مأمون أحمد مصطفى - حوارية صمت مع الموت

بيني وبين الموت علاقة معقدة، مركبة، متناقضة، تسكن الوعي، وتقيم في اللاوعي، يغلفها المجهول، ويتلحفها المعلوم، توطدت المشاعر والأحاسيس فيه، حين كنت أحاول النهوض من الحبو وما قبل ذلك، وحتى الوصول إلى نقطة الوعي الأولى، كان يبحث عني، وكنت أبحث عنه، مطاردة حامية، فيها لهاث متبوع بلهاث، وحمحمة تتلقفها حمحمة، وكأني به يعرفني منذ أزمان وحقب ودهور، يترصد اللحظات التي تصلني به.

من عدم في نواة عدم، اختلطت بين صلب وترائب، نطفة عمياء ما زالت في العدم، علقة صماء في الفراغ، مضغة بكماء في اللاوجود، عظام تكتسي باللحم تتعمق فناء، الموت يحيط بها من كل الجهات، حتى تأتي النفخة، فتكون الحياة الناهضة من الموت العدم واللاوجود والفناء والموت.

الحياة ليست البداية كما نتوهم ويتوهم العقل، هي مرحلة ناهضة من الموت لتخوض مرحلة قصيرة ثم تعود لأصلها، الموت، ليكون الابتلاء، فتكون الحياة، حياة لا تتصل بالموت، ولا يتصل الموت بها، ما نبحث عنه منذ الخلق وحتى يومنا هذا، الخلود، خلود الجسد في فتوة فوارة لا تهدأ ولا تنضب، وخلود روح في سكينة لا تعرف الكبد.

يوم ميلادي، ووقوعي على كفي قابلتي أم هاشم، صدمتني رياح آذار، نبهتني صواعق البرق وقصف الرعد، بوجودي خارج الرحم، العالم الفسيح الواسع الممتد المتوسع، المحمل بالخفق والوجيب والحب والحنان، عالم الأم الآمن المحمول على نبضات القلب وشفافية الروح، كانت رجفة، هزت جلدي، وكانت رجة، هزت كياني، وكان قرارا حاسما قاطعا ماضيا، ناديت الموت نداء مستغيث مستجير، أول علاقة بيني وبينه، أول لقاء بينه وبيني، تأملني تأمل مستكشف لعالم جديد هبط قبل دقائق من العدم والموت والفناء، تفرست ملامحه بكل ما في من عالمه الذي دفعني نحو ما أنا عليه، أشفق علي، أشفقت عليه.

كنت في ظلمات ثلاث، يعج بها النور وتعج بالضياء، وجدتني مرة واحدة أسقط في هوة هائلة السواد، قاسية الظلمات، تسمى الحياة، شعرت ببون يفصلني عنها، صراخي، رفضي، عويلي، شهقاتي، دموعي، كلها لم تساندني للإفلات من قبضة الميلاد، التراب الذي تحت قطعة القماش التي تلفني، يسحبني، يسحب عرقي، الجدران المتهالكة المتآكلة في الغرفة بصفارها الكئيب الحزين، تشدني، زخات المطر الغاضبة، تستدعيني، حتى النمل الذي يهاجم المشيمة يكاد يعلن احتفالية بقدومي.

سكنتني الصدمة، كجبل مضغه زلزال، وكمحيط خبطه بركان، ما زلت بكل ما في الموت من روعة فيه، أسكنه ويسكنني، وحين مستني صواعق النسيمات، تنبهت لفقدان طعم الموت ومذاقه، جاء مذاق مالح كالح ناشف، مرارة تجري بكياني، وحموضة حادة تشوي قلبي الصغير، بين الموت والميلاد كان علي الآن، بعد دقائق قليلة، أن أختار قبل فوات الأوان.

الموت لا يزال يتأملني، مددت يدي نحو رباط السرة، بكل عشق للموت، فككته مرة واحدة، سال الدم، بدأ الموت يتقدم، ونحوه كنت أسرع، علي الاندماج بالأصل الذي نهضت منه، تحركت أمي من ألمها لتعلم سر صمتي، هزت غضب آذار وضجيجه بصوتها المستغيث، صمتت الدنيا كلها مرة واحدة، جاءت أم هاشم على صهوات السرعة، بركت فوق الدماء السائلة السائرة نحو الموت، تعوذت، بسملت، قرأ المعوذات، آية الكرسي، صلت وسلمت على سيدنا محمد ، وبخبرة لا تفوقها خبرة أعادت السرة مكانها وأوقفت النزيف، قمطتني، شدت القماط، تنفست، وتنفست أمي.

حدقت بالمكان من جديد، لم أجد الموت الذي كان يستكشفني، رحل بعيدا عني، تركني مقيدا عاجزا في قماط سيحدد مصيري وعلاقتي مع المرحلة التي خرجت فيها من الموت، حتى اللحظة التي سيأتي الموت دون خيار مني، سيأتي وهو محمل بالكثير مما حملت أثناء الفترة الفاصلة بين الموت والموت، لكنه قبل رحيله، همس شيئا: سنلتقي أنا وأنت، أكثر من مرة، ربما نتحاور، وربما يكون الصمت، صمتي، صمت المقابر، هو الفاصل الأخير والنقطة الأخيرة.

بدأت الدنيا تلمسني، ولا أقول الحياة، وإن قلتها ستكون اصطلاحا للفترة التي خرجت فيها من الموت، حتى اللحظة التي أعود فيها للموت، فأنا عاجز تماما عن إيجاد تسمية تحتويها اللغة للبعد الكامن بأعماق تلك الفترة، فأنا أضحك وأبكي، أعطش وأرتوي، أجوع وآكل، تماما كأي دابة على الأرض، أنامل الدنيا تتحسس أعماقي، عرفت الكراهية، وعرفت المحبة، عرفت الوفاء والغدر، الكذب والصدق، الشر والخير، لكنني ما زلت غضا طريا، كبتلة أو طلع على جناح نحلة، يجرحني الندى، ويفتك بي الطل، وأنا إنسان، مركب عسير عصي تجري به أنهار من التناقض ومحيطات من التضاد، تقدمت الدنيا، بدلت أناملها بسواعدها، بدأت ترجني رجا عنيفا، تنقلني بين زواياها، ثناياها، وجاء إبليس وجنوده، كلهم يحمل أسلحة تكاد تعصف بجبال وجبال، وجاءت الأنفس والذوات، توالجت وتواشجت، وكما سمكة الببغاء تحول قاع البحر لرمال على الشواطئ، تحولت لهباء على بوابات الوجود.

ظل الموت يقيم هناك، في اللاوعي، الذاكرة الخفية، ساقني نحو هاويات كثيرة، حادث سير على طريق الجاروشية، أصاب من في السيارة إصابات أدخلت بعضهم الغيبوبة، أنا لم أخدش حتى على سطح الجلد، حين خرجت من السيارة المقلوبة على سقفها، لمحته من بعيد، يضحك، حاولت الاقتراب منه كي أسأله عن غيابه الطويل، تلاشى، تبخر، لكن همساته ما زالت تدوي بمسمعي: سنلتقي، أنا وأنت، ربما نتحاور، وربما يكون الصمت الثقيل الحاكم بيني وبينك.

النسيان، صفة من صفات النقص في الإنسان، في المخلوقات، قبل الحادث عمل النسيان على خلعي من ذاكرة الموت التي حاقت بزميلي ماجد غانم، كنا في الصف الأول الابتدائي، نراود الحروف والمفردات تحت لسع العصي ومطارق الرمان، نمسك بالدفاتر والأقلام، نفك طلاسم المخفي في كل كلمة، تجتاحنا نشوة المعرفة والتعلم، ونوجه كل أمانينا وتطلعاتنا ليوم عطلة يشل المدرسة، عطلة مفاجئة، مهما كان ثمنها.

قال الأساتذة صباح يوم: اليوم عطلة، سنشارك في جنازة زميلكم ماجد، تحققت الأماني والتطلعات، فرح يتشقق وينبثق، يتفجر من الوجوه، ماجد توحد مع أصله، تمكن بلحظة عابرة من استلال الموت من المياه التي عبأت رئتيه وهو يحاول السباحة في بركة الحاج قاسم، هناك التقى مع الموت وجها لوجه، ربما تحادثا حديثا خاصا مطولا قبل خروج الروح من مسكنها؟ وربما كانت معركة بين الحياة التي يريدها ماجد والموت الذي يمسك به من كل ما فيه؟ برز التناقض والتضاد، هناك دموع كاوية، شهقات تمزق الحلق، وحسرة تصهر الملامح والتقاسيم، وهناك فرح هائل من الأطفال الذين اصطادوا يوما بعيدا عن العصي والمطارق التي تشوي الأقفية والأيدي والوجوه.

جنازة ماجد، لم تكن فيها رهبة، ما زلنا أطفال، نخاف الليل أكثر من خوفنا من الموت، لم يكن للموت رغم ما فيه من مجهول وغامض أي قيمة في نفوسنا أو عقولنا، لكن، يوم جنازة سامي الجرمي، كان الهول وكان الرعب، الممتد من اللحد والكفن، حتى شهور متلاحقة.

كنا كما يوم ماجد، نغزل الفرحة وننضدها، يوم عرفنا بأننا سنشارك في جنازة زميلنا سامي الجرمي، الذي توحد مع الموت واندمج فيه، الجنازة كبيرة بسبب عدد الطلاب، والموت حديث من يحمل النعش الصغير، ومن أدرك معناه وهيبته، كان مرافقا لكل خطوة من خطوات الجنازة، بثقل وخفة، ثقل على الكبار، وخفة علينا، وصلنا المقبرة برفقته، كان ينظر للحد، أنزلوا الجثة، وبدأوا برص القوالب الإسمنية فوق اللحد، ثم بالطين أغلقوا كل شق وفتحة، بدأوا يهيلون التراب، فتعالى صراخ محشو بالرعب والهلع، صراخ من ذرات التراب، من القبر الذي كاد أن يكتمل ليخنق الصوت المنزوع من جسد الموت.

بدأ الحفر بقوة وعزم، نزعت القوالب الإسمنتية، فنهض سامي بكل قوة ممزقا الكفن، وخرج، على ملامحه عالم آخر، أفلتنا سيقاننا للريح، سبقنا الزمن والضوء والصوت، جيش من الخوف يكتسح الشوارع والأزقة والمداخل والمخارج، والموت يطاردنا، يطارد أنفاسنا المكتظة باللهاث، يومها وقفت بعيدا، على رصيف مهجور، بين حشائش ممزقة مفتتة، مكفهرة، رأيته قادما نحوي، بين الحيرة والخوف كنت أحاول ترويض ذاتي التي كانت قد نزعت الحبل السري، ذاتي التي ظلت ترى في الرحم قبل نفخ الروح عوالما وأكوانا، كان علي محادثته، وكان عليه محادثتي، نحن التقينا سابقا، وها نحن نلتقي، هو على الرصيف المهجور قبالة رصيفي، يحدق بي، وأحدق به، عليه وعلي المبادرة، على أحدنا أن يقول شيئا كي نبدأ الحوار، نفتح أبواب الصمت للرياح، شعرت بشيء ناعم فوق قدمي، نظرت، صرخت صرخات سامي وهو في العتمة التي تسيطر على القبر، وانتفضت، كانت أفعى مرقطة تتلوى وهي تضج بسمها، قفزت نحو الرصيف الذي يقف عليه هو، تلاشى، تبخر، لكنه همسه ما زال يرن في أذني: سنلتقي ربما نتحاور؟ وربما يكون صمت الصمت الفاصل بيننا؟

أنا وهو في سباق، لحظة الميلاد لجأت إليه، وقف فوق رأسي مباشرة، كان جميلا، رائقا، صافيا، مثل شهية متفجرة لتوق تتداخل شفافيته مع نور خفي في ضياء يكسوه الخجل، وكنت في أوج التماهي والتلون بكنهه وسره، لكنه غادرني، بلحظة يصطدم فيها مع البقاء على هاوية انتظار قلق يغلي بالتوتر والتداخل والافتراق والالتقاء.

تحدثت معه من قلب المجهول النابض بالغيب، ضجيج الصمت، قصة قصيرة كتبتها وأنا في سن صغير، ضجت بي وضججت بها، رأيت بطلها وهو يقطع أوتار وشرايين وأوردة المعصم، دماء تسيل، وألم يذبحه الألم، وروح تتصعد، ونظرة كأنها كهف في ناصية جبل مهجور في عالم مهجور.

بعدها بأعوام، تمزق معصمي، فارت الدماء في كل مكان، تقطعت الأوردة والشرايين والأوتار، تحققت النبوءة، سقطت في غيبوبة، هناك كان بانتظاري، يبتسم، في تكوينه رغم التصاقه بي، بعيدا بعدا يكاد يكون غير مدرك، نهضت من الغيبوبة، تقاسمني الألم والوجع، وحسرة مزقت قلب أمي، ولوعة فتت روح أبي، ورائحة الموت، التحلل، تنتشر بأنفي وذاتي، لحم يتعفن حول الجرح الغائر، ميت تماما، لا بد من استئصاله، رفضت التخدير الموضعي والكلي، كان المبضع يتحرك مرافقا للمقص وهما يجتثان التعفن مع القليل من اللحم الحي، كنت أنظر لأجزاء مني تموت، تحصل على مبتغاها، وأنا حي، بين دهشة مستلة من ذهول متمكن، قيح وصديد، يتحرك في الساعد، كمُهل بركان يتمخض ويزفر، وعذاب يعذب القدرة ويلوح الاحتمال، كان قريبا مني، قرب الوريد، يمضغ بعض أجزائي، لكنه تركني بنفس الفجأة وهو يهمس بنفس الهمس: سنلتقي أنا وأنت، ربما نتحاور، وربما يكون للضجيج صمتا أثقل من صمت الصمت ذاته.

هو الموت، الغريب القريب، القصي الدان، اختبرته أكثر من مرة، ربما يعتقد البعض بأن له ذات المذاق، هذا ليس صحيحا، نكهاته مختلفة، متباينة، تتصل بالشخص الذي يتذوقه من بعيد، يحس به، يراه في وجه من دخل في عالمه، بألم محشو بألم، بفزع منقوع بالفزع، وبهدوء مجلل بالهدوء، وبفجأة تنزع الألم والفزع والهدوء من عالمين مختلفين، عالم الميت الذي يرى ما لا نستطيع رؤيته، وعالم الحي الذي يستل الفقد كل ما فيه ليسجنه في متاهة الذهول والشده والدموع والحسرة.

يوم مات والدي، كنت بعيدا، في منفى قسري بين جدران سجن عسكري، جاءني الخبر يقينا بالإحساس، قبل وصوله لمسامعي من الشفاه، أول اختبار، صاعقة خاطفة سريعة، رمتني بين المنفى والمنفى، بين الغربة رغم قصر المسافة، وبين العجز الذي سرى كجيوش نمل ناري في ذاتي، تحت الجلد، في المسام، بين الجفون والمآقي، سقطت السماوات مرة واحدة، تصادمت طبقات الأرض، تفجرت البراكين، شلت المشاعر، صفدت الأحاسيس، تناوشتني ذكريات وتقاسيم وملامح وجهه، بسمته العفوية النقية كحرية تضج بالجمال، جاء الماضي خاليا من الحاضر والمستقبل، كان أبي، غاب أبي، مات أبي، ضحك أبي، تنفس أبي، أمسكت الحاضر، حاولت خضه، كان خاويا من أبي، تشبثت بالمستقبل، رججته، كان خاويا من أبي، نظرت هنا وهناك، بحثت عن الموت في زوايا الغرفة، سقفها، القضبان التي تفصلني عن رؤية السماء، لم يكن الموت هنا كعادته، لم يزرني، فقط كنت أود أن أسأله سؤالا واحدا: هل تعذب أبي؟

لكنه غاب، تركني وحدي أبحث في رؤاي عن ظل خفيف يقودني نحو قطرة من رجاء تخبرني عن اللحظة الأخيرة لوجه والدي وهو يغادر الدنيا بقهر واستسلام، وحين حاولت الجلوس تعثرت بضعف دخل كياني، ذهب الركن الركين الذي كنت أستند عليه لأمحق التعثر والتبعثر، غاب الحائط المتين، قصم ظهري مرة واحدة، كساح في الداخل والخارج، في الأعماق والسطح، عرين بلا أسد هي الحياة، انهيار للموئل الذي كانت تلوذ به ذواتي كلها دفعة واحدة، حين تأتي الحياة لتعضني وتعصرني، نثار ممحاة أمسكته عاصفة قمعية، سحبته نحو فضاءات مفتوحة على التوسع والتمدد.

يوم ماتت أمي، لم أكن بعيدا، كنت بجوارها، تتنفس، تشهق، تزفر، لكنها في عالم غير العالم الذي نحن فيه، لم أعرف إن كانت تسمعني وأختي صبحية وزوجي ونحن فوق رأسها، ندعو الله أن يخفف عنها جبال الألم التي كانت تضغط عليها بكل ما فيها من قوة وثقل، رائحة الموت قريبة، خطواته تكاد تكون مسموعة، حتى همهمته رغم خفوتها كانت تخضنا خضا، هناك الحنان كله، القلب الذي يسير على الشوك والإبر والدبابيس، كي ننعم نحن ببسمة أسرع من صاعقة مصابة بالصعفة، هنا الدنيا بما فيها من شهد مصفى، عسل منقى، هنا يأتي الوطن كله دفعة واحدة متوسلا شيئا من رائحتها، ليكون رائحته، يشد همته بهمة الزمن وهو يقترب ليأخذ قبسا من نورها، كي يستطيع إنارة الطريق للشهداء وهم يدفعون بأرواحهم نحو المرفأ الذي وعدوا به، هنا أمي، وأمي، وأمي.

نحن، والكون، والزمن، والمكان، يصفدنا العجز الذي يجردنا من أنفسنا، صحارى تعذبها رمالها، تشويها حرارتها، تسفعها عواصفها، وهي مكانها، تئن وتئن، تحمل الرياح حشرجتها، تحولها لصفير يقطع الفيافي والبيد، يلتقي مع حشرجات مخزنة منذ دهور ودهور، وفجأة، برمشة عين، بأقل من ذلك بكثير، شهقت، وانزلقت من عالمنا لعالم الغيب المشحون بالغيب، قفزت كطائر صغير من عشه لآماد لا نهاية لها.

تجلدت ذواتي وأنفسي، بحثت عنه في كل جزء وذرة من ذرات الغرفة، كان هنا الآن، لمس أمي، سحب روحها، لم يتمكن بعد من المغادرة، فقط أود أن أسأله: كيف استطعت أن تفجعنا ونحن هنا نحاول كما الوطن أن نشم شهيقها ونستل قبسا من زفيرها؟ همهمته تخفت قليلا، وفي لحظة ذهول رأيته يبتسم، لم يهمس بشيء هذه المرة، كان حادا وواضحا، جليا بكل ما فيه من غامض ومبهم.

نبت السؤال مثل فطر يخترق نملة سيرها نحو الرطوبة لتكون وعاء لتكاثر أبواغه: متى سنلتقي وإياه مرة أخرى؟ أي حسرة قادمة يود زرعها بقلبي وكبدي وروحي؟ وربما سيزرع حسرتي القاسية الحامضة بقلوب تحبني؟

كان اختبارا هائلا، جمع كل الماضي من أبي، من أمي، وفاض من كل الشواطئ، كسيل هائل من جبال متحركة تأكل كل ما في طريقها، وكنيازك سقطت من السماء فرجت الأرض رجا، بستها بسا، صهرتها في حمم تصهر ذاتها، وفرقتها كما تفرق الزلازل الفوالق وتزحزحها، انخسفت عوالم كاملة بأعماقي تحت طبقات من الألم والوجع والتفجع، كان خبرا لا يمكن للكون المرور عنه بغفلة، ولا يمكن للزمن تفادي الوهلة، هناك، في حيفا، كانت الشمس تأتي كل يوم، مع كل غروب وشروق، تنحني، بشيء من الشوق المحمل بكل الشوق، تلمس وجه أختي صبحية، تستأذنها الشروق والغروب، وكان القمر حاضرا بتبتل وهيبة، ليقف أمام سهوم نظراتها العائمة في التوق المتعاظم، يشد على البريق المنبعث من السهوم، من الحيرة، كي يسألها الاكتمال ليكون بدرا، وكانت فلسطين كلها، الوطن كله، يقف أمام بسمتها، برفق ويسر، ينادي ما فيها من أسرار مخبأة في قلبها، لتمنحه الثبات على ما هو عليه، أن يكون ويبقى الوطن، فيحمل روائحها، الياسمين، المريمية، ليلة القدر، الزيتون، البرتقال، شفافية زهر اللوز، خجل الكرز، حياء الجلنار، ويعود لنواته التي تشكلت من نواتها، الوطن.

هكذا بلمحة من برق مخطوف من رؤيا، قيل: صبحية ماتت. تداعت الأكوان، تقوس الزمان، تحدب الوقت، نهضت أمي من قبرها، جاءت محملة بروائح الغياب، نهض أبي من قبره، محملا بروائح الغروب، جلسا بجانبي وهما يمسكان بسويدائي، هناك نقطة متجلدة فيها، بدأت تكبر وتتضخم، وفي الروح جذوات تشع فتكوي، احتضنتهما، وغرقت في فزع يغطس في هلع، أماتت أختي؟ قالا: نعم، كنا هنا ننتظرها، نشد الزمن بحبل من نور، فنحن رغم مكاننا في غيهب الموت، لا نعرف متى ستصلنا؟ وحين وصلتنا، خفنا عليك، جئناك كي تفتح ذاتك على نداء كان يراودها، في المسجد الأقصى، يوم صلت صلاة مرابطة أبية، ودعت لك ولأولادك، بصوتها الناعم كمخمل لم تعرفه الدنا والأكوان، إلا حين كان يخرج من فمها المشقوق من معجزة خاصة بها.

جئنا كي نشد على قلبك، يوم تراها وهي تصنع بيديها أقراص الزعتر البري، وتتألم لأنك ليس هناك لتأكل مما أنتج عطفها ورقتها وصفائها وبراءتها، فتضخ التمني بأن تكون هناك، في السنة التالية، كي تأكل مما تشتهيه لك.

الموت كان يتربص بها، بك، يدور بين الشوارع والأزقة، يراك وأنت ترسم صورتها على رؤاك، على صوتك، على صمتك، على فرحك، على بسمتك، ويراها وهي تحملك في أعماقها، كما حملت أطفالها، قرب القلب وقرب الروح، وهي تشمك في الشومر والعكوب، بين العطرية والجوري، فتأتي للمخيم، لترى الناس هناك، كي تراك فيهم، في وجوه من عرفت، من أصدقاء، وجيران، وأتراب، فيهم، وفي المكان، في الزمان، كثير من رائحتك، من ذكرياتها معك، يوم خرجت من البيت كعروس، فلحقت بها والدموع تتفجر من عينيك، والحجارة تنهال من يديك على السيارة التي تحملها، وأنت تصرخ: أريد أختي صبحية. لم تطق رغم الفرح والناس فراقك، نزلت بفستان فرحها الأبيض، ضمتك لصدرها، وحملتك لتكون بينها وبين عريسها.

في تربصه حياء، لأول مرة نراه، حتى يوم جاءنا، أنا وأمك، لم يكن هناك شيء نلمسه، غير التسليم لخالقه وخالقنا، ربما هو يعلم مدى هشاشتك وتشظيك أمام أختك، حبيبتك، صفيتك، خليلتك، صديقتك، أمك، والدك، دناك وعوالمك، فهي لا تشبه أحدا ممن تعرف، ولا يشبهها أحد ممن تعرف، هي كل عائلتك، وكل عائلتك هي، الجميلة فيما تركنا وراءنا، الندية بين الجفاف واليبس الذي يحيط بك، أليس هي من مسحت على رأسك يوم رحيل والدتك؟ أليس هي من طبعت على وجنتيك قبلات حياة تفتك بالموت الذي حاق بأمك؟ أليست هي من نفخت بفمك الحياة لتقتلع طعم الموت الساكن مسامك من غبار القبر؟ أليست هنا من ضمتك لصدرها بقوة ثقب أسود كي تمتص العذاب الذي سكنك؟ أليست هي من مسحت الدموع عن خديك ووجنتيك بكفيها وعادت لتمسح بهما وجهها كي تشعر بحرارة الألم وتوقد العذاب الذي يسكنك؟

صبحية هي الأخت والأخ، بعد رحيلها، لن تستطيع الآن امتلاك فمك، أوتارك الصوتية، لتصرخ حين يلم بك وجع "آخ، فالأحياء يعيشون في زوايا النفوس التي يريدون أن تحقق رغباتهم فيها، حتى على حساب الأموات، يبحثون عن ثنايا يخلقها الوهم، فيظنون بل ويعتقدون أنهم ملكوا الحقيقة، ترفق بذكراها، فإن فاتك جبر خاطرها، اقتلاع حزنها، اجتثاث شعورها ببعدكم عنها وهي في الرخاء قبل الشدة، تشدد حتى حد الشدة التي لا تلين في فرض حرمة موتها، حرمة ذكراها، وحرمة من كانوا جزء من تكوينها ونواتها، ترفق بعنان، وحنان، بعبد الرحيم، بهيثم، احملهم في المآقي، في البؤبؤ، حتى لو كانوا يحاولون لومك وعتابك، هم الأثر الوحيد الحي الذي يجول ويتحرك، يحمل صوتها، رائحتها، حبها، تفانيها، ادفعهم في قلبك، واحشرهم في روحك، عندئذ، كن على يقين بأنك تجبر في خاطرها وهي تحت ضغط الموت ووطأة الفقد.

كانا يودان الذهاب، لكنهما من بين شفافية نور على محياهما، تبسما، وأشارا لي نحو ممر طويل، تتناثر حبات الضياء فيه، رأيتها قادمة، بيضاء كما عهدتها، رائقة كما عرفتها، صافية صفاء اللطافة، متوهجة توهج الرحمة، وعلى كل جسدها تتوزع النجوم والبسمات، تقدمت، مدت يديها، حملتني على الضياء، غمرتني بالبياض، جللتني بالصفاء، كللتني بالتوهج المحمل بالرحمة، دفعتني نحو صدرها، قالت: قلبي عليك يا حبيبي، هل قالت لك ابنتي حنان: بأنك تحمل الحنان الذي كنت أحمله لها ولأخوتها؟ نعم قالت لي ذلك. هل قال لك عبد الرحيم: بأنك من ربيتهم يوم كانوا يعشقون البيت الذي تسكنه مع والدي؟ نعم قال لي ذلك. هل قالت لك نيفين: بأني مت وأنا راض عنك وعن حنانك؟ نعم قالت. هل قالت رازان: بأني لم أحمل لوما أو عتابا لك أو عليك؟ نعم قالت. هل قالت لك عدن: بأنك خالها الغالي؟ نعم قالت.

وضمتني من جديد، شعرت بالحياة تتفجر ينابيعا، فراديسا، كالبلدة التي قضت حياتها فيها قبل رحيلها، بلدة الفراديس، كانت تشد على قلبي، قالت: افتح فمك، وفيه نفخت، قالت: جزء من روحي كنت طوال حياتك، وهذه النفخة جزء من روحي التي منً الله علي بها قبل الرحيل وبعده، كي أبقى فيك، وتبقى في، كي تكون أنت أنا، وأنا أنت، كي نكون عنوان ذكرى ووفاء.

والدي ينظران، يبتسمان، يهمسان، فيهما يتجلى الرضا، عانقتهم، عانقوها، قالت: هذا أخي، حبيبي، خلي، صديقي، ابني، قالا: لم يكن بالصوت، بل بالصمت الحنون، صمت الحق، الحق فقط، ستبقين أنت في قلبه وروحه، تاج الحياة، قمة العطاء، لكنه سيبكيك، قبل الميلاد، في الميلاد، وبعد الميلاد، بكاء شوق يحرقه الشوق، وتوق يشويه التوق.

هذه المرة، لم ألتق بالموت، لم ألمحه، حزني عليك ملك كل تكويني ومكنوناتي، سري وجهري، قطعة من عذاب تمشي على الأرض، تلمح الوجود بلمحات عابرة، يردها الموت نحو أجساد غادرت، جسد والدي، والدتي، أختي، فتبقى الرؤى معلقة على ألواح الحنين المشحونة بالذكريات، بالبسمات، ببريق العيون المتراقص شوقا ولهفة، بدعوات مرفوعة بالأيدي والوجوه نحو السماء، نحو الخالق، البارئ، المصور.

ظننت بأن الشقة بعدت بيني وبينه، هو الموت، الحاضر الغائب، لمسني بوضوح أشد نقاء من النور، لمسته بتوق الغريب للإياب من هجرة رحم مخصب بالدفق والتدفق، شددته نحوي بأنامل تكاد لا تملك من سواعدها ومتونها شيئا من قوة، حتى جاءني يوما بجملة صغيرة من طبيب، هناك كائن صغير يسكن دماغك، لكنه فتاك، بينه وبين الفناء علاقة وطيدة، أحد صور الموت، الرحيل، عدت للبيت، ابنائي على الفراش، يغرقون بسبات عميق، وجوههم تقفز كفراشات ملونة، تضح الحياة في الورود والأزهار، في الجمال والحرية، نظرت حولي وأنا بين شتات يطارده تفرق وتطاير، ناداني من بعيد، هذه المرة شعرت بقسوته التي تتواءم مع القهر والمصائب، لم يكن قد تبقى بأعماقي علاقة تدفعني نحوه كما فعلت يوم الخروج من الرحم.

قال: ظننت ببعد الشقة بيني وبينك، وكأنك لم تدرك ماهيتي، أنا الحق، اليقين، هل غابت أسمائي عنك لهذا الحد؟ كل شيء، كل جماد وحي، كل ما يرى وما لا يرى، ما يحس وما لا يحس، له في ثناياي مكان، مكان في النهاية، حتى أنا ذاتي، لي مكان في النهاية، سيبقى فقط من خلقني وخلقك، من صورني وصورك، من بعثني ومن بعثك.

قلت: إنسان أنا، أكثر شيء جدلا، هلوعا وجزوعا، تؤلمني شوكة صبار تتطاير بين نسمات لا ترى، تستقر على الجلد، يتهيج، يحمر، يتجمر، يمد في النفس والروح وديانا وفجاجا من ألم يكاد يطيح بعزمي وحزمي، لسعة نحلة تستطيع أن تغيبني عن الوجود لوهلة، تحتجزني في قاع الألم الذي يذيب الحياة ولو لثانية أو هنيهة.

رأيتك يوم كتبت قصة ورم، ويوم كتبت الجزء الثاني منها، تحدثت معك، تحاورنا حوار المادة مع الروح، الفناء مع البقاء، أنت كنت صاحب الثقة، رغم محاولاتي اقناعك بأني انتصرت عليك، هذا أنا الإنسان، الذي يحاول لملمة الغيب في وعاء من فخار من المعلوم، فتنكسر المحاولة وينكسر الفخار، هذه تذوب في الغيب، وذاك يتلاشى بعمق الغيب، لم أود – تكبرا وتجبرا، جهلا وتمردا – الاعتراف الحقيقي، العملي، بضآلتي كفرد، وضآلة الكون ككل، أمام سطوتك وجبروتك، والأهم أمام حتمية انتصارك علينا جميعا، شئنا أم أبينا، رضينا أم كرهنا، حتى وصلنا إلى كهف يغذينا بقليل من نور كي نظل نحقن ذواتنا بالغباء ونحن نظن بأننا قد حددنا ملامح الحاضر والمستقبل.

الآن، وبعد أن سحبت من روحي شيئا من جوهرها، لففت أختي صبحية بالغيب الذي نحاول الادعاء بأننا نعرفه، علي أن أقدم اعترافا كاملا، واضحا، راضخا، عن علاقتي بك، لماذا أكرهك؟ رغم يقيني المطلق بأنك تقف على بوابة العمر المكتوب لتستل الروح من مكانها، فأصبح كما كل من سبق، غيبا منسيا، وكأنه لم يكن يوما هناك كائنا يكتظ بالأمنيات والأحلام والتفاصيل، لم يكن هناك شوق وتوق ورجاء وطموح وخيال ووهم، ربما بهذا الاعتراف أترك شيئا مني للغيب، الذي يدرك المعلوم، دون أن يدركه المجهول.

هل تصدق إن قلت لك: بأن الدنيا كلها، الأكوان كلها، بما فيها من مسافات وفضاءات، من امتدادات وتوسعات، تأتي محجمة، صغيرة، فقط بحجم ابتسامة ولدي معتصم حين يقفز الفرح من عينيه وصوته وهو يقدم لي كل ثمين ونفيس، من أجل الشعور بأنه حقق لي ما يستطيع تحقيقه حتى لو كان ذلك على حساب مستقبله ومستقبل أولاده؟ أنت لم تكن هناك معنا، يوم كنا في المشفى ننتظر بصبر نافد وصول لين من الرحم لكفي والدها، لصدر والدتها، يوم جاء معتصم من غرفة الولادة، تتقاسمه السعادة وتتملكه الفرحة، وتكتظ بأعماقه النشوة، ليرمي نفسه بحضني، يقبل رأسي، يشمني، ويقول: هذه جزء منك يا أبي، يومها رأيت الدنيا تتكوم بين ريش طاووس وتاج هدهد، ترقص وتغني، كان يتشقق فرحا، كالأرض حين تتنفس حبات الندى.

لم تكن يوم شرقت بلعابي حتى الغصة، وبدأت أخور كثور مذبوح وأنا أتلوى كأفعى غاضبة بحثا قليل من الهواء للتنفس، لم تكن هناك، لترى امتقاع لونه وقمة عجزه وهو يدور حولي كأنه من فقد التنفس، أنت لم تكن هناك يوم أشترى سيارة حديثة كانت نفسه معلقة بها حد الانبهار، فآثرني على نفسه.

لم تر فرحته حين كنت أزوره في بيته، فيهرب أولاده للاحتماء بي منه، كأن يقول: هكذا كنا نختبئ خلف جدتي يوم كنا نهرب منك. لم تسمع جملته يوم سألته الطبيبة النفسية: بمن تثق في حياتك؟ ففاجأها الجواب القاصم الحاسم، بوالدي فقط.

هل كنت موجودا يوم اتصل بي ولدي أحمد من المشفى، ليقول وهو ينخرط ببكاء أفقده اللفظ والمفردات، جاءت ريما يا أبي؟ أنت لم تعرف كيف كانت الدنا تتحدب لتصل حد الظل المشبع بالطل يوم مسكتها وهي تتنفس أنفاسها الأولى بالحياة. لم تكن بكل ما فيك موجودا وهما يدوران حول مائدة الطعام، يبحثان عن أفضل اللحم طراوة ولذة ليقدماه لي، لقمة خلف لقمة، وملامحهما تكاد تتساقط من شدة الفرح وأنا أمد يدي لالتقاط ما يقدمان لي.

أنت لا تعرف اللحظة التي يقتحمني، يستعمرني، يستبد بي، شعور البهجة والتحليق بين النسيم والنجوم والأقمار، لحظة اندفاع أحفادي نحو الباب وهم يصرخون: جدي، جدي، فتنام الحياة بهدوء في قلبي، طلبا لقليل مما أشعر وأحس. وستبقى بعيدا عن اللحظة التي يصحو أحد أحفادي باكرا وأنا على الحاسب أكتب شيئا، فتأتي رافعة يديها نحوي كي تستقر بحضني وهي تثغو بكلمات خفيفة ناعمة، ثم تلصق خدها بخدي، وترمي رأسها على قمة كتفي ليلمس وجهها الطفولي رقبتي، فتنتفض السعادة، وتثور النشوة، وتلتحم الفرحة، حتى تكاد تعصف بالروح وتوردها موارد الألم المندمج باللذة والاستعذاب.

لم تكن يوم جاءني ولدي مصطفى ليسألني: هل ستصبح حجا؟ ويقصد بذلك الرجل الطاعن في السن، قلت: نعم، قال: وهل ستموت؟ قلت: نعم. فقال: لا، لا أريدك أن تصبح حجا، ولا أريدك أن تموت، وحتى لو مت، لن أخرجك من المنزل، ستبقى هنا لأراك كل يوم.

يومها بحثت عنك، خلعت أحذيتي وأقدامي، تهت في التجوال والتنقيب، كنت فقط، فقط أريدك أن تسمع ما قال طفلي الصغير، لكنك كنت كما عادتك في الغيب، حاضرا أمام أب أو أم تستل الروح منها ومنه.

علاقتي بك ليس كعلاقتي بك يوم الميلاد، هذ اعتراف صريح وواضح، فأنا اليوم أقف أمام سرب من الطيور التي خرجت من صلبي، كل واحد منهم فيه شيئا من رائحتي، من رائحة أبي، من رائحة أمي، وفينا الكثير الكثير من روائحهم، من البراءة المستقرة بالصفاء والنقاء التي تجري من فطرتهم، أنا لا أبحث عنك كي ألتصق بك كما فعلت يوم فككت رباط السرة بعد خروجي من الرحم، بل أود فقط محادثتك، حديث النهاية للنهاية، كي تخبرني فقط، كيف سيكون أولادي، أحفادي، يوم تزورني زيارتك الأخيرة.

سأكون منافقا حد الخديعة لو قلت بأني أحبك، لكنني أعلم يقينا مستل من اسمك، اليقين، بأني غير جاحد أو كنود من دخولي عالمك، لأني كما قال لي ولدي معتصم يوم رآني أغوص بكآبة عميقة خوفا من الرحيل وفقد رؤيتهم ولمسهم: لا تحزن يا أبي، أنت ستغادر عند من هو أفضل منا جميعا، سترى بدلا منا وجه الله إن شاء الله.

نعم، هنا سأقف لأقول لك قولتي الأخيرة: لست أخشاك، رغم ما يشدني من انسانيتي للحياة، ورغم تملك الرهبة ذاتي حين تمر من جانبي، فأنا سأمر من غيبك نحو وجه خالقي وخالقك، لأكون هناك بين رحمته ومغفرته، ليس بين عدله وقسطه، لأنني برحمته فقط وحنانه الذي يفوق حنان الأم والأب، أستطيع أن أشعر بالطمأنينة وأنا في الحياة أتقلب مع تقلباتها، وأنا في الغيب الذي لا يغيب عن تلك الرحمة وتلك المغفرة.




مهداة لوالدي وأولادي وأحفادي وأختي صبحية، علها تكون صدقة جارية عني وعنهم يوم يلفنا الغيب لنكون بين القدير العزيز.



مأمون أحمد مصطفى زيدان

فلسطين – مخيم طول كرم

15- 2- 2023

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...