محمد زادة - همرين

لا علاقة لي بهذا العالم

لا بِماضيهِ السيّئ ولا بِمستقبلهِ المتخيّل

لا علاقة لي بما قد ينجم عن اصطدام كوكبين

لا علاقة لي بحياتي

ولا بكِ يا همرين




لماذا لا تضعين يدكِ على رأسي

كي أعود أصغر منكِ ولو لبضعة دقائق

أخبّئُ وجهي خلف فستانكِ

وأستريح في طفولتي

الآن أنا بأمسِّ الحاجة لأمٍ صغيرة

لم أكن واعياً حين كنتُ الطفل الصغير

وكانت أمّي شابةٌ مثلكِ

كانت بحاجة لأن أفسّر لها طبيعة الرجال

كما أنتِ الآن

وفيما بعد

لا علاقة لي بكل ما حدث لي

منذُ الثالثة عشر وإلى الآن

أعيشُ حياةً ليست لي

حياة كائنٍ يعاقب ذاته

أستعير ثيابه وأصدقاءه

أقضي مشاويره وأتأخر عن بعضها فيعذبني ضميره

أعامل أخوته كأخوتي

وأختلف معه في فكرة الإنتماء

فكرة أن تعيش ضحية

وتُنجب أطفالاً يحزنون على ماضيك




يعذبني هذا الكائن يا همرين

مثلكِ

مثل أزهار الجبل

لا عشب ليموّه طفولتها

أزهار الجبل مكشوفة مثلنا يا همرين


تنبتُ بمشقةٍ بين الصخور

وتأكلها قطعان الأيل




لا علاقة لي بالجبال سوى أنني

حملت أنينها

أنين الهاربين والنازحين

أنين الأمهات يرضعن أطفالهن فوق الصخور

وأنين الصخور تحت وابل القنابل




لم أكن أنا يا همرين ،

كانت روحُ رحّالةٍ حطّت بي

أبحرتُ كي أرمي فتات الخبز للحيتان

وعلى الشاطئ رأيتُ الحيتان

يجلسون في المطاعم الفاخرة

ولا يرمون فتات الخبز للفقراء

لا علاقة لي بالدروب ،


كنتُ أُجرّب أن أصير عدّاءً

فالتفّ على خاصرتي شريط النهاية

لماذا لا تضعين عينكِ في عيني

كي تساعدينني في العثور عليّ

لا تخافي مني يا همرين

لن أقع في حبكِ أكثر مما أنا عليه

ولا علاقة لي بهذا الحب

إنه هو

لا علاقة لي بكل ما يخصُّ البشر

لا علاقة لي بأبي ساعدته في تربيتي فقط

وأمّي

ساعدتها على التحمُّل ، بكيت معها في كل مناسبة للبكاء

لا علاقة لي بأمبراطوريةٍ كانت قبل ألفي عام

وملكٌ تخّت عظامه

لا علاقة لي بنفسي




جرّبتُ أن أكون سعيداً ، سقطتُّ

جربتُ أن أكون حزيناً ، سافرتُ

لم أُجرب يوماً أن أكون أنا

ولا أنتِ أنتِ يا همرين

كنتِ تضحكين في السابق مثل زنبقة الله

تنتظرين منه أن يسقيكِ

الله لا ينسى يا همرين

لكنه يمهل


يتركها تجف

ثم يحييها وهي رميم




الله لا ينسى

لأنه يسجّل كل ما يحدث بدقة إله

يسجّل لحظة الفكرة

وبدءُ النوايا

يسجّل الحديث الكامل بينهم وبين الوسواس

يسجّل دخولهم غرف نومنا

وخروجهم غانمين

يسجل أحاديثهم وهم يتقاسموننا

ويوثق كل شيء بالصور

صورنا ونحن نستعيذ به

صورنا ونحن نسافر مع الرصاص

صور الضحايا

وصورة القاتل

الله يسجّل كل شيء يا همرين

فلا تخافي من الغد

ولا من الموت

سنموت دون أن نعرف أننا متنا

على حجارة الطريق ونحن متكئين

سنغفوا

سنسمع اسماءنا يترحم عليها الأحياء

ونحن نعبر النور إلى جوهرة السماء

سندخل الجنة يا همرين

ولن تكون الأماكن غريبة علينا

سنشعر بأننا كنّا هنا

وغادرنا للحظات ثم عدنا

سنعرف الطريق إلى ديارنا وغرفنا

وسنرى الأشياء التي بدأنا فيها قبل الولادة ولم نكملها

ألعابنا ،

حيواناتنا الألفية

وأصدقاءنا الطيور


وسنتذكّر الملائكة من وجوههم

لقد كنّا هنا يا همرين

قبل أن نصير على هيئاتنا هذه

كنا ننتظر أمهاتنا

حتى تجهزن لنا الرحم والأسماء

ومكاناً للولادة

أنا ولدتني أمي في البيت

وأنت أيضاً ولدتكِ أمكِ في البيت

لكن رستم الجريح

ولدته أمه في وادي الخابور

وضعته وهي واقفة تتلفت حولها


وسنابل القمح تغطّي جسدها إلى أكتافها

ومن هناك تعلّم رستم الطيران

من عشرات التلال المحيطة بوادي الخابور

وفي العاصمة البعيدة

كبر رستم بلا اسم

ولم نعثر عليه يوم ضاع

من الصعب العثور على الذين بلا أسماء

فالشرطة لا تفتح محضراً بلا اسم

ومؤذن المسجد لا ينادي على ضائع بلا اسم

جميعهم يعرفون رستم

وأكلوا من قمحه

لكنهم لا يلفظون اسمه

خوفاً من دماء أمه في وادي الخابور

سندخل الجنة يا همرين

ولن يتغيّر شيءٌ علينا

حقائبنا المدرسية ستكون قد سبقتنا

طبيخ الأمهات سيكون على الطاولة

طاسة الحمّام وصابون الغار

كلُ شيء سيكون في مكانه

كما لو أننا البارحة تركناه

سأرى أبي وأمي

سأرى طفولتها في حضن جدتي فاطمة

سأرى جدتي عارفة وجدّتها

سأراها مثلي حفيدة

وأنتِ يا همرين

سترين كل أجدادكِ

سترينهم في صباهم وهم يزرعون شتلات الزيتون

في سهول الكتخ ووادي تيران

وهناك يا همرين

سأمسك يدكِ تحت شجرة التوت الأحمر

الحب حلالٌ هناك

الحب ابتسامة الله في وجوهنا

لن يقتلنا أحد

لن يذبح العم صبري أبنته لأنها أحبّت غريباً

ولن يقتل عمر آغا شقيقته لأنها أخذت وردة

من عاملٍ في موسم الحصاد

الحب فعلٌ رباني يا همرين

يُغضب الله إذ نخفيه

وكان الله مبديه

الحب جزءٌ من التقوى يا همرين

وإن الله يحب المتقين

ولكن

لا تقربي تلك الشجرة

شجرة الرمان

ستتناثر حبّاتها

مثل النجوم التي كنا نراقبها ونحن نيام على الأسطح

لا تقربي تلك الشجرة يا همرين

كي نبق هنا

لا أريد العودة للأرض

هناك يقتلون الحب والمحبين

هناك يمثلون دور الله

يعلمون أن الله يرى

الله يسجّل كل شيء يا همرين

الله لا ينسى

لكّنه

يترك زنابقه تجف من العطش

يتركها تُطحن تحت عجلات المجنزرات

يبعث ريحاً تنثر غبارها

ثم يحييها وهي رميم

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...