رسائل الادباء : رسالة من الدكتور أحمد زكي أبو شادي إلى أحمد حسن الزيات رئيس تحرير مجلة الرسالة

بتاريخ: 01 - 08 - 1933
سيدي محرر (الرسالة):

اسمح لي أن اشكر لكم عنايتكم بخدمة الشعر العربي. ولقد أتيح لي الاطلاع على فاتحة العدد الأخير من (الرسالة) إذ أشرتم إلى حالة الشعر العربي بعد شوقي وحافظ ثم تكلمتم عن فكرة موسم الشعر، وإني حباً في الإنصاف الأدبي وفي خدمة الحقيقة التاريخية أستأذنكم في التعليق على فاتحتكم بهذه السطور القليلة.

لقد أصبتم في إشارتكم إلى ضياع شعر المناسبات بعد شوقي وحافظ. وأما الشعر الفني الأصيل المتسامي بالنفس الإنسانية فقد ازداد تألقه، وإن الشعب الذي تُصقَل عواطفه بمثل هذا الشعر والذي يتجه به إلى مثل أعلى لن يكون الخاسر بفقدان شعر الحماسة الجوفاء والوطنية العمياء وأمداح المواسم المعهودة... إن أحسن ما في شوقي وحافظ حي دائم تضاف إليه الآن جهود الشباب الشاعر المثقف المتوثب. وقد أصبتم بقولكم: (إن الزمن الذي يمحص الأشياء فينفي البهرج الزائف ويثبت الحق الصريح هو الذي يعرف مكان هذه الجهود من عالم الفناء أو من عالم الخلود).

بدأ نشاط (جمعية أبولو) منذ تكوينها في حياة كل من شوقي وحافظ وبرنامجها هو لم يتبدل. وقد كان ولا يزال من المبادئ الأصلية للجمعية أن الشعر العربي لم يغنم فنياً من استخدامه في المناسبات السياسية وغيرها استخداماً لا ضوابط له. ويرجع للجمعية الفضل في وقف ابتذال الشعر في الصحف والقضاء على جعله مادة للتكسب الوضيع وفي الارتفاع بتعريف الشعر والتسامي بغاياته مع العمل على إبراز المجهول من الشعر العصري الجيد وإظهار الشعراء القادرين الخاملين وما هم بالقليلين.

ستصلكم هذه الكلمة وعدد (ابولو) المخصص لذكرى المرحوم حافظ. ومن دراستكم له وللعدد الذي خصصناه من قبل لذكرى المرحوم شوقي ستقتنعون أننا لسنا من يجحد جمال القديم، فللفن جماله كيفما كانت صبغته ونزعته، وفي الوقت عينه لسنا من يتجاهل روح العصر والتطور الذي بلغته الفنون الجميلة جميعها اتجاهاً وتعبيراً ونحن جدّ حريصين على أن ينال الشعر العربي نصيبه من كل هذا واثقين من حيويتنا الشاعرة الفسيحة الأفق.

إن الروح العالمية التي دعتنا إلى اختيار اسم (أبولو) لجمعيتنا ولمجلتنا هي نفس الروح التي نصت في دستور جمعيتنا على إقامة مهرجان سنوي وعلى تمثيل العالم العربي. ففكرة إقامة موسم سنوي للشعر هي فكرة أصلية لجمعيتنا وغير صحيح نسبتها إلى أي هيئة أو فرد آخر، ولم يدر بخلد صديقنا الهراوي سوى استغلال الموسم النبوي للشعر الديني، ويرجع لأعضاء جمعيتنا الذين لبُّوا الدعوة إلى اجتماعه الأول الفضل في التخلي عن هذه الفكرة والدعوة إلى إقامة موسم سنوي للشعر الخالص، وكل هذا ثابت لا شك فيه.

لم تغضب جمعية (أبولو) إلا عندما رأت استغلال مبادئها وبرنامجها بأسماء أخرى، واقتران ذلك بدعايات ضدها، فان صديقنا الهراوي وصحبه من المحافظين ما كتموا يوماً خصومتهم لجمعية أبولو فقد كانوا وما يزالون وسيبقون دائماً خصوماً لها، لأن الجمعية ذات روح تعاونية قوية وتأبى إباءً فكرة الإمارات والوزارات الشعرية وعبادة الأفراد وتعمل بالروح التي أطراها شوقي في قوله:

لعلّ مواهباً خفيت وضاعت = تُذاع على يديك وتُسْتَغَلُ

بينما أصدقاؤنا الأعزاء يحلمون دائماً بالمجد الشخصي على غير ابتكار رائع يؤهلهم إلى شئ من هذا الحلم.

كذلك يرجع إلى (جمعية أبولو) الفضل في تقدير رعاية وزارة المعارف وفي ضم الصفوف وترك الحزبية والمعاونة على تكوين (جماعة موسم الشعر) التي نالت (جمعية أبولو) أغلبية الكراسي في إدارتها وبعد الاعتراف بمنزلة وجهود (جمعية أبولو) ودعوتها إلى مناصرة موسم الشعر بكل قواها لم يبق هناك خلاف في هذه المسألة وإن بقيت الذكرى واليقين بأن هذا لن يكون آخر خلاف بيننا وبين إخواننا المحافظين، وأنهم لن يتورعوا عن استغلال آراء الجمعية في أي وقت مع الطعن فيها.

وتفضلوا بقبول إعجابي وولائي.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...