدوى بالتفصيل على ما ألمّ بتجربة إبراهيم حين كتب الشعر الوطني، والتحول الذي طرأ على لغته الشعرية، فدارسو شعره، مثل د. إحسان عباس، لاحظوا أن شعره خضع لتفاوت متباعد الطرفين: في الموضوع والمبنى والعبارة. هذا يعني أن شعره ذا الموضوعات التراثية اختلفت لغته عن لغة أشعاره ذات الموضوعات الوطنية والسياسية.
وحين درس إبراهيم في الجامعة الأميركية في بيروت، والرأي لدارسي شعره، خضع لمقولة نقدية مهمة تقول: إن أفضل الشعر ما كان في لغته قريباً من اللغة الدارجة. وهذا رأي قديم قاله الشاعر العباسي أبو العتاهية، وفي العام 1800 تبنّاه الشاعر الإنجليزي (وردزورت)، وأتى عليه في مقدمة ديوانه «قصائد غنائية»، وإن تراجع عنه. فقد قال ابتداءً: بما أن الشاعر إنسان يتحدث إلى أناس، فيجب أن تكون لغته قريبة من لغتهم، ونسي أن سر تميز الشاعر هو لغته، وبها يختلف عن الآخرين، ولهذا عاد وتراجع عنه.
هل كان إبراهيم سيؤثر على الجماهير الفلسطينية لو خاطبها بلغة امرئ القيس، هي الجماهير التي كانت تعاني من الأمية؟ وهل كان سيكون ذا دور في التحرر الاجتماعي والوطني، من خلال شعره، لو كانت لغته لغة العصور القديمة التي تختلف عن لغة القرن العشرين الذي عاش في نصفه الأول؟ والسؤالان نفسهما ينطبقان على فدوى نفسها.
من الأشعار المبكرة التي كتبتها فدوى وتنتمي لغةً إلى العصور القديمة التالي: «ولي عندكم قلب غريب مطرّح/ لدى بابكم يمسي ويصبح في الكرب/ طليح إذا استنهضته... إلخ... إلخ»، فهل سيفهم القراء، زمن كتابة هذه الأشعار، هذه الأبيات؟
وإذا كان إبراهيم نفسه تغيرت لغته، وغدا يستخدم تعابير قريبة من الدارجة: «كل أفضالكم على الرأس والعين»، فلا عجب أن «تتغير لغة فدوى، ولكن تغيرها لم يأت من تأثر الشاعرة بأخيها وما ألمّ بلغته من تغير، وإنما جاء من تأثير النقد الذي أخذت تقرره. وهنا نذكر الناقد المصري المعروف محمد مندور لقد هداها نقد هذا الناقد إلى أصالتها بأن لفت انتباهها إلى شعر المهجر الذي لم يكن يروق لإبراهيم.
شرع مندور في بداية 1940 وفي مجلة «الثقافة المصرية» بالذات بنشر سلسلة من المقالات النقدية حول «الأدب المهموس»، تناول فيها أدب المهجر بشقيه: الشعر والنثر، ووجدت فدوى أن شعر أولئك الشعراء المهجريين أقرب إلى تكوينها النفسي وتركيبها الذهني. (ص91)، كما صادف تلك الفترة اكتشافها لشعراء «مدرسة أبولو». «من هنا بدأت أدير ظهري للديباجة العباسية وأصبح مطمحي الأكبر هو كتابة شعر يستمد جماله من البساطة والليونة والصدق والصياغة الشعرية الخالية من التكلف» (ص51).
هل عدّ تحررها من اللغة القديمة مدخلاً لتحررها الاجتماعي أيضاً؟

عادل الأسطة
2015-10-11

***

- فدوى طوقان : السيرة مدخلا لقراءة الشعر : 3

تسهب فدوى طوقان ، في الجزء اﻷول من سيرتها ، في الحديث عن العزلة التي دفعت إليها دفعا ، ثم اختارتها هي وآثرتها بمحض إرادتها ، حتى غدت ملاصقة لها ومكونا من مكونات شخصيتها .
وقد كان لوحدتها وعزلتها وخوفها من الآخرين وعدم الثقة بهم ، وإهمال أبيها وبعض إخوتها ، بل وأحيانا أمها ، إهمالهم لها ، كان لهذا كله الحضور اﻷبرز في أشعارها . وقد امتدت هذه الحالة التي ألمت بها لعقدين ويزيد ، وتحديدا حتى العام الذي سافرت فيه إلى بريطانيا ، وقد كان هذا الحدث بمثابة خروج من السجن الذي سجنها الآخرون فيه : المنزل . وفي المنزل كانت تخضع لأوامر العائلة وقراراتها ، فلا خروج إلا بمقدار ، ولا سفر إلا بموافقة ، ولما أقامت في لندن شعرت بقدر من الحرية لم تتذوقه ولم تعرفه ولم تألفه ، وهناك عرفت معنى الحرية .
وإذا كان عنوان الكتاب ، بخاصة العنوان الكلاسيكي ، يكثف المحتوى ويدل دلالة واضحة على ما بين دفتي الكتاب ، فإن عناوين دواوين فدوى تخبرنا بشكل صريح ، وبعبارات فيها قدر من الوضوح - والوضوح سمة من سمات العنوان الكلاسيكي - عن طبيعة حياتها .
" وحدي مع اﻷيام " 1952 ، و "وجدتها " 1956 و " أعطنا حبا " 1960 و " أمام الباب المغلق " 1968 . الوحدة ، وهي فكرة محورية من أفكار السيرة ، وجزء معبر من حياة فدوى في السيرة ، في الجزء اﻷول . والفقدان،فقدان اﻷخ واﻷب والصديقة في المدرسة والمعلمة ، وتأتي فدوى على هذا بالتفصيل . والحب المفقود الذي طالما بحثت عنه : حب اﻷب وحب اﻷم وحب الحبيب الذي لم تبدأ العلاقة به أولا ، حتى إذا ما أحبت ثانية ، هي التي تقول إن المرء قادر على أن يجدد الحب ، حاصرها اﻷهل وحاصروا مراسلاتها ، خوفا على سمعة العائلة ، وهو ما عبرت عنه بوضوح حين أتت على مراسلاتها مع أديب مصري . وجدران البيت التي كانت تغلق عليها ، ولم تكن تفتح لها إلا حين يقرر السجان المتعدد : اﻷب واﻷخ المتشدد وعمتها الشيخة المتصوفة المتدينة التي كانت تنقل كل شيء إلى رجال العائلة .
لم تخض فدوى في مجموعاتها اﻷربعة اﻷولى المشار إليها في موضوعات سياسية أو وطنية . ولم تكتب أشعارا تعبر فيها عن هموم الجماعة ومعاناتها ، وقد ظلت أسيرة حياتها الخاصة وأسيرة الدائرة القريبة منها ، كأن تكتب عن الوحدة والعزلة ، أو كأن ترثي أخاها هذا أو ذاك ، ونادرا ما كتبت قصائد تصور معاناة شعبها جراء نكبة 1948 . إن قصيدة " مع لاجئة في العيد " تكاد تكون استثناء ، وربما قرأ المرء لها قصيدة ثانية أو ثالثة لامست فيها معاناة الغير . وقد لاحظ محبو شعرها ومتابعوها ومن كانت لها صلة به ، لاحظوا هذا ، وقد ناقشوها باﻷمر ، وطلبوا منها أن تكتب في موضوعات بعيدة عن همومها الفردية ، موضوعات تلامس الهم الجماهيري والقضايا الوطنية التي خاض فيها اكثر شعراء 50 و 60 ق 20 . وأدركت فدوى هذا ، ولكنها لم تنجح في الخوض في مجالات جديدة حتى وقعت هزيمة حزيران 1967
كان أبوها أول من طلب منها أن تكتب الشعر الوطني ، وذلك بعد موت ابراهيم ، ولكن أنى لها هذا وهي أسيرة المنزل : " إن على الشاعر أن يعرف الحياة من حوله قبل أن يعالجها في شعره ، ومن أين آتي بالمادة اﻷولية اﻷساسية المناسبة ؟ من أين يتوفر لي الجو الفكري والنفسي ﻷكتب مثل هذا الشعر ؟ " ص32 " . وستثير فدوى السؤال التالي :
" إذا لم أكن متحررة اجتماعيا فكيف أستطيع أن أكافح بقلمي من أجل التحرر السياسي أو العقائدي أو الوطني ؟ " ( ص134 ) ، وحتى 1967 ظل يعوزها الاختمار السياسي والبعد العقائدي ولم يتبق لها سوى البعد اﻷدبي الذي كان ، حتى 1967 ، بعدا ناقصا .
أخفقت فدوى في كتابة الشعر السياسي ،حين طلب أبوها منها هذا ، ﻷنها لم تعش تجربة سياسية أصلا.وبعد أبيها بسنوات سيكرر أصدقاؤها ، د . جميل البديري والشاعر كمال ناصر الطلب نفسه : أن تخرج من دائرة الذات وأن تعبر عن هموم الجماعة ، وستخفق ثانية وتتساءل : " لماذا يساق الشعراء جميعا بهذه العصا ، عصا السياسة فقط " ( 151 ) .
بعد خزيران 1967 ستغدو فدوى شاعرة مقاومة . غدت الشاعرة في الخمسين من العمر ، ونالت قدرا أكبر بكثير جدا مما كانت تناله من حرية من قبل ، ثم إن هزيمة حزيران ،مثل نكبة 1948 ، ضعضعت مكأنة الرجل العربي وقللت من هيبته وسطوته ، فقد هزم ثانية منجيش نصفه من النساء ، وﻷنها ثالثا التقت بشعراء الارض المحتلة:محمود درويش وسميح القاسم ، وانفتحت على تجربتهم وفكرهم الماركسي الذي كان أخوها رحمي يؤمن به ، دون ان يحاول التاثير عليها من خلاله.. لقد اكتشفت فدوى،كما اكتشف شعراء عرب اخرون مثل نزار قباني ، أن ما كانت تكتبه في واد. ، وإن ما يكتبه هؤلاء الشعراء الشباب في واد آخر ، وهكذا ترك هؤلاء الشعراء تاثيرا كبيرا عليها وعلى أشعارها .
قصيدة " لن ابكي " :
على ابواب يافا
تاتي فدوى في الجزء الثاني من سيرتها "الرحلة الاصعب " ( 1993 ) على زيارتها فلسطين المحتلة في العام 1948 ، ومدينة يافا فيها ، وما تركته تلك الزيارة من اثر عليها،كما تاتي على لقائها بشعراء الأرض المحتلة وقصاصيها ، وقد نجم عن تلك الزيارة وذلك اللقاء حوار شعري .
كتبت الشاعرة قصيدة وأهدتها إلى محمود وسميح ورفاقهما ، ورد عليها محمود بقصيدته الشهيرة " يوميات جرح فلسطيني " ، وتضيء السيرة الذاتية مناسبة كتابة قصيدتها ، كما تأتي على بعض مقاطع من قصيدة درويش وتشير إلى تناص قصيدته مع بعض قصائدها السابقة . وبعض هذا لم يخطر ببالي قبل أن أقرأ السيرة .
إن السيرة هنا تمكننا من تقديم فهم افضل لقصيدتها ، بل وتجعلنا نخوض في عامل التأثر والتأثير بين شعراء الأرض المحتلة .
زارت الشاعرة القدس الغربية ويافا وتأثرت مما رأت لدرجة أنها أخذت تبكي ، وفي أيلول 1967 ستنشر قصيدتها في الاتحاد الحيفاوية . " كان القسم الأول من قصيدتي " لن أبكي " هو الحصاد والمردود لوقفتي المتألمة في الارض الحرام بين شطري القدس ، الشرقي والغربي،ولوقفتي في يافا بركام البيوت العربية وانقاضها قبل زيارتي لحيفا ببضعة أيام " ( ص20 ) وفي حيفا التقت بالشعراء .
ولما زارت فدوى درويش في بيته ، وكان سميح ورفاقه موجودين ، قرأ درويش بعض مقاطع من رباعيته " يوميات جرح فلسطيني " ومنها الرباعية الثانية التي يرد فيها :
" لم نكن قبل حزيران كافراخ الحمام
ولذا لم يتفتت حبنا بين السلاسل
نحن يا أختاه من عشرين عام
نحن لا نكتب اشعارا ولكنا نقاتل " ( ص20 ).
وترى فدوى أن درويش في قصيدته هذه ، وفي المقطع السابق منها ، تأثر بقولها في نهاية قصيدة لها نشرتها في جريدة الاتحاد ، تخاطب فيها صديقا ، وتورد مقطعا من قصيدتها يرد فيه المشبه به " كفرخي حمام " . من كان يخطر بباله هذا لولا السيرة؟


يتبع في اﻷيام الفلسطينية .
اﻷحد صباحا 11/10/2015(جزء من الحلفة الثالثة. نشرت اﻷولى في4/10 والثانية في 11/10).


***

- فدوى طوقان وسحر خليفة: " التحرر الاجتماعي مدخلا للتحرر الوطني" (4)


( الحلقة الرابعة اﻷخيرة من الجزء الثاني من الدراسة ، وأما الجزء اﻷول فكان خاصا بفدوى طوقان وحدها ولم ينشر )


في مقدمتها لموسوعة اﻷدب الفلسطيني أتت د. سلمى الخضراء الجيوسي على تجربة الشاعر توفيق صايغ واختلافها عن تجارب بقية شعراء عصره،فصايغ كتب قصيدة النثر التي لم تكن مألوفة أو مستساغة ،ولم تتقبل في حينه ، وهو خالف شعراء عصره أيضا في أنه لم يكتب في الموضوع الوطني ،وأنه رأى نفسه ضحية عصره لا بطله ، وابتعد عن النزعة الخطابية أيضا. ولم تلتفت د.سلمى إلى تجربة فدوى طوقان بالقدر نفسه ، لترى أيضا فيها تميزا واختلافا عن شعراء تلك الحقبة :أبو سلمي و خليل زقطان وهارون هاشم رشيد والعدناني والعبوشي وعبد الرحيم عمر أيضا.
لقد أصدرت فدوى أربع مجموعات شعرية تمحورت حول ذاتها ووحدتها وغربتها وحبها و رثاء أقاربها،وبالكاد لامست الموضوع الوطني .و غالبا ما أقرن اسم فدوى باسم توفيق صايغ حين أدرس شعر النكبة.
كانت تجربة فدوى قاسية جدا،ما ترك أثرا على موضوعات شعرها و أسلوبها في الكتابة، حتى إن قول (بوفون) : "اﻷسلوب هو الرجل نفسه " ينطبق عليها ،ولي أن أحور : "اﻷسلوب هو الكاتب /ة نفسه /ا "،ففدوى في سيرتها "رحلة صعبة ....رحلة جبلية " تأتي على خجلها وهدوئها وانسحابها و عدم عدوانيتها ، ومسالمتها ، وإنها تكره الضجيج وتحب الهدوء والموسيقى : "السطح يثرثر ، والعمق هاديء " .وحين كتبت عبرت عما تعيش وتشاهد ، وعلمتها تجربتها أشياء كثيرة ،و ﻷنها قمعت و حشرت في الحرم /الحريم ، فإنها أخذت تنشد الحرية ،و لطالما تغنت بتحرر المرأة ونزعها الحجاب.(ظلت فدوى في لباسها عصرية ومودرن بكل ما تحمله الكلمة من معنى :أزياء أوروبية ولا حجاب )
ومع أنها تأتي في سيرتها على ملاحطات معارفها وأصدقائها لها بضرورة التخلص من كتابة الشعر الذاتي ،وكتابة الشعر الذي يعبر عن تجربة جماعية ،وأن تكتب قصائد تقوم على التواصل بينها وبين الجمهور ،إلا أنها لم تتمكن من هذا حتى حزيران 1967.
ما أنجزته فدوى ما بين 1948 و1967 لم يحارب إلا من نقاد ماركسيين حيث رأوا أن الشاعرة منكفئة على ذاتها.والطريف أنه في الفترة نفسها ،في فلسطين 1948، تحت الحكم الإسرائيلي ، صدرت رواية "المشوهون "للكاتب توفيق فياض ،وهي رواية تعالج جانبا اجتماعيا ، وتجري أحداثها في مدينة الناصرة ، وقد شن على الرواية هجوم عنيف ، ولم يرحب بها كثيرا ، بسبب موضوعها الذي بدا مغايرا للنغمة التي سادت في اﻷدب الفلسطيني المقاوم في فلسطين ، خيث كان أكثره موجها لمقاومة المحتل الإسرائيلي وسياسة دولته ، .وقصائد الحب والغزل ،والقصائد التي عالجت م
وضوعات اجتماعية كانت في أدبيات تلك الفترة قليلة.وربما لا يذكر أحد ،الآن ، رواية عطاالله منصور "وبقيت سميرة " (1963) وفيها يأتي على مشاكل المجتمع العربي وهمومه ،ويقارن ما بينها وبين المجتمع الإسرائيلي ، حيث يجري حوار بين هداسا اليهودية وسميرة الفلسطينية ، تقر فيه اﻷخيرة ، بسبب تجربتها مع رياض ، بتخلف المجتمع العربي ،وتنشد التحرر الاجتماعي لتحيا كما تحيا هداسا.
ما عالجه عطا الله منصور في روايته كان مرحبا به من بعض المثقفين الصهيونيين ومن بعض الجهات الحاكمة ، فهذه حثت الكتاب واﻷدباء العرب على الخوض في موضوعات المجتمع العربي وما يعانيه من مشاكل اجتماعية وتخلف اجتماعي.ولم يرحب اﻷدباء العرب بهذا الاقتراح /الطلب ،ورأوا أن مشاكل الفلسطينيين الحقيقية ناجمة عن تشريد الشعب الفلسطيني ،وتحول ما بقي منه من سكان إلى أقلية فرض عليها الحكم العسكري ،ومن قيام الدولة العبرية ،وظل أكثر أكثر اﻷدب المكتوب في فلسطين ،سواء في القصة القصيرة أو الشعر أو الرواية ،منصبا على الموضوع الوطني.وقد عالج غسان كنفاني في كتابه "اﻷدب الفلسطيني المقاوم تحت الاحتلال 1948-1968 "هذه القضية ، وتوقف أمام ما طرحته مجلة "هذا الهالم " في إحدى ندواتها عن "تأخر المجتمع العربي في إسرائيل " (اﻷعمال الكاملة .ص 238 وما بعدها ).
ليس غريبا أن تقرأ لمحمود درويش في ديوانه "حالة حصار "2002 اﻷسطر التالية:
كتبت عن الحب عشرين سطرا
فخيل لي
أن هذا الحصار
تراجع عشرين مترا
إنها أسطر معبرة لطالما توقفت أمامها شخصيا وأنا أعالج موضوعات الشعر الفلسطيني أو أثر الانتفاضة على الحركة اﻷدبية.
ما بين 1994-2000 خرجت دواوين محمود درويش الصادرة ، وتحديدا "سرير الغريبة " 1999 و "جدارية "2000 ،خرجت عن الموضوع الوطني الذي غلب على أشعار الشاعر منذ 1964 -أي منذ ديوانه الثاني "أوراق الزيتون " .ولقد ظل الشاعر ، ومثله القاسم وزياد و جبران ، وحبيبي في النثر ،ظلوا منشغلين بالهم الوطني ،ولم يلتفتوا إلى الجانب الاجتماعي كثيرا ، وربما يعود السبب إلى أنهم كانوا ذكورا في مجتمع ذكوري ، وإلى أنهم لم يعانوا اجتماعيا كما عانوا وطنيا.
تختلف فدوى طوقان وسحر خليفة عن هؤلاء اﻷدباء في أنهما قمعتا اجتماعيا.منعت فدوى من الذهاب إلى المدرسة وهي في الحادية عشرة من عمرها،ولم توفق سحر خليفة في زواجها في مجتمع ينظر إلى المرأة المطلقة نظرة سلبية.ويبدو أن هذا القمع الاجتماعي جعلهما تسيران في مسار مختلف نوعا ما.لم تغد فدوى شاعرة وطنية إلا بعد هزيمة 1967 ،ونشرت سحر نصوصها بعد العام 1974 ،حين كانت تعاني من المجتمع ومن الاحتلال أيضا.وﻷنهما عانتا من المجتمع النابلسي الكثير الكثير ، فقد وجدتا في الشعر والرواية والسيرة متنفسا لهما في التعبير عن معاناتهما ومعاناة المرأة .وهذا ما عبرت عنه الست زكية في "باب الساحة " : "صارت ترشق الحجارة وتخلص الولاد وتخبيء الشباب وتتظاهر ؟ مفهوم ، بس همها زاد كثير. همومها القديمة بقيت على حالها وهمومها الجديدة ما بتنعد " (ص20).
وعموما فإن نصوص فدوى وسحر نصوص تدعو إلى التحرر الاجتماعي ،فلا يوجد تحرر وطني إذا لم يتحرر نصف المجتمع.ماتت فدوى في نابلس ، ورحلت سحر إلى عمان ،وما زال الوطن محتلا ولم تنجز سحر أي تحرر.هل يئست ؟
تقرؤون بقية المقال في اﻷيام الفلسطينية /اﻷحد 22/11/2015.
وهو قفلة الكتابة عن الموضوع(التحرر الاجتماعي مدخلا للتحرر الوطني-فدوى طوقان وسحر خليفة مثالا)وقد كتبت الدراسة لإلقاء محاضرة في جامعة ليل بفرنسا ،وكان يجب أن أسافر ﻷلقيها،ولكن مواعيد السفر والطائرات والمدة الزمنية ،كل هذه جعلتني ألغي السفر.

15/11/2015

***

- إحياء الذكرى ١٩ لرحيل الشاعرة فدوى طوقان

أحيا اليوم متحف محمود درويش وجامعة النجاح الوطنية وبلدية نابلس ، في مدرج ظافر المصري ، الذكرى ١٩ لرحيل الشاعرة فدوى طوقان التي توفيت في العام ٢٠٠٣ .
ألقى مدير متحف درويش السيد فتحي البس كلمة المتحف والسيد سامي حجاوي رئيس بلدية نابلس كلمة البلدية والدكتور عبد الخالق عيسى كلمة الجامعة ، ثم تحدثت وتحدث الدكتور المتوكل طه .
عندما أتحدث عن الشاعرة عادة ما أخاطب الحضور من أهلها أن فدوى تنتمي الآن لعائلة المبدعين من الشعراء وعلى الحضور ألا ينظر إلى ما سيقال بحساسية .
وغالبا ما أخاطب أهلي بألا يتدخلوا فيما يخصني ، فانتمائي الآن ما عاد عائليا ، وكما أكتب عن الآخرين وأدبهم وحياتهم فمن حق الآخرين أن يكتبوا .
أربعة من أدبائنا يسببون لي حين أكتب عنهم " وجع راس " ، بخاصة إن ربطت بين نتاجهم وسيرتهم ؛ إميل حبيبي وسميح القاسم ومحمود درويش وفدوى طوقان .
عندما أتحدث عن هؤلاء حديثا لا يروق لبعض أفراد من عائلاتهم أتشمم من ردود الأفعال قليلا من التنمر . هل أبالغ إذا قلت إن الأربعة أقرب إلي مما هم أقرب إلى عائلاتهم ؟
وثمة ثلاثة محرمات حساسة : الدين والجنس والسياسة / التطبيع .
هل ألحد الكاتب في فترة من حياته ؟
هل أقام علاقات جنسية خارج إطار المؤسسة الرسمية؟
هل عد كاتبا مطبعا وتواصل وتراسل مع جهات إسرائيلية أو مع نظام عربي مشبوه ؟
على العموم احتفل اليوم بذكرى فدوى ، وكان الاحتفال ناجحا ، بخاصة أن الحضور كثير عديده وأنه أسهم في النقاش .
عندما كنت أدرس نظرية التلقي اﻷلمانية كنت أتوقف أمام مقولات ( هانز روبرت ياوس ) ومنها " كسر أفق التوقع " .
لكي يكون الكاتب مبدعا ولكي يأتي بجديد عليه أن يخالف السائد والمألوف ، وهذا سيسبب له في بيئته الاجتماعية المشاكل .
كيف ستقرأ قصيدة لفدوى عنوانها " الإله الذي مات " ؟ وكيف سنقرأ المقطع الآتي من " أمام الباب المغلق " :
" يا رب البيت
أنا بعد ضياعي في الفلوات بعيدا -
عنك أعود إليك
لكن رحابك كاسية بتراب الموت
إن كنت هنا فافتح لي بابك
لا تحجب وجهك عني
وانظر يتمي وضياعي بين -
خرائب عالمي المنهار
وعلى كتفي أحزان الأرض
وأهوال القدر الجبار "؟
عموما كان إحياء الذكرى ناجحا ، وحسنا لو أطلقت جامعة النجاح الوطنية اسم الشاعرة على مبنى كلية الآداب ؟
مساء الخير
خربشات
١٢ / ١٢ / ٢٠٢٢ .

*******

- فدوى طوقان في سيرتها الذاتية "رحلة صعبة..رحلة جبلية"

"للنابلسيين قوانيننهم الاجتماعية الخاصة ، ولكي ترضى عنك الناس يجب عليك المحافظة على تلك القوانين ، وكان أهمها ألا تتخذ بين الجماعة الموقف الذي يظهرك أكثر معرفة وإلا فأنت المغرور المدعي البغيض إلى النفوس . إن الانتقاد التهكمي اللاذع صفة عامة للنابلسيين ، لذلك لم أسمح لنفسي أن تفرض نفسها على الآخرين بالحديث عن موضوعات بعيدة عن اهتمامهم ، وفقدت الرغبة في الجدال والأخذ والرد ، وفي أكثر الحالات كان تواصلي مع الناس مجاملة دون أن اقترب منهم اقترابا قلبيا " .
ما كتبته الشاعرة لم يعد كما كان . ربما خفت السخرية والتهكم ، وحل محلهما الفضول الذي لا يقتصر على النابلسيين الأقحاح ، فهو سمة عامة لأكثر سكان المدينة الحالية ؛ سكانها الأقحاح والوافدين إليها من ريفيين ولاجئين أيضا .
شخصيا منذ ثلاثين عاما وعام أعاني من فضول الآخرين ومنهم أقرب الناس إلي من إخوتي وأقاربي وزملائي في العمل ومعارفي في الفصائل والتنظيمات إلى الباعة وسواقي السيارات فالوزراء ووكلائهم ورئيسهم ، وهذا ما دفعني إلى كتابة سلسلة " خفة الكائنات غير المحتملة " .
صباح الخير
خربشات
١٣ / ١٢ / ٢٠٢٢

***********

- زمار البلد

في سيرتها "رحلة جبلية.. رحلة صعبة" تأتي فدوى طوقان على موقف معلمات مدينتها نابلس، في ثلاثينيات ق 20، من أشعارها التي كانت تكتبها وتنشرها. لم تكن المعلمات يصدقن أن فدوى التي لم تنه الصف الخامس الابتدائي، تكتب الأشعار التي تنشرها. كن يقلن: أخوها إبراهيم يكتب لها الشعر، وهي تنشره باسمها. ولم يصدقن أن ما تكتبه فدوى وتنشره كان صادرا عنها، لم يصدقن هذا إلا بعد موت إبراهيم واستمرارها في الكتابة والنشر. وربما لم تلتفت معلمات المدينة إلى فدوى التفاتا لافتا إلا بعد الاحتلال، ما سبب لها، ابتداءً، ألما كبيراً. هل أفشي سرا حين أقول أن دواوين فدوى الصادرة عن دار الآداب قبل العام 1967 ظلت معروضة في مكتبات نابلس حتى العام 1977؟ أنا اشتريت: أمام الباب المغلق، ووجدتها، وأعطنا حبا من إحدى مكتبات نابلس في العام 1977، وما زلت أحتفظ بها. هذا يعني أن فدوى لم تلق رواجا في مدينتها حتى فترة متأخرة.

هل اختلف ادوارد سعيد كثيرا عن فدوى؟ لا أملك إجابة يقينية، ولكني سمعت أن المرحوم د. إحسان عباس لم يبد استعدادا لترجمة كتاب الاستشراق، قبل شيوعه وترجمته إلى لغات عديدة، منها العربية، حيث نقله إليها د. كمال أبو ديب. لم يكن نجم ادوارد سعيد، بعد، قد سطع في سماء العالم العربي. هل شعر د. إحسان عباس، فيما بعد، ببعض الندم. لست أدري.
في إحدى رسائل محمود درويش إلى سميح القاسم، يكتب درويش أن الفلسطيني، حتى يصدقه الغرب، يحتاج إلى شاهد يهودي يؤكد ما يذهب إليه الفلسطيني. طبعا الفلسطيني ليس ابن بلد غربي، فهو ليس زمار البلد، ولكن هناك صلة ما، فيما أرى، بين ما قالته فدوى وما قاله درويش، وإن كانت بعيدة نوعا ما.

الحكايات المشابهة لحكاية فدوى طوقان، في الحياة وفي الروايات كثيرة. مرة نقلت الصحف العربية حكاية مهندس عربي يحمل جواز سفر أمريكيا، جاء مع مجموعة من المهندسين الأمريكان إلى ليبيا متعاقدا، وحين عرفت الدولة الليبية أنه عربي أصرت أن يكون عقده مثل عقد المهندسين العرب، لا مثل عقد المهندسين الأمريكيين، ولولا تعاطف زملائه الأمريكيين معه، حيث هددوا بالعودة جميعا، لعومل على أنه مهندس عربي، لا أمريكي، ولقبض أجرة أقل، علما بأنه سيقدم المجهود نفسه، وأن معلوماته هي معلوماته، بغض النظر عن الهوية التي يحملها.

ربما يتذكر قراء رواية الأديب المصري علاء الأسواني "شيكاغو" حكاية المصري الذي أراد أن يدرس في بلده وأن يخدم فيها، فرفض لأنه قبطي، ما جعله يغادر مصر إلى أمريكا، ويغدو فيها جراح قلب شهيرا، سيجري عملية قلب لأستاذه الذي رفض تعيينه في مصر، فلم يتعامل مع أستاذه بحقد، ولم يعامله بالمثل، فلقد تغلب الإنساني فيه على الجانب السلبي.
سأتذكر حكايات الأدباء، وحكايات أبطالهم، وبعض القصص التي قرأتها في الجرائد أو من آخرين، وأنا أتابع ما ألم بمسلسل الاجتياح. كان المسلسل أنجز عن ربيع 2002 الفلسطيني، وركز على حصار مخيم جنين. وكما علمت فقد عرض في العام 2007، ثم أعادت الفضائية الليبية في شهري (تشرين 1+ تشرين 2) عرضه. وقد رفضت أكثر الدول العربية عرضه. طبعا سأقرأ، هذه الأيام، كلاما كثيرا عن سبب منع العرض: لا تريد الدول العربية أن تسبب إحراجا. لا تريد أن تغضب دولة أبناء العمومة، وأن تسيء إليها وإلى علاقتها معها. والغريب مثلا أنني لم أقرأ إطلاقا عن سبب آخر مثل: ولا تريد أن يتوحش الإسرائيليون ثانية حتى لا يكرروا ما حدث في جنين في أماكن أخرى: في بلاطة أو عسكر أو الفارعة. في الخليل أو طولكرم أو قلقيلية. في غزة، علما بأن هذه تحاصر وتعاني ما تعاني.

سيفوز المسلسل بجائزة عالمية هي جائزة (ايمي). هل ما حدث مع فدوى طوقان سيتكرر مع المسلسل؟ أعني هل ستعيد الفضائيات العربية الآن بث المسلسل، فقد ذاع صيته في الغرب؟ حين غدت فدوى معروفة في العالم العربي ونشرت أعمالها وأقامت غير أمسية شعرية بدأ سكان مدينتها يحتفلون بها. وهل ما قاله محمود درويش سيتحقق: لا بد من شاهد يهودي حتى يصدقنا الغرب؟ هل لا بد من جائزة عالمية حتى تجرؤ الفضائيات العربية على بث المسلسل، فإذا ما اعترضت ست الحسن والجمال والعدل: إسرائيل، قال العرب: الغرب منحه جائزة (ايمي) فلا تلومونا؟ والآن المسلسل حظي بهوية عالمية: جائزة (ايمي). والطريف أن ليبيا التي أرادت أن تعامل المهندس العربي على أنه عربي بثت المسلسل، فهل الدول العربية، الآن، ستتصرف تصرف ليبيا في سبعينيات القرن العشرين؟ أنا لست أدري.
زمار البلد لا يطرب: مثل شعبي كررته فدوى طوقان، واستحضرته في سيرتها، لأنها مرت بتجربة تؤكد صدق ما يقوله، وينطبق هذا أيضا على الطبيب في رواية علاء الأسواني، وينطبق على... وعلى.. وعلى... وعلى.....
في السياق ذاته: خبر عاجل

"خبر عاجل" عنوان رواية تاريخ كتابتها آب 2005 لسجين هو كميل أبو حنيش، ولا يوجد على الغلاف تاريخ النشر ومكانه ودار النشر، وربما تكون العمل الروائي الأول لصاحبها، فلا معلومات عن نشاطه الأدبي، ولم أقرأ له من قبل. لم اقتن الرواية من مكتبة أو من معرض كتاب، فلقد أحضر لي بعض الطلبة، مشكورين، قبل أسبوعين، نسخة منها وقالا لي: إن شاء الله تكون مقالتك القادمة حولها، فقلت لهم: الأسبوع القادم سأكتب عن مريم الحكايا لعلوية صبح، ولعلني سأكتب عن "خبر عاجل" الأسبوع الذي يليه.

سأقرأ الرواية في يوم واحد، فهي تقع في حدود 126 صفحة من الحجم المتوسط، وتتمحور حول شخوص من مخيم عسكر الجديد ومن جامعة النجاح الوطنية. والمكانان لهما في نفسي مكانة، لذكريات جميلة في المخيم، أيام المراهقة، ولعمل طويل ومضن، ممتع وصعب وقاس، في جامعة النجاح. هل سأمدح الرواية أم سأكتب عنها مقالا يجعل كاتبها يكرر: زمار البلد لا يطرب.

سأجد نفسي، وأنا أفكر في الكتابة عن الرواية، بين نارين: نار الاحترام لمؤلفها، ونار الانحياز للناقد الأدبي فيّ. وسأقول: للرواية قيمة تاريخية، وليس لها قيمة فنية. وسأتذكر، وأنا أقرأها، ديوان المرحوم محمود درويش: "حالة حصار" (2002)، فثمة تقاطع كبير واضح بين ما كتبه درويش على لسان الشهيد الذي كان يفجر نفسه، وبين ما يقوله أسامة الذي يفجر جسده. هل قرأ كميل أبو حنيش "حالة حصار" واستوعبه، وترك أسامة يقول ما ورد على لسان الشهيد في أشعار درويش أم أن أسامة/ ومن ورائه كميل، عبّرا عما كان في داخلهما، وهو ما صاغه درويش شعرا، لكأنه كان استمع إلى الشهداء، إلى أسامة بطل خبر عاجل.

الفارق بين ما كتبه درويش وكميل أبو حنيش في "خبر عاجل"، جماليا، فارق كبير. طبعا لا عجب، فالأول شاعر متمرس اجتهد وأصدر عشرين مجموعة قبل "حالة حصار"، والثاني كانت روايته الأولى. هل نتذكر ما قاله درويش في "حالة حصار" على لسان الشهيد: الشهيد يعلمني لا جمالي خارج حريتي؟ ربما، بل يجدر، علما بأن هذا لا يعفي الكاتب من إتقان أدواته.

أسامة بطل "خبر عاجل" يحب الحياة الكريمة ويرفض الذل وحياة البؤس في المخيمات، وإسرائيل تضيق عليه وعلى أبناء شعبه وعلى اللاجئين، ولا تترك له فرصة لحياة كريمة. ألم يكتب درويش على لسان الشهيد: "الشهيد يوضح لي: لم أفتش وراء المدى/ عن عذارى الخلود/ فإني أحب الحياة/ على الأرض، بين الصنوبر والتين، لكنني/ ما استطعت إليها سبيلا،/ ففتشت عنها بآخر ما أملك:/ الدم في جسد اللازورد". وهذا أزعج الإسرائيلي (درور ايدار). آمل ألا يكرر كميل: زمار البلد لا يطرب. الرواية تحتاج إلى مراجعة.

***

- فدوى طوقان وموشيه ديّان

لم تكن فدوى طوقان قبل العام 1967 تهتم بالسياسة ولذلك أسباب عديدة أهمها بنية المجتمع العربي التي تقسم الفضاء إلى قسمين: داخلي وخارجي؛ الأول يخص عالم المرأة والثاني من صميم عالم الرجل.
كل ما كانت فدوى تعرفه في السياسة، قبل العام 1948، كان يتأتى لها من خلال حديث الرجال في البيت والمذياع والصحيفة التي كان أبوها يحضرها معه، ومن خلال قصائد أخيها إبراهيم طوقان السياسية. ولهذا لم تكتب حتى العام المذكور قصائد سياسية، وحين توفي إبراهيم وطلب أبوها منها أن تكتب قصائد سياسية لتعوض غياب أخيها لم تلبّ طلب الأب وتساءلت وهي تكتب سيرتها الذاتية: "بأي حق يطلب أبي مني أن أكتب في السياسة وهو لا يسمح لي بالخروج من البيت والمشاركة في الشأن العام؟"(بتصرف).
ظلت الشاعرة حتى العام 1967 بعيدة عن عالم السياسة، وقد ذهبت إلى أكثر من هذا، فعبّرت حين طلب منها أن تكتب في الهم العام، عبرت عن بغضها لعالم السياسة والأحزاب وآثرت العزلة والوحدة.
إن دواوين الشاعرة التي صدرت ما بين 1948- 1967 («وحدي مع الأيام» و«أعطنا حباً» و«أمام الباب المغلق» و«وجدتها») تخلو من القصائد السياسية بشكل لافت.
بعد هزيمة حزيران 1967 سيختلف الأمر كلياً وستكتب قصائد سياسية وستصدر في ثمانينات القرن العشرين عن "دار الأسوار" في عكا ديواناً يضم قصائدها السياسية تحت عنوان «قصائد سياسية» وليس من ضمنها أية قصيدة كتبت قبل 1967. الشاعرة التي كرهت السياسة وبغضتها ستجد نفسها في غمار السياسة.
ما إن انتهت حرب حزيران وهدأت الأحوال في الضفة الغربية حتى استدعى وزير الدفاع الإسرائيلي موشيه دايان بعض رجالات نابلس إلى بيته في تل أبيب. كان المدعوون، كما أوردت فدوى في سيرتها «الرحلة الأصعب»، 1993، ثلاثة، هي وقدري طوقان ابن عمها وحمدي كنعان رئيس بلدية نابلس في حينه. ماذا سيقول الفلسطينيون لو علموا بهذه الزيارة السرية؟
خافت الشاعرة من ردود أفعال الفلسطينيين فطلبت من ابن عمها وحمدي كنعان إعلام الناس بالأمر وإشهاره. ستُجرّ فدوى إلى عالم السياسة غصباً عنها.
في اجتماعها مع دايان سيطلب هذا منها أن تبلغ رسالة إلى الرئيس المصري جمال عبد الناصر فحواها أن لديه استعداداً لعقد اتفاقية سلام مع العرب مقابل الانسحاب من المناطق المحتلة، فهو يسير على خطى رئيس وزراء إسرائيل السابق.
لم ينته الأمر عند هذا الطلب، فهي نسيت الأمر ولم ينسه دايان، وحين طلب منها الاجتماع معه ثانية سألها عما إذا كانت أوصلت رسالته إلى عبد الناصر، وتحايلت هي على الأمر، وكانت اجتمعت بعبد الناصر حين زارت القاهرة التي كانت تزورها بين فترة وأخرى في الخريف وتستقر فيها بعض الوقت. كانت فدوى التقت بجيهان السادات في بيت جيهان وتحادثت مع أنور السادات ورتب لها لقاء بعبد الناصر الذي سألها عن أحوال الفلسطينيين تحت الاحتلال وأعلمها أن ما يشغله هو تخليصهم مما ألم بهم فسيناء ليست همه الوحيد، فقد عُرض عليه الانسحاب منها مقابل اتفاقية سلام منفردة.
طلب دايان من فدوى إبلاغ رسالة إلى الرئيس المصري ليس الطلب الأخير. حين اشتدت المقاومة الفلسطينية وبزغ نجم ياسر عرفات تطلع دايان إلى اللقاء به ومفاوضته لعقد اتفاقية سلام معه. وطلب من الشاعرة، كما تكتب في سيرتها، أن تطلع عرفات على رغبته وكان دايان اقترح الاقتراح نفسه على فدائي فلسطيني أُسر في اشتباك كبير قرب أريحا في منطقة قرنطل. رفض الفدائي طلب دايان وآثر البقاء أسيراً وكان هذا الفدائي موضع إعجاب الوزير.
حين كان دايان يقرأ قصائد فدوى ومنها قصيدتها "آهات أمام شباك التصاريح" التي تمنت فيها أكل كبد جندي إسرائيلي كان يسألها: "لماذا تكرهين اليهود؟ وكانت تجيبه: "لا أكره اليهود وأكره الاحتلال. انسحبوا من المناطق المحتلة ".
مرة عرض دايان على الجمهور الإسرائيلي في تل أبيب في إحدى القاعات الرسمية أن يصغي الجمهور إلى الشاعرة في القاعة نفسها. اعترض الجمهور الإسرائيلي وسأل الوزير: كيف تسمح لشاعرة تدعو إلى قتل جنودنا وتتمنى أكل أكبادهم أن تلقي قصائدها في قاعة عظماء إسرائيل؟
دايان أوضح للجمهور أن فدوى طوقان شاعرة تعبر عن هموم شعبها وشعبها يقرأ قصائدها وعلينا أن نفهم هذا. لم تُدع فدوى إلى تل أبيب لتلقي قصائدها وإن زارت المدينة والتقت فيها بشاعرات يهوديات.
في علاقة الشاعرة بدايان ما يثير أسئلة كثيرة وما يذكر أيضاً بخصوماتها مع شعراء فلسطينيين هاجموها لأنها كانت تستاء من أيام السبت حيث يتبضع العمال الفلسطينيون الذين أخذوا يعملون في المصانع الإسرائيلية وفي شركات البناء (سوليل بونيه). مرة هاجمها الشاعر فوزي البكري لهذا ولأنها تمنت في إحدى قصائدها أن تلد النسوة الفلسطينيات من مقاتلين فيتناميين حتى يحرر الأولاد الأرض المحتلة من الاحتلال. ما الذي كان يشفع للشاعرة لقاءاتها بالآخر الإسرائيلي في الوقت الذي يهاجَم فيه غيرها لو قام بما قامت به؟
ألأنها شخصية اعتبارية؟ ألأنها أنثى؟…
عموماً، إن لقاءات فدوى بموشيه دايان تسهم في إضاءة بعض قصائدها وصورة الآخر فيها.

***

في ذكرى رحيل فدوى طوقان الـ ١٩: كـمــــال ناصــر «المــغـــرد السجـــين»

لم أكتب عن كمال ناصر من قبل. ظل لي أحد القادة الثلاثة الذين اغتيلوا في بيروت في شارع فردان في نيسان ١٩٧٣، ويبدو أنني اكتفيت بما كتبه محمود درويش عنهم يرثيهم، مستعيضاً بذلك عن قراءة مذكرات كمال ناصر وأشعاره:
"دمهم أمامي ../ لا أراه / كأنه وطني/ أمامي.. لا أراه/ كأنه طرقات يافا- / لا أراه/ كأنه قرميد حيفا- / لا أراه" (محاولة رقم ٧، طوبى لشيء لم يصل، ص ٩٣)
وكأنني اكتفيت أيضاً بالجدل الذي أثرته حول هذه القصيدة:
- أهي في رثائهم أم لا؟
ثمة كتاب قرأتُه عنه عنوانه "كمال ناصر: شاعراً ومناضلاً" لم يغب عن ذهني الحوار الذي ورد فيه بين كمال وموشيه دايان في مفاوضات المثلث في ١٩٤٩، وورد فيه أنه لما رأى استخفاف دايان بالعرب قال له إنه بتشدده سيزيد الحقد ضدهم وسيشعل النار من جديد، فأجابه دايان: "هذه الحرب، وسوف تنسون، نحن نعرفكم".
في العام الماضي قرأت رواية ياسين رفاعية "من يتذكر تاي؟!" (٢٠١١) فطالعتني فيها صورة كمال، ما جعلني أكتب تحت عنوان "المثقف الفلسطيني في زمن النهوض". بدا لي كمال ناصر مثقفاً نقياً ثورياً.
في ١٢/ ١٢/ ٢٠٢٢ كان علي أن أتحدث عن فدوى طوقان بدعوة من متحف محمود درويش، ما دفعني لأقرأ من جديد دواوينها وسيرتها. التفت إلى قصيدتها "إلى المغرد السجين" المنشورة في ديوان "أعطِنا حباً"، وقد أهدتها إلى "الصديق الشاعر كمال ناصر في محنته" ورد هو عليها بقصيدة "من الأعماق" وجاء في إهدائها "إلى صاحبة قصيدة إلى المغرد السجين" ووجدتُني أقرأ القصيدتين في ضوء ما ورد عن علاقة الشاعرين في سيرة فدوى "رحلة صعبة.. رحلة جبلية" (١٩٨٥).
لم تخلُ السيرة من ذكر كمال ناصر، فقد كان لفدوى صلة به، إذ التقت به مراراً في بيت ياسمين زهران الذي كان مكاناً يجتمع فيه المثقفون ليخوضوا في الشؤون الأدبية والثقافية والسياسية أيضاً.
تحاورَت فدوى مع جميل البديري وكمال ناصر في الأدب وموضوعاته واقترح الأول عليها أن تكتب قصائد في الشأن العام، ولا تظل ذاتُها محور أشعارها، ولكنها لم تلبِّ له اقتراحه لأنها كانت تعيش في عزلة اجتماعية ولا تشارك في الحياة السياسية التي نشط هو فيها. في ذلك تكتب فدوى:
" كان يطلب إلي باستمرار الخروج من دائرة الذات... وفي بيت ياسمين عرفتُ صديقي الشاعر الشهيد كمال ناصر. كان حينئذ نائباً فلسطينياً في البرلمان الأردني، وكنا نقضي أمسيات غنية في بستان ياسمين وقد تركنا النفوس على سجيّتها. كان كمال باستمرار قلقاً ثائراً ضاحكاً ضائعاً، وكانت أحاديثنا تدور حول الأوضاع القائمة والشعر والحب والموت والنضال والانتحار. كنا نقرأ الشعر ونحزن ونفرح ونيأس، وكان كمال بشخصيته الديناميكية الحارة شديد القرب من نفوس أصدقائه ومحبيه".
وتأتي بعد ذلك مباشرة على اختفائه وملاحقته ونشره باسم مستعار في جريدة فلسطين لمحررها رجا العيسى، وحين تسأل فدوى رجا عن الشاعر المجهول يقول وهو يبتسم: من تظنينه يكون، فتجيب: في القصائد رائحة كمال" (ص ١٥٠).
تتأثر فدوى لاختباء كمال وملاحقته وفي طريق عودتها من القدس إلى نابلس "أخذت عصافير الأفكار وصور الأمسيات الجميلة ولقاءات الأصحاب في بستان ياسمين زهران، كل هذه أخذت تحوم وتطوف في رأسي وفي عيني وفي قلبي" وخلال أسبوع تمضي إلى رجا العيسى ومعها القصيدة، وخلال أسبوع لاحق تأتيها من كمال قصيدة مقابلة.
أدرجت فدوى القصيدتين معاً في ديوانها وفيهما يأتيان على الأجواء الودية التي كانت في بيت ياسمين زهران بين الحضور، وكلتا القصيدتين تذكران بيت ياسمين، ففدوى تقول:
"أيام كانت ظلة الياسمين
تحضننا، وأنت تشدو لنا"
وكمال يقول:
" تظللنا ظلة الياسمين
جناحان من لذة واكتئاب
ونسمر حتى يجن الحديث
على حلم هاجع في السراب
رؤى الموت تنساب من حولنا
تصيح بنا في ربيع الشباب".
إن ما ورد في القصيدة يصف حياته في تلك الفترة هو ما ورد أيضا في النص المقتبس أعلاه في سيرة فدوى.
إن قصيدة "من الأعماق" لكمال ناصر تظهر لنا أنه اختار درب الشهادة مبكراً سائراً على خطى الشاعر الشهيد عبد الرحيم محمود، إذ إن ظلال قصيدة الأخير "سأحمل روحي على راحتي" تبدو واضحة أيضاً في قصيدة كمال، ولعل هذا يحتاج إلى مقاربة خاصة.
الاثنين الماضي مرت الذكرى الـ ١٩ لرحيل فدوى والذكرى الـ ٢٨ لرحيل جبرا إبراهيم جبرا، فعلى روحهما السلام.

2022-12-18

***


- شيء عن سيرة ومسيرة فدوى طوقان في ذكراها

حلوة صقر:

"قالت فدوى:
كفاني أموت على أرضها..
وأُدفَنُ فيها،
وتحت ثراها أذوب وأفنى
وأُبْعَث عشباً على أرضها
وأُبْعَثُ زهرة..
تعيثُ بها كفُّ طفلٍ نَمَتْهُ بلادي
كفاني كفاني
كفاني أظل بحضن بلادي..
تراباً وعشباً وزهرة!

في مثل هذا اليوم من العام 2003، رحلت فدوى طوقان إلى الأعالي.. عاشت 86 عاماً، وشكَّل شِعرُها أساساً قويّاً للتمرد والاحتجاج على الأوضاع الاجتماعية، وعاملاً يحثُّ الجميع على مقاومة الاحتلال، بدأت بديوانها الأول (وحدي مع الأيام)، وختمت الدواوين بـ(اللحن الأخير)، وعند التمعُّن بعناوين دواوينها ينكشف وجعٌ لازَمَها سبَّبَتْهُ تعرُّجات حياتها وحزنٌ دفينٌ بذلت جهداً ليعلو صوتها على جراحه، فكان نثرها أكثر وضوحاً وتعبيراً من خلال كتابها (أخي إبراهيم)، وسيرتها الساحرة في جزأيها (رحلة جبلية رحلة صعبة)، و(الرحلة الأصعب)".

بهذه الكلمات أطلق فتحي البس، مدير مؤسسة محمود درويش، مؤخراً، ندوة "ذكرى مبدع" حول الشاعرة فدوى طوقان، بتنظيم من المؤسسة، وبالشراكة مع بلدية نابلس وجامعة النجاح الوطنية، في المسرح الرئيس بحرمها القديم، بمشاركة كل من الأكاديمي والناقد د. عادل الأسطة، والشاعر د. المتوكل طه.


شيء عن سيرتها

وفي مداخلته تحدث د. عادل الأسطة عن السيرة الذاتية للشاعرة فدوى طوقان وأهميتها في دراسة أشعارها، وهي السيرة التي أشار إلى أنها كتبتها في العام 1985، على حلقات في مجلة "الجديد"، يوم كانت على صلة بسميح القاسم ومحمود درويش، وتابعت كتابتها ونشرها، وكانت عملاً إبداعيّاً مهماً لدرجة أنها قالت "إن الدكتور إحسان عباس عندما قرأها قال إنها أعظم سيرة أدبية في القرن العشرين"، مضيفاً: لكن لا يمكن أن نفهم سيرتها إلا إذا قرأناها قراءة دارسٍ وليس للمتعة فقط.

وأشار الأسطة من بين ما أشار إليه، إلى أن "فدوى طوقان كانت تشكو أهل نابلس كثيراً"، فلم يكن أحدٌ من أهل المدينة، إلا نادراً، يكترث بدواوينها فيعمد إلى شرائها، وهو ما أكدت عليه في سيرتها، وفق الأسطة، حيث "استشهدت بمَثَل يقول: زمار البلد لا يطرب، فحين كانت تقرأ أشعارها على معلمات زمانها لم يكنَّ يُعجبن أو يُصغينَ لأشعارها، بل كنَّ يتَّهِمنها قائلات إن أخاها إبراهيم يكتب لها الشعر، وهي تنشره باسمها.. عانت من معلمات زمانها، واتهمتهن بضحالة التفكير وقلة القراءة، كما عانت شخصياً من أهل نابلس".

وفي هذا الإطار أشار الأسطة إلى أن طوقان ذكرت أن من بين ما يمتاز به أهل نابلس لجوأهم "إلى السخرية الجارحة من الآخرين، فلا يجب عليك في مدينة نابلس أن تُظْهِر أنك تعلم أكثر من أهلها"، وهذا ما دفعها للعزلة، مع أنها من أهل نابلس، حتى أصابتها حالة مرضية.

كانت تعاني من والدها، على حد تعبير الأسطة، ناقلاً عنها قولها: كلما ازدادت تعاستي من القهر والكبت ازددتُ شعوراً بفرديَّتي وذاتيتي.. لقد جعلني وجودي داخل جناح الحريم المغلق أتقلص وأنكمش في قمقم ذاتي، وصرت لا أملك إلا التحديق في مرآة هذه الذات، هذه الأنا الحبيسة، حبيسة القمقم اللعين.. لقد كان الشعر الذي نشرته في الصحف هو العمل الاجتماعي الوحيد الذي استطعت أن أجعل منه جسراً يصلني بالآخرين".

وحول السنوات ما بين العام 1948 والعام 1967، أشار الأسطة إلى أن فدوى أصدرت أربع مجموعات شعرية، وظلت قصائدها تتمحور حول ذاتها، وأن كثيرين حثُّوها على ضرورة الخروج عن كتابة الذات، ومن بينهم شقيقها "رحمة"، وكان ينتمي للحزب الشيوعي. في تلك الفترة التقت بكمال ناصر ومثقفين آخرين، وتحديداً في بيت ياسمين زهران بمدينة رام الله، وكان ملتقى للمثقفين، وقتذاك.

في تلك الفترة أشير إليها بأن تكتب عن الموضوعات الوطنية، ولكنها كانت متخوفةً من ذلك، مشيراً أن من طلب منها ذلك أولاً لم يكن كمال ناصر، بل والدها، وخاصةً عندما توفّي إبراهيم طوقان شاعر العائلة. ووفق الأسطة، قالت وقتها: بأي حق يطلب أبي مني أن أكتب الشعر الوطني، وصلتي بالعالم الخارجي كانت معدومة"، فحتى العام 1948 لم تكن زارت مدن فلسطين، كان كل ما تفعله البقاء داخل البيت بين الجدران الأربعة، تحت سلطة الأب والأهل، فحتى والدها لم يكن يحدثها أو يكترث لأمرها، فيما كانت والدتها تفضِّل شقيقتها عليها.

"عقدة الأب عند فدوى طوقان واضحة جداً، وانعكست على قصائدها، فلم تحزن عليه إلا بعد أن افتقدته عند موته، لكون أعمامها والعائلة تدخلوا في شؤونها".

ولفت الأسطة إلى أن طوقان، وما بعد العام 1967 مباشرةً، كانت قد زارت القدس ويافا، ورأت البيوت المهجورة، فكتبت قصيدة "على أبواب يافا يا أحبائي.. وقفتُ وقلت للعينين: هيا بنا نبكي".

وأشار الأسطة إلى أن سيرة طوقان تقدِّم مدخلاً لما كانت قد اتُّهِمَتْ به بخصوص "التطبيع"، لولا أنْ حماها الحزب الشيوعي، فبعد العام 1967 مباشرةً، اتصل موشيه ديان برئيس بلدية نابلس حمدي كنعان، وطلب منه أن تكون فدوى طوقان من الموجودين في اجتماع بمنزله بحضور قدري طوقان، فطلبتْ من حمدي كنعان أن يعلن عن الزيارة وألا تظل مخفية.. "لعل ديان سمع عن فدوى من خلال ابنته التي كانت تكتب بالإنجليزية وأرادت التعرف إليها".

ولم يفت على الأسطة الحديث عن قصيدة طوقان "آهات أمام شباك التصاريح"، والتي وصفها بالمهمة، وأشار إلى أنها عبَّرت فيها عن أمنياتها بالتماهي مع هند بنت عتبة، وأن تأكل كبد الجندي الإسرائيلي، حتى إن الإعلام الإسرائيلي وصفها بآكلة الأكباد.


ما بين وطنية وتحفظ وغموض

من جهته شدَّد الشاعر د. المتوكل طه على أن "الشاعرة الكبيرة الراحلة، وعلى مدى سنوات عمرها الست والثمانين، شاهدت ورافقت وعبَّرت عن هذا الشعب، فيما تعرَّض له من قمع ومؤامرة، ومن خديعة وهزيمة وذل، وما تصاعد من مقاومة، وما تشرذم من مواقف، وما تآكل من مبادئ، وما حدث من تاريخ ومن فانتازيا"، بحيث كانت في كل ذلك "تخلط ما بين هزائمها الشخصية وهزائمها البرّانية، وما بين تشوّقها للحب والحياة الهانئة وبين ما تشاهد من فظاظة وقسوة عصية على الفهم".

وأضاف: بكت كالثكالى، وغنت للمسحوقين والمهجَّرين والفقراء، كأنها أحدهم، وغضبت من أعمق أعماقها، إلى درجة أن أسمتها الصحافة الإسرائيلية ذات يوم "آكلة أكباد الجنود" أو "الشاعرة التي تخلق قصيدتها عشرة فدائيين"، قُمِعَتْ إلى درجةٍ شارفت معها على الموت، وانطلقت إلى العالم حتى سمع باسمها الجميع. أحبَّت حتى الثمالة، وتجرعت الخيبة حتى الثمالة أيضاً، غنَّت للعطاء وعاشت في أضيق الحدود، عرفت الزعماء الكبار ولم تجد سعادتها إلا بصحبة الأطفال والأزهار، وعندما كشفت عن أسرارها لم تستطع أو لم تجسر على قول كل شيء.

"هذه هي فدوى طوقان، شاعرة محكومة بسقوف لم تستطع تجاوزها، ولم تستطع اختراقها حتى عندما كتبت سيرتها الذاتية، إذ إنها لم تفعل أكثر من إعلانها أنها حققت ذاتها شاعرة مبدعة، ولكنها صمتت عن كل ما عدا ذلك. كانت سيرتها التي عنونتها بـ"رحلة جبلية .. رحلة صعبة" سيرةً متحفظةً غامضةً ناقصةً، المحذوف منها أهم من المكتوب والمعلن فيها. ظلت فدوى -حتى وهي تعترف- متحفظة وأرستقراطية، لا تستطيع البوح ولا الكلام، ظلت شاعرتنا محفوفة بشفرتين قاسيتين لا ترحمان، فهي شاعرة ذات أحاسيس قوية وعنيفة وعميقة، ولكنها في الوقت ذاته تنتمي لعالم لا تستطيع تحطيمه بالكامل، وإذا استطاعت، فإنها لا تستطيع أن تبوح بذلك".

ومما لفت إليه طه، أن طوقان "أحاطت نفسها بنوع من الغموض على المستوى الحياتي وعلى المستوى الإبداعي. أما الحياتي، فهي لم تذكر شيئاً في سيرتها عن تفاصيل حياتها، وعلاقاتها، وأفكارها، وأولوياتها، ودوافعها، وعن النقاشات والجدل الذي خاضته، لم نرَ شيئاً في سيرتها سوى صمودها وإصرارها على الحياة، دون أن نلاحظ أثر الآخرين عليها، وقد وضعت فدوى ستاراً حديدياً بيننا وبين أعماقها، إذ إنها لم تضئ شيئاً من دواخلها ومشاعرها ونوازعها، فقد ظلت أرستقراطية، تجيد الابتسام وتبث الهدوء، دون أن تفصح عما بداخلها. وانعكس ذلك على إبداعها الشعري أيضاً، فقصيدتها ناعمة، ورخوة، وطويلة، وهادئة، وتميل إلى النثرية، رغم أن أعماقها تمور بالغضب والرفض والتمرد.. الأصل الأرستقراطي الذي تنتمي إليه فدوى، جعلها أقرب للتكتم والغموض والتحفظ، ودفعها إلى السكوت الكثير عن كثير".

وممَّا خلص إليه، وهو مؤلف العديد من الكتب عنها وعن شقيقها إبراهيم، أنها "ظلت طيلة حياتها تمسك العصا من الوسط، قادرة على القول وقادرة على الحذف، قادرة على التلميح دون التصريح، قادرة على الابتسام الجميل رغم اضطرام داخلها بالنيران".


بيت طوقان

وكشفت ريما الكيلاني، ابنة شقيقة فدوى طوقان، وكانت من بين الحضور، أنه يجري ترميم منزل عائلة طوقان حيث عاش إبراهيم وقدري وفدوى طوقان، وأنهم "في طور فرشه بفرش قديم"، ويقررون "فتح هذا الحرملك" ليرى الضوء، وليرى الناس أين عاشت فدوى، مشيرةً إلى أنه من بين آخر ما قالته خالتها عندما سُئِلَتْ عن الحب، عبارة مفادها "إذا مات الحبّ ضاع السلام عن الأرض".

وفي وقت كانت قدَّمَت فيه قصائد لفدوى طوقان، كان كل من رئيس بلدية نابلس د. سامي الحجاوي، ود. عبد الخالق عيسى مساعد النائب الأكاديمي للكليات الإنسانية ممثلاً عن رئيس جامعة النجاح د. عبد الناصر زيد، قد تحدثا عن فدوى طوقان، ورمزيَّتها لفلسطين عامةً، ولنابلس مدينةً، ولأهلها وسكانها على وجه الخصوص.








========================


ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...