عبد الحكيم قاسم - القضية.. قصة


· الدعوى

زفر مقهورا ..! -
انا لم أقتلها ..!-
فك اللفاع الصوفى عن رقبتة قليلا ليتنفس . الناس يقولون عن هذا اللفاع، أنه يأكل من رقبته فتنحل يوما بعد يوم . كلهم ذاهبون الى مأتمها. يحس تزاحم خطوهم وأنفاسهم وخشيش جلابيبهم حوله. راجعون من صلاة العشاء. لذعه البرد والخوف فتشبث باللفاع، يلتف حول رقبته مثل حبل المشنقة. أنقضت عليه نوبه السعال حتى كادت عيناه تخرجان من محجريهما ...

- أنا لم أقتلها ...!

ويوشك السعال أن يقذف بروحه خارج صدره. أستند على حائط قليلا حتى أستعاد أنفاسه . عيناه المليئتان بالدموع لاتبصران ماحوله لكنه مشى يدب الى مأتمها .
دار بعينيه من أسفل حاجبيه مستطلعا الوجوه الناكسة الصامتة. وطرف محاذرا ناحية قارىء القرآن . محجرا عينيه عميقان مطموسان بالظلال. ملأه الوجه الأعمى بالخوف . أدخل رأسه بين كتفيه . كان وجهها أيضا مخيفا . كانت ساقاها نحيلتين كحديدتين . كانت أذا تسير تحجل . أرتعد كأنما يسمع خطوها الحاجل يطارده في عتامة الزقاق ليلة أن سرقت نقوده .
ليلتها تحسس جيب جلبابه فلم يجد النقود في المنديل . استدار مرعوبا صارخا :
سرقت مالي ياامرأه ...!؟
ومضت عيناها في الظلام كسكينتين وهو تضائل أمام غضبها . صرخت فيه :
- امش من قدامى .. ملعون أبوك .. نجس مالك !
اختنق. احتبس نفسه تماما . تعلق بوجه قارىء القران المخيف نظره . السعال انقض عليه مرة أخرى يمزق صدره . دارت وجوه المعزين ناحيته والقارىء سكت وهو قام بسعاله خارجا ينشد الهواء . استند على حائط وظل يسعل حتى برد جسمه
وتثلجت أطرافه وأحس برأسه يذوب. انهار جالسا بجوار الحائط.
ليلة أن ضاعت نقوده ذهب الى امام الجامع وبكى بين يديه:
- انها كانت ماشية في الحارة على اثرى.. وصرة النقود سقطت منى ... هى التقطتها بلاشك .. وهى المتهمة بلا شبهة..!؟
وامام الجامع أطرق قليلا ثم قال :
- فليقض شيخ المندل في الأمر بعلمه اللدنى ...!!

· القضاء

تعذب امام الجامع عذابا أليما ليقوم واقفا من مجلسه على الدكة . طويل نحيل كعود القصب . يفرج بين ساقيه . شيء مامدلى بين وركيه يثقله بطريقة أليمة . وجهه أصفر كالميت . عيناه مائجتان . مضى تاركا المأتم . يسير خطوا قصيرا مضطربا مثل طفل يتعلم المشي.
يحس عيون المعزين في ظهره ، وطنين صوت قارىء القران الأعمى . خائف لم يعتد بعد ظلمة الشارع . الأركان مشحونة بغموض غريب . تداخل في نفسه . يمشى خطواته المتعثرة . يتجاسر الومض في جنبات العتمة . الخوف يسرى في أوصاله . يتصورها عيونا تومض بالأدانة . يكاد يموت خوفا . بذل جهدا ليحرك موات شفتيه . تخرج الكلمات من فمه مرتعشه . اية الكرسى تدثر قلبه بالأمان . انطلق يقرأ متشبثا بالحروف .
يالسر الكلمات . ارتفعت همساته بالتلاوة وازدادت هزات رأسه عمقا . غمر روحه الأسى فتحدرت دموعه غزيرة ذليلة . كم سهر وحيدا في الليل . كم سهده سر الكلمات ، لكنهم لا يفقهون . هؤلاء الفلاحون . البقر العمى القلوب .
اعتادت عيناه العتامة فأصبح يرى . وقف مستندا على عصاه ناحلا مفرج الساقين ينظر الى الأمام بعينين مريضتين وحوله تقف أكواخ الطين السمراء صامته تتدلى على جباهها عيدان الحطب ثقيلة الأهداب بالندى . همس محدثا أكواخ الطين كأنما هى الناس قعودا على حصر المسجد الجامع :
- كانت لها عينا شيطان مريد .. كانت تجحل كقردة .. لم تكن أبدا امرأة صالحة .. حطب جهنم .. حقت عليها كلمة الله بما سرقت ..!!؟

· التنفيذ

جاء الناس جميعا . ضجيج هائل . وقف امام الجامع وسط الحلقه نحيلا مفرج الساقين مستندا على عصاه وبجواره شيخ المندل . رفع هذا ذراعيه الى أعلى فسكت الناس تماما . مد يده فقبض على معصم طفل صغير . مات الولد خوفا . وضع صاحب المندل على الكف الصغيرة المبسوطة قلة هجينا لم تبل أبدا بماء . ترك القلة في يد الطفل المرتعشة المبسوطة ورفع ذراعيه ووجهه الى السماء وبدأ يتلو كلمات غريبة غير مفهومة لأحد . وجهه معروق مخيف . صرخ في الحاضرين :
- فليعترف السارق بجرمه قبل ان تحل به الفضيحة ... والا فان القلة سوف تعرفه بسر الكلمات .. وبسر المندل .. !!
تقبب الصمت كأنما هو منصوب على شواهد قبور طينية .
بدأت القلة تهتز ، ترقص ، تميل والولد منقاد لها من ساعده النحيل . تأخذه سائرة به الى داخل الحارة والناس خلفها زحام صامت لاهث الأنفاس حتى دار المراة السوداء الصغيرة . دار كالجحر بلا بهيمة ولا عيال .
وما استقرت القلة على الدار حتى صرخ الناس . صرخة واحدة . صرخة وحش متعطش للافتراس . التصقت المرأة بالجدار تصرخ مرعوبة . تقدم اليها امام الجامع :
- ردى المال الى صاحبه يا سارقه !!
وصراخ جمع الناس وراءه :
- سارقة .. سارقة !!
والمرأة السوداء الصغيرة لا ينقطع نحيبها المرعوب الملتاع .
عاد الناس الى الباحة على رأس الحارة . وقف الجميع متحلقين حول امام الجامع والشيخ صاحب المندل . أخرج هذا قربة. ظل ينفخ فيها متمهلا وئيدا ، والقربة تنتفخ رويدا رويدا ، تتجسم في شكل حيوان نافق متنفخ .
وشيخ المندل تكلم خاطبا :
- علقوا هذه القربة في دار قوم صالحين .. سوف تحل لعنتها على السارقة .. تنتفخ وتتعذب حتى الموت ..!
وقد كان. وعلى هذه الصورة، على صورة حيوان نافق منتفخ، وجدت المرأة السوداء الصغيرة في دارها ميتة بعد أن اختفت أياما لزمت فيها الدار لم تبرحها .
هكذا ماتت وهاهم الرجال في مأتمها ناكسوا الرءوس يسمعون القران من غلام مفقوء العينين .

· الحقيقة

كانت امرأة طيبة ، سوداء صغيرة طيبة . لم يعرف احد بنت من ولا الى من تنتمى. هكذا كانت. صبارة وحيدة لا تعرف من زرعها. لكنها كانت طيبة، تبكي وتضحك كالأطفال وتخمش من يؤذيها كقطة . تدور سحابة يومها على السكك تجمع السنابل الساقطة من احمال الجمال وتجمع الروث والحطب لوقود كانونها .
وهو ..؟ لا حول ولا قوة الا بالله ... ماذا كان بوسعه أن يفعل ..؟ في جيبه طول الوقت . المال المسروق ملفوف في قماش المنديل ومعقود عليه عقدتين .. لكن يا ستار .. ماذا كان بوسعه أن يفعل ..؟
عيناه مغمضتان ورأسه ناكسة وصوت قارىء القران يأتيه من بعيد . كأنما الله يعاتبه . وكأنما ثقل صرة المال الحرام في جيبة تجذبه تهوى به الى العذاب . الناس تضطرب بالأمر اضطرابا شديدا وهو جامد مشلول ، من ساعة مالقط الصرة من الأرض في عتامة الزقاق وهو جامد مشلول لايسعه أن يقدم على فعل .
نظر ناحية الرجل الذي يسعل بشدة . ود من قلبه لو أن روحه خرجت مع احدى سعلاته ذالك الابليس المرابى . ماينقصه لو ضاع منه ملء منديل وعنده في طاقة الجدار كوز ملىء بالجنيهات . كم فرح عندما لقط المنديل من على الأرض عند كعب هذا الكلب . وهو الان يقبض على الصرة بشدة موجعه وكفة تنضح عرقا .
يوم المندل ذهب مع الناس ليرى . صرة المنديل في جيبه تقبض عليها يده . القلة تمر به . قتل ألف مرة بفأس ثلمة .
لكن القلة اجتازته ومشت نحو دارها . ياستار . ماأتعس الناس الضعفاء المقطوعين .
ماذا كان يمكنه عمله ..؟ كانت القربة منفوخة معلقة في وسط دار رجل صالح والناس لاينامون من الرعب . وهو قعد في دهليزه مفتوح الفم مفتوح العينين جامدا لايطرف الى أن أعلن صراخ النسوان موتها وتنفست القرية الصعداء ... ها هو في مأتمها وصوت قارىء القران يأتيه كالنواح .
نواح يجتاح داخله . رعب يسحقه . يتفصد لحمه كأنه مريض بألف علة غريبة على الحكماء . هب واقفا . انطلق لا يلوى على شيىء الى بيت المرابى . كان متقرفصا في وسط داره يسعل يذهله السعال عما حوله . ألقى في حجره بصرة المنديل وهرب لم يعرفه أحد .

· والناس نسوا



فان للأيام القائظة أصائل ناعمة . وساعة العصر تكون الباحة على رأس الحارة ملعبا للنسمات الطرية . وبائع القماش يأتى ويحل صرته عن الأثواب الباهرة الألوان . والنساء حوله يضحكن ضحكات مكركرة ذات ذيول .
وساعة العصر يأتى بائع الأباريق - ذالك الجسور - لأسود الساعدين أسود الفخذين عظيم الهامة عظيم الالة . يقيم الأباريق حوله كأنهم أطفال سود ساكتون . يعابث النساء ذلك الجسور وهن حوله مائتات ضحكا.
وفي قيعان الدور تتعرين . يتدفق الماء السائل





--------------
* قصة للكاتب الراحل عبد الحكيم قاسم من كتاب "الظنون والرؤي" - 1986

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...