لام مجبور - سجينة المحبسين.. قصة قصيرة

تركت الحقيبة فوق سريري وقد فتحت فمها لابتلاع كل ما أرميه في عمقها، وجلست بجانبها أنقل نظري بينها وبين باب خزانتي القديمة التي ملأتها فيما مضى بالملابس والعطور وكل ما يمكن أن يتخيله عقل أنثى، ما زال الكثير من الفساتين والقمصان معلقاً لم يمسسه بشر بعدما هجرته، فقد اعتبرت أمي مسألة إعطاء ملابسي لمن يحتاجها كفأل سيء يُنذر ببقائي في السجن إلى الأبد، ولكنني خرجت وأنا الآن في سجن غرفتي الإرادي هذه المرة.

لم تعد بي رغبة في أن أرى عيون الناس الفضولية التي تحاول أن تبحث في رقبتي وصدري عن آثار زرقاء تثبت لهم بأني صرت عاهرة ولو أتيح لهم الأمر لقاموا بالفحص النسائي المعتاد ليتأكدوا بأن رحمي خال من ابن زنا!

نعم، توجد على جسدي آثار زرقاء، وفي رحمي شجن وأصوات نحيب وصرخات كتلك التي كنت أسمعها وأنا معلقة من قدمي إلى السقف.
وقع نظري على ذلك الفستان، كنت أرتديه في أول مرة قابلت فيها أسامة الذي لم يتردد في إبداء إعجابه يومها قائلاً:
قد أشعلت شرارة في قلبي.

عدت لارتدائه حين قررت الهرب معه وذلك بناء على طلبه، قال يومها:
أريد أن أراك مرتدية البحر!
وصدف بأني لبسته يوم علمت بأني حامل في شهري الثاني، هل أرميه في ثقب الحقيبة الأسود لتبتلعه مع بقية ما وضعته بها؟ لا... لن آخذ معي ماضياً إلى المستقبل.
انخفضت بنظري إلى أسفل الخزانة حيث كان ألبوم صور ابنتي قابعاً هناك في عتمة الوجع!
حرصت أمي على إحضاره يوم جلبت كل أغراضي من منزلي عقب سفر أسامة مصطحباً ابنتي ومعرضاً نفسه وهي لأهوال ركوب مراكب الموت.

لم أقو على تصفحه أبداً فقد كان ألم الفقدان يعيث في نفسي استبداداً، وكان أقوى من لسعات الشوق الحارقة، وبقي منبوذاً مثلي يعاني برد الغربة وأشجاناً تتضاعف طرداً مع كل همزة ولمزة يتناقلها الجيران والأٌقرباء عن تلك المرأة التي أنجبت أولاد الحرام حتى ارتوت.
نهضت وأغلقت باب الخزانة ولم أهتم إن كان الصوت سييقظ أبي وشتائمه التي غرقت في نوم عميق معه بعد عنائه الطويل في ضربي هذه الليلة أيضاً كعادته بعد أن يسمع كلمات تنال شرفه وعرضه بأقذع الأقوال، أستسلم لصفعاته ولعصاه وأحياناً لحزامه بصمت.
لست تلك المرأة ألا تفهم؟
ولا حياة لمن هو جلادك، أتركه يفعل في جسدي كل شيء يمكن أن يمحي به هول ما فعلته عندما تركت بيته لأستقر في حضن أسامة.

استندت برأسي على باب الخزانة أتأمل غرفتي، على الكومدينو... يوجد جواز سفر وتذكرة باخرة ستنطلق من طرابلس إلى مرسين في تركيا ودولارات ذهب أمي الذي باعته من أجلي ستشبع طمع المهرب الذي سيوصلني إلى حيث ذهبت ابنتي، وفي حال لم تكفه الدراهم أعرف ما علي فعله، لا بأس في أن أصبح ما ظنه الناس وأسامة قبل أن يطلقني أمام الضابط في السجن.
نفضت رأسي من هذه الهواجس التي باتت تطاردني، واقتربت من الحقيبة لأضع فيها الجواز والتذكرة والمال، ذكرتني الأختام على الجواز بورقة إخلاء السبيل بعد اعترافهم الرسمي بأن اسمي رانيا ولست سعاد واسم أمي بسمة وليس مريم!
ألقيت نظرة سريعة على محتويات الحقيبة، مشط لأسرح فيه خيبتي، ملابس ملونة أستر فيها فضيحة الوجع، كنت قد اشتريتها لأبدلها في كل مدينة أمر بها فلا وقت لشيء آخر، فرشاة أسنان ألمع بها ابتسامة سرقها الدهر، والجواز فوقهم يعلن هزيمتي.

تأملت هذه الجثث يكفي هذه القليل من أجل الطريق الطويل، أغلقتها وهبطت الدرج دون أن أودع أمي تكفيها الدموع التي ذرفتها في سنوات سجني، ساعدني تقنين الكهرباء الليلي في أن أعبر دون أن يراني أحد، وركبت السيارة التي ستوصلني إلى لبنان.
رميت كل شيء ورائي، كل ذكرى ... كل حب... كل ألم... كل جرح... لا أحتاج إلى ذكرى بعد الآن... وحده فقط من يتأهب لوصولي وقد فتح لي ذراعيه بحب...
انتظرني أيها البحر... إني قادمة!

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...