نهى حقي - حيى حقي ( 1905 - 1992م) بقايا عطر الأحباب

لم يكن يحيى حقي أديبًا عاديًا, كان قارورة من عطر الأدب وشجن الكلمات. لمساته الإبداعية والنقدية والإنسانية عبقة. تبقى بعد أن يرحل كل شيء. لم يمارس فن الكتابة فقط ولكنه كشف كل أسرار موهبته وصناعته. وأمسك باللغة الدارجة التي نتحدث بها جميعًا وحوّلها فيضًا شعريًا بالغ الرقي. إن العالم العربي واليونسكو والعديد من المؤسسات الثقافية تتشارك هذا العام في الذكري المائة لمولد هذا الكاتب الكبير ولم يكن لـ (العربي) أن تتخلف عن هذه المناسبة.
أبي.. ثمرة حب
هذه الثمرة المليئة بالخبرات والذكريات, لها في نفسي شعور بالاعتزاز والفخر.
أريد أن أقدم صورة لوالدي, ولكن كيف أقدمه, وبأيّ صورة أصوّره, ومن أين أبدأ? بالطبع ليست الصورة الظاهرية التي أعنيها, لكن الصورة العميقة التي رأيتها, الإنسان قبل الفنان, الأب قبل الصديق, المفكر قبل الأديب, إنها دائرة متصلة.
فيحيى حقي يحسن استقبال ضيوفه ومريديه, يفتح لهم الباب على مصراعيه يستقبلهم بابتسامة وديعة مطمئنة, وفي ثوان معدودة يدخل قلبك ويصبح صديقًا يحتل مكانة عالية في حياتك, وهكذا كان يحيى حقي في كتاباته.
فمنذ السطر الأول تنشأ علاقة وطيدة بينه وبين قارئه, وليس هذا غريبًا على رجل مثله أن تكون له هذه المنزلة الكريمة في قلوب الناس يستوي في ذلك الأدباء والبسطاء والكادحون الذين لا صلة لهم بالأدب.
ويحيى حقي الأديب يواكب بشغف كل كلمة تخرج من محراب الفكر, بتأمل الأستاذ وحضوره في كل المحافل الأدبية والفكرية, حتى أنني لا أنسى آخر مشاركة له في مؤتمر أدباء مصر في الأقاليم عام 1991 الذي أقيم ببورسعيد والذي أرسل لهم كلمته بقوله:
(أصبحت قادرًا أن أجمع أجيالاً ثلاثة في تحية واحدة أناديكم أخوتي - أبنائي - أحفادي... ولعل بينكم أبناء الأحفاد لا أناديهم لأنهم مشغولون عنا بالامتحانات.
لن يحجزني عنكم إلا الشديد القوي, والعجيب أن هذا الشديد القوي ما هو إلا وهن العمر, وعجزه, وهي يجب أن تتجمّل بالستر وترفض أن أجرجرها ورائي, وبخاصة إذا خرجت لأتفاصح وأتفلسف وأتمشدق وأبيّض الدرر, ولكني من بعيد أتمثلكم جميعًا كأنني بينكم وأقول, وهاقد وجدت أسرتك, ما أسعدك بلقائها ونحن أعضاؤها والذين يهيمون بالجذل الروحي وبالطرب للجمال!).
(هذا النادي يجمع الأحياء بأبدانهم, والسابقين بأرواحهم, وأول الأعضاء هو أحبّ أجدادي إليّ, جدي ساكن الكهوف الذي عرف أعظم النعم نعمة تذوق لذة الكشف الأول التي حرمنا منها.
فلا إبداع إلا إذا تلقى الفنان كل مافي الوجود حوله بدهشة.
وجدنا الأول ترك لنا على جدران الكهوف, فعلمنا ما هي التجربة في الفن وكأنه هو أول من قال لنا: هذا الوجود كما أراه لا كما يبدو, إنني أتوهّم ولكنه وهم مفض إلى الحقيقة. إني أتصوّر أن جدي هذا هو أول من كتب القصة حين كذب أول كذبة, فمعنى الكذب هنا أنه كان يرى كل ما في الوجود من حوله يسير على وتيرة لا دخل له فيها, ولا تخضع لإرادته, ثابتة ثبوت الأزل, فقال لهذا الوجود تريّث لحظة أستطيع بها أن أغيّر الترتيب, فأزعم أن حادثة وقعت وهي لم تقع, وأن لها نتائج بدت وهي كاذبة كأنها حقيقة واقعة).
هذا هو يحيى حقي من داخل عالمه التأملي والفكري ووجدانه نحو الوفاء الشديد للقلم.. والبحث الشديد للكلمة واحترامه لها مما يجعله يجتهد أشد الاجتهاد لكي يضعها في قالبها المطلوب فلا كلمة زائدة أو كلمة في غير مكانها, لأنه ينادي بضرورة الالتزام بالدقة والعمق في أسلوب الكتابة فلا يوجد لفظ واحد يتكرر في صفحات كاملة. هذا هو الثراء في المعاني والأحاسيس التي تتطلب ألفاظا لا تتكرر. ولأنه صاحب هذه المدرسة والتي أطلق عليها عنوان الأسلوب العلمي الحديث في الكتابة.. وبالإضافة إلى عشقه الجم للغة العربية الفصحى فهو لا ينكر العامية الرقيقة المتمثلة عنده في الأمثال والأغاني الشعبية, وعشقه الشديد لأصوات الباعة المتجولين الذين ينادون على بضاعتهم بكلمات يطرب لها بإعجاب شديد.
وعن كتاباته فقد عالج معظم فنون القول من قصة قصيرة ورواية ونقد ودراسة أدبية وسيرة أدبية ومقال أدبي, كما ترجم عددا من القصص والمسرحيات.. لكن على ما أظن تظل القصة القصيرة هي حبه الأول لأنها تقوم, كما يقول, على تجارب ذاتية أو مشاهدة مباشرة, كما أن عنصر الخيال فيها قليل جدا.
إعلاء الإرادة
إن أهم ما تميزت به قصصه الإعلاء من شأن الإرادة وجعلها أساسا لجميع الفضائل, فالعالم في نظره معركة كبيرة والسلاح الأول الذي يستخدمه الإنسان في خوضها هو الإرادة.. ما أكثر ما وصف شخصية رجل طيب ولكنه ضعيف فتكون النتيجة الحتمية أنه يجزر جزرا.
ثم الشغف الشديد بالدراسات والتحليلات النفسية وتراجم كبار الفنانين المصابين بتمزقات روحية ونفسية, ومن القصص التي يتضح فيها ذلك قصة (الفراش الشاغر) وقصة (سوسو) و(مرآة بغير زجاج), كما أنه دائما ينبهنا لمفارقات الحياة وأول هذه المفارقات جبروت الإنسان وضعفه في وقت واحد. من هنا تنشأ نغمة السخرية التي تسري في كثير من قصصه أما اهتمامه الجميل في نظري وأنا أقرأ له وصفه للحيوان (قصة (فلة مشمش) وقصة (عنتر وجولييت) ووصف الحمار في (خليها على الله) والجمل والبقرة في (صح النوم).
هذا الكاتب الإنسان, أقول بفخر, هو أول من استخدم (الفلاش باك) أي البدء بالأحداث المتأخرة في القصة, وهذا ما حدث في مجموعة (دماء وطين), كما استخدم الشكل الدائري في قصته (السلحفاة تطير) فانتهت القصة حيث بدأت.
أما المرأة عنده فقد كان رقيقا معها ويحترمها ويعاملها معاملة غاية في السمو, كما كان يحب أمه حبًا عظيمًا, ويصفها بأنها كانت المحرك الذي يحرك البيت والأم التي تعشش على الأبناء وتعمل كل ما في وسعها من أجلهم.. يحترم المرأة ويحترم فكرها ويحترم إنسانيتها.
وختاما أذكر تأملاته وكلماته.. وأقواله.. وأحب الأقوال إلى نفسي الذي كان يردده:
(أكره الأبواب الموصدة والنوافذ المغلقة والأدراج المعصلجة والشفاه المطبقة.
أحب السحابة الرقيقة التي تقبل أن تذوب وهي تقول لشمس الصيف سأكفكف من جبروتك, أحب الأصابع السرحة في راحة اليد المنبسطة مخلوقة للبذل للعزف للتربيت بحنان.
وأستمخ من نجم الحفلة من أجله ذهبت إليها وعدت مرتويا من فيضه ولكن قلبي مع الكومبارس الواقف إلى الوراء في الظل).
وهكذا الأيام تأتي وتمر..
وهكذا الدنيا تدور وتسير..
وهكذا الأحلام تخفق وتتحقق..
وهكذا الكلمات تبقى وتحيا..
وهكذا المعاني تعيش دهرا وزمنا..
وهكذا وهكذا وهكذا..
وهكذا تكون أنت يحيى حقي..
في خلجات النفس جالسا..
وفي عيون الأدب نابضا..
وفي قلب الفكر ساطعا..
وفي روح المشاعر نبعا حانيا..
وفي وجدان الراحلين حيا ذاكرا..
وفي قلب نهى نبضا حانيا..
وفي الرواية العربية فارسا مغوارا من فرسانها

بقلم: نهى حقي
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...