حورا يوارى - القصة الفارسية القصيرة..ترجمة: أميرة طلعت.. ترجمها عن الإنجليزية: أميرة طلعت

لقد اجتازت القصة القصيرة الفارسية الحديثة تاريخيا ثلاث مراحل من التطور: مرحلة البداية، مرحلة التماسك والنمو، مرحلة التنوع والاختلاف. وجاءت مرحلة البداية على إثر مجموعة {يكى بود يكى نبود} للكاتب "محمد جمال زاده" (ترجمها هـ. مؤيد وب. سبرخمان سنة 1921) بعنوان حدث ذات مرة، نيويورك 1985) وقد استمدت قوة دافعة من قصص "صادق هدايت" القديمة (1903-1951). ويعد "جمال زاده" دائما الكاتب الأول للقصة القصيرة الفارسية الحديثة، وتركز قصصه دائما على تطور الحبكة والحدث أكثر من تطور الحالة أو الشخصية، فيذكرنا بأعمال (جى دى موباسان) و "أو. هنرى". وقصة "جمال زاده" النموذجية تتضمن بعض الأحداث الممتعة وغالبا ما تكون النهاية مفاجأة ولها نفس جاذبية القصة الشعبية الفارسية التقليدية (قصة) والتى تعتمد أيضا على الحبكة اعتمادا أساسيا. إن قصص {يكى بود يكى نبود} -والتى كانت بمثابة أساس ومخطط لأعماله التالية- نستطيع تعريفها على أنها قصص حكائية نادرة. وهى مثيرة وممتعة ومليئة بالتعبيرات النابضة بالحياة- رغم أنها تفتقر الى العمق والدلالة العامة- إلا أنها فى جوهرها هجاء جميل لفوضى الحكم الفارسى فى ذلك الوقت معرضا إياه للسخرية نتيجة لتخلفه، تعصبه، وخرافاته ودائما ما كانت تحمل هدف الإصلاح والوعظ. وغالبا ما تكون شخصياته بسيطة، وأناس غير متعلمين من عامة الشعب. وقد امتلأ النثر –أحيانا بسبب فرط وزيادة- الألفاظ العامية والتعبيرات المبتذلة المشهورة. فقد كان هو من بين أوائل الكتاب الذين هجروا الأسلوب المتكلف للكتابة التقليدية منافسا نماذج الحوار للمحادثات العادية ولغة العامة. وقد كان لهذا الأسلوب عظيم الأثر على الكتاب الشباب جاعلا اللغة العامية البسيطة مبدأ للأدب الفارسى الحديث. ومع ذلك، فإن المحتوى الجذل لقصصه وحكاياته وطريقة بناءه لحبكاته لم تجد صدى لها بين شباب الكتاب ولم يكن لها سوى قليل الأثر على تطور القصة القصيرة الفارسية الحديثة.

يأتى على النقيض"صادق هدايت" –الكاتب الذى أثرى الأدب الفارسى بالحداثة والعصرية محققا تغييرا جذريا للقصة الفارسية. فبالإضافة إلى قصصه الأطول والأكبر {بوفى كور} (رائعته ; انظر أعلاه الفقرة الثانية) و {حاجى آقا} (1945)، كتب مجموعات من القصص القصيرة تشمل {سه قطره خون} (ثلاث نقاط من الدم، 1932)، والتى ترجمها إلى الفرنسية (ج. لازار) تحت اسم ثلاث قطرات من الدم، باريس عام 1996 و{زنده بى ﮔور} (المدفون حيا ،1930). وكانت قصصه تكتب بلغة سهلة وواضحة ولكنه قد وظف تشكيلة من الطرق من الواقعية والفطرية طارقا بذلك أرضا جديدة ومقدما مجالا جديدا من النماذج الأدبية، وإمكانيات جديدة لتطور أكبر للنوع الأدبى. فلقد تعامل فى تجاربه مع الزمن المتقطع والحبكات الدائرية، مطبقا هذه الأساليب على كتاباته الواقعية والسيريالية. وقد عاش "هدايت" فيما اعتبره وقت القمع، فألقت الحالة الاجتماعية المقيدة بظلالها على أعماله فازداد تشاؤمه وإحساسه بعدم الأمان. وليس من العجيب اذن أن تنتهى أغلب قصصه القصيرة إما بموت أو انتحارالشخصية الرئيسية والقليل من انفعالات التعبير مثل اليأس، التعقيد الفلسفى، الارتباك. وقد تركت طريقة تفكيره وأساليبه الروائية أثرا باقيا على الكتاب الفرس الأخرين.

وفى قصص (بزرﮔ علوى) القصيرة (1904-1997) وخاصة فى مجموعته {ﭽمدان} يجد القارئ نفس الشخصيات الكئيبة المشوشة مثل تلك الموجودة فى قصص "هدايت". ومع ذلك فقد تسبب القبض على "علوى" وسجنه بسبب نشاطاته اليسارية فى إحداث تغيير جذرى فى كتاباته. وقد جلب إحساسا جديدا من الواقعية الموضوع الثانوى للنوع الأدبى -أدب السجن- من خلال كتابته فى السجن، والذى وجد بعد ذلك بسنوات تابعين ثابتين من بين المؤلفين الفارسيين (انظر أعلاه بفقرتين). وقد كشفت مجموعته القصصية المكونة من خمس قصص {ورق ﭘاره هاى زندان} (1941، والتى ترجمها رافت ص115- ص196) وخصوصا قصصه القصيرة:{انتظار} (الانتظار) {عفوى عمومى} (عفو عام) التى تبين الحالات المزرية للمسجونين السياسين والغير سياسيين فى أوضاع سجن رديئة، والمعاملة القاسية الذين كانوا يتلقونها من موظفى الحكومة ومسئولى السجن. وقد قدمت أعمال "علوى" التالية مثل قصصه القصيرة:{ﮔيله مرد} و {ناماها} فى مجموعة باسمها (الرسائل عام 1951) منفذا لروح غاضبة متأهبة للقتال مثقلة بإحساس قوى بالمسئولية الأخلاقية. ونستطيع تصنيف أغلب أعماله الناضجة –والتى كتبت عندما كان عضوا فى حزب (توده) الشيوعى– على أنها قصص سياسية قصيرة تسعى خلف الحالة الاجتماعية. وعلى نقيض "هدايت" الذى ركز على تعقيد النفس البشرية للفرد وقابليتها الكامنة للسقوط. ويصف "علوى" بطريقة أيديولوجية أشخاصا متحمسين يهزموا القمع والظلم الاجتماعى. وتعد هذه الشخصيات –والتى نادرا ما تجد مثلها فى القصة الفارسية- هى إسهام "علوى" الأساسى فى مجال الموضوعات للقصة الفارسية القصيرة الحديثة. وقد نافسه فى هذا المجال الاجتماعى "فريدون طونكبونى" (ولد 1937) و"محمود دولت آبادى" (ولد 1940) و"صمد بهرنـﮔى" (1939-1968) و كتاب آخرون من اليسار فى الجيل التالى.

إن اهتمام "علوى" بالموضوعات الغنائية والايروتيكا هى مسحة مميزة لكتاباته- والتى بعدت بقصصه عن أعمال "هدايت" وعن كتاب الجيل التالى مثل "جلال آل احمد" (1932-1996) و "غلامحسين سعيدى" (1935-1985). ويظهر "علوى" موهبة ملحوظة فى خلقه لشخصيات نسائية قوية. فالنساء فى قصصه لا هنّ طاهرات مقدسات ولا هنّ ملعونات، كما يحدث دائما فى أعمال الكتاب الفرس الآخرين. فعلى سبيل المثال نجد أن بطلات المؤلفين العاطفيين مثل "محمد حجازى" (1899-1977) و "على دﮔن" (1896-1981)غالبا ما تقدمن شخصا احادى البعد مثل المتقلبة أو الخائنة العابثة. ومن ناحية أخرى فإن الكتاب المعاصرين مثل "هدايت" و (صادق ﭼوبك) (1916-1998)- والذين يرسمون مشاهد جنسية شهوانية مثيرة بطريقة حالمة أو طبيعية- غالبا ما يتأثرون بمعتقدات ونظريات التحليل النفسى. وتظهر كتابات "علوى" أيضا التأثر الضمنى بفرويد ولكن بدون أن يبدو مجبرا أو نظريا. ونجح فى خلق وإبداع شخصيات نسائية معقدة متعددة الأبعاد، رسم الحب الجسدى كطبيعته مثيرا ممتعا ومرغوبا. وقد أثرت معالجته لقضايا الجنس فى جيلٍ تالٍ من الكتاب مثل "جمال مير صادقى" (ولد 1933) فى {درزنايى شب} ( طول الليلة، 1970). و"هوشنـﮕ ﮔلشيرى" فى {كرستين وكيد}. فالمعنى القصير للحرية النسبية والذى تلى تنازل "رضا شاه" عن الحكم فى عام 1941 فتح آفاقا جديدة للقصة الفارسية القصيرة الحديثة. فقد كان لسيطرة الآراء اليسارية والمتطرفة بوجه عام وتأثير حزب (توده) بوجه خاص- الذى بلغ ذروته فى الاجتماع الأول لكتاب القصة الفرس عام 1946- أثر قوى دائم على أغلب الكتاب. وقد أرخت التغيرات السياسية فى البلد قبضة الرقابة على الصحافة. فقبل عام 1941 لم يستهدف مراقبو الحكومة الأفكار السياسية الهدامة ولكن أيضا كانوا -كحراس للأخلاق- يستهدفوا كلمات القسم المحرمة أو المشاهد الشهوانية. واضطر الكتاب أن يلجأوا إلى التلميحات غير المباشرة وأن تكون حواراتهم خالية من الفحشاء. هذه القيود الأخلاقية الصارمة أثرت ليس فقط على الموضوع ولكن أيضا على لغة الأدب.

وكان "صادق ﭼوبـﮕ" من أول المؤلفين الذين كسروا هذا التحريم. وحاذيا حذو "وليام فولكنر" و "جون شتاينبك" و"ارسكين كلدويل" و "وإرنست همنجواى" نجد أن اقترابه غير الحاد فى مجموعات القصة القصيرة "خيمه شب بازى" (عرض العرائس، 1970)و { عنترى كه لوده آش مردا بود} (1949، والتى ترجمها ب. آورى بعنوان السعدان الذى مات مهرجه، كتابات العالم الجديد11، 1957، ص14- ص24) وقصص لاحقة مثل {زيرى ﭼارقى قرمز} و {برهانى زرسكى} و {ﭼيرا دريا طوفانى شدا بود} تصف البوهيمية العارية والانحطاط الأخلاقى للأشخاص بدون أى أثر للاحتشام. فتعكس قصصه القصيرة مجتمعا متعفنا يسكنه المحطمون والمهزومون. فيلتقط "ﭼوبـﮕ" شخصيات هامشية: كالمتشردين، والسذج، والحانوتية، والمتاجرين بشرفهم، والمدمنين والذين نادرا ما يظهرون فى قصص أسلافه، والذين صورهم بقوة. فأصبح قراؤه على مواجهة مباشرة وجها لوجه مع الوقائع المقيتة للحياة وأحداثها الذين طالما شهدوها بأنفسهم فى حياتهم اليومية والذين يحاولون تجنبها بالرضا الذاتى. وهذا الصدام المفروض، لا يستسيغه الكل وتفسر العداء الذى يثيره "ﭼوبـﮕ" أحيانا خصوصا مثل وصفه القاسى للفساد والقذارة السياسية والذى لا يدع مجالا كبيرا للجمال الكامن أو المناظر المبهجة للحياة. ولغته قاسية ومباشرة ومليئة بالحكم والتعبيرات العامية ولهجات الشارع. وكثير من الكلمات نفسها مكتوبة بالعامية. وتستخدم بعض قصصه بناء وأسلوب اللهجات الغربية من منطقة (بوشهر).

فنرى أن أدب القصة الفارسى بعد الحرب كان له سمة مميزة- فى جميع مراحل التطور الثلاث – وهى التركيز المخلص للأساليب الروائية. وبالنسبة لموضوع الأسلوب سيطر اتجاهان أساسيان : بعض المؤلفين مثل "ﭼوبـﮕ"و "آل احمد" اتبعوا الأنماط العامية فى الكلام وآخرون مثل "ابراهيم ﮔلستان" (ولد 1922) و "محمد اعتمادزاده (بهازين)" (ولد 1915) وتبنوا نغمة أدبية غنائية. ورغم أن أعمال الأربعة كتاب امتدت لفترات متأخرة –بعض التعليقات والملاحظات الصغيرة عن أساليبهم المختلفة – والتى رسمت طرقها المستقبلية جديرة بالذكر فى البداية. فتعامل "ﮔلستان" مع أساليب سردية مختلفة وكان هذا فقط فى مجموعتين لاحقتين من قصصه والتى قرر أن يصنع لها أسلوبا وصوتا خاصا به. وتستقى لغته الشعرية الإلهام من كلا من الأشكال البنائية التركيبية للنثر الفارسى القديم، وتجارب الكتاب المعاصرين مثل البارز "جرترود شتاين". ويبدو أثر الحداثة فى بناء قصص "ﮔلستان" القصيرة، حيث ترك الخط الطبيعى للحبكة من أجل تقطيع الزمن والتداعى الحر للأفكار. وعلى نقيض الكتاب الآخرين، لم يعط ,"ﮔلستان" سوى قليل من الاهتمام لحالة الفقراء والضائعين، وبدلا من ذلك كانت قصصه مكرسة لعالم المفكريين الفرس بميولهم وتعلقاتهم ولهفاتهم وهواجسهم الخاصة. فتشبه قصصه القصيرة فنًا ذا مواضيع جيدة التنميق. والتى ربما كانت تسعد المثقفين والطبقة العليا ولكنها لم تحرك ساكنا فى العامة والأغلبية، وقد أثر نوع الحداثة فى كتابات "ﮔلستان" فى الجيل التالى من الكتاب مثل "بهمن فرصى" (ولد 1933) و "هوشنـﮔ ﮔلشيرى" (ولد 1937) وبالرغم من أن قصص "بهازين" تدين بنفس الدين للأساليب الفارسية القديمة، فهو لا يتبع تجارب "ﮔلستان" الحديثة فى البناء والتركيب. وقد جاءت قصص "بهازين" بأسلوب أدبى واضح، يعبر عن أفكاره الاجتماعية اليسارية. ويتحول فى بعض أعماله الأدبية الأخيرة كما فى مجموعته القصصية {مهرايى مار} (سحر الثعبان، 1955) إلى القصة الرمزية -صابغا القصص القديمة برؤية وهدف جديدين– كأسلوب يتيح له أن يعبر عن آراءه النقدية بشكل غير مباشر. إن أسلاف "بهازين" فى القصة الرمزية هم: "هدايت" (فى {آبى زندﮔى} عام 1931) و "ﭼوبك" (فى {اسعايى ادب} فى مجموعة {خيمه شب بازى}).

فترة النمو والإزدهار:

وبدأت الفترة الثانية فى تطور القصة الفارسية القصيرة الحديثة بالانقلاب الذى حدث فى 28 مرداد 1332/ 19 أغسطس 1953 وانتهى بثورة عام 1979. وقد كفلت الحرية النسبية التى شهدتها إيران بعد تنحى "رضا شاه" فى سنة 1320 بالتقويم الشمسى/1941 تغيرا لبيراليا تحرريا فى آراء المجتمع. بينما قدم الازدهار المتزامن معه فى النشر والترجمة الشعب الإيرانى للأدب العالمى. وقد ساهمت كل هذه العوامل فى تطور القصة الفارسية الحديثة. وعلى الرغم من الثورات السياسية- والتى قللت من الفرص امام الكتاب المعاصرين- قد صنعت مؤلفين مثل "آل احمد" و"ﮔلستان" و"بهازين" واستمروا فى كتابة أفضل أعمالهم. وهؤلاء الكتاب الذين عرفوا بـالجيل الثانى كانوا بعضا من الكتاب المبدعين الموهوبين فى القصة الفارسية، وأتوا فى عصر خلال هذه الفترة. حتى أن كتّابا مثل: "محمود دولت آبادى" (ولد 1940) و "اسماعيل فصيح" (ولد 1935) و"محمود كيانوش" (ولد 1934) و"اصغر الهى" (ولد 1944) والذين أبدعوا أفضل قصصهم المشهورة فى الفترة التالية (فترة التنوع والاختلاف) التى أنضجت المناخ السياسى والاقتصادى بعد الانقلاب. وقد بدأ العديد من هؤلاء المؤلفين الشباب نشر قصصهم فى أواخر الخمسينات إما فى المجلات أو الصحف الصغيرة والتى طبعت أعمالهم فى مئات من النسخ الصغيرة، غالبا ما تكون على نفقة المؤلف نفسه. وعلى الرغم من كل الصعوبات الاجتماعية والسياسية، فإن بعض النقاد يعتبر هذه الفترة ذروة الأدب الفارسى القصصى الحديث. وخلال هذه الفترة من النمو والتطور كانت القصة القصيرة النوع الأدبى القصصى السائد فى الأدب الفارسى الحديث –الوسط المفضل للكتاب الجدد- باستثناء "على محمد افغانى" والذى كانت قصته {شوهرى آهو خانم} المنشورة 1961 هى أولى أعماله. وقد ركزت العديد من قصص هذه الفترة على أنواع الأبطال والشخصيات الرئيسية. فانتقدوا القمع الذى مارسته السلطة الحاكمة وأبدعوا رسم صورة الألم والفقر والجهل الذين أثّروا فى عامة الشعب بطريقة جذابة.

إن "جلال آل احمد" من أنصار الأفكار السياسية والثقافية الجديدة والتى باعدت بين الفترتين الأولى والثانية فى تاريخ الأدب القصصى الفارسى الحديث. وقد أظهرت كتاباته وعيه بأعمال "فرانز فانون" والجيل الجديد لكتاب العالم الثالث مهتما بمشاكل الهيمنة الثقافية التى تتبناها القوى الاستعمارية. ونستطيع وصف كلٍ من "آل احمد" و"طنكبونى" و"بهرنـﮔى" بأنهم جذابون لأن معظم قصصهم مبنية حول العقيدة الأيدولوجية المركزية (الفرضية) وتوضح آراء واتجاهات الكاتب السياسية. وتسرد أحداث الحبكة لديهم فى أبسط وأكثر التعبيرات قبولا بدون أى غموض أو أساليب مزينة منمقة. وبالرغم من أن كل مؤلف يطرح مجموعة مختلفة من الموضوعات إلا أن كتاباتهم تشترك فى نفس الاتجاه اليسارى القوى لنقد اجتماعى قاسِ واستغراق تام فى أهداف سياسية اجتماعية أيديولوجية لقصصهم.

إن "سيمين دنشوار" (ولدت 1921) وهى مؤلفة مرموقة من كتاب هذه الفترة وتعتبر أول مؤلفة أنثى بارزة فى الأدب الفارسى المعاصر. ترتكز شهرتها على روايتها الشهيرة {سووسون} عام 1969. وتستحق قصص "سيمين دنشوار" القصيرة الذكر لأنها تركز على المشكلة الاجتماعية لاستبعاد المرأة فى المجتمع الفارسى وتناقش قضايا موضوعية من وجهة نظر المرأة.

إن قمع التفكير الليبرالى خلال هذه الفترة يلقى بظلاله فوق أعمال بعض الكتاب الشباب والذين تعكس قصصهم مجتمعا يتحكم فيه الخوف والشك وفقدان البراءة. وهناك ملامح مميزة للقصة القصيرة بعد الانقلاب مثل الاهتمام بالقضايا الإقليمية، إلى حياة الفلاح، وسنوات الطفولة الأولى، فكان اللجوء الدائم إلى الرمز والمجاز والأسطورة والشخصيات الأسطورية من التقاليد القومية والدينية، والتأكيد على الوصف الجسدى للشخصيات. وهناك كتاب عرفوا بتطبيق نظريات التحليل النفسى فى أعمالهم مثل : "غلامحسين سعيدى" (1935-1985) و"بهرام صادقى" (1936-1984) و"طاقى مدرسى" (1932-1997) و"ﮔولى طرقى" (ولد 1939) و"هوشنـﮔ ﮔلشيرى" (ولد 1937) و"اصغر الهى" (ولد 1944).

وذكريات الطفولة كما ذكرنا آنفا تلعب دورا هاما فى القصة القصيرة فى هذه الفترة، وكان هناك بالطبع قصص قصيرة كتبت من وجهة نظر طفل، ولكن بالنسبة للكتاب الذين كانوا فى عصر الإبداع خلال فترة النمو والازدهار. إن العودة للطفولة والمراهقة أصبحت فكرة رئيسية متكررة فمنحتهم القدرة على رسم الحياة من حولهم من رؤية طفل حقيقى. وقد استخدم كتّاب مثل: "جمال مير صادقى" و"محمود كيانوش" و"ﮔولى طرقى" و"مهشيد اميرشاهى" هذا الأسلوب فى بعض أعمالهم.

إن قصص "غلامحسين سعيدى" والتى أطلق عليها إسم (قصه) فغالبا ما تتجاوز حدود الواقعية وتحقق مغزىً رمزيًا. إن قصصه الرمزية -والتى كانت تشبه أحيانا القصص والأساطير الشعبية- كانت مليئة بالمتشردين وبنهايات الموت (سبانلو، ص117). فهى تؤكد على حالات القلق والاضطرابات النفسية لشخصياته المليئة بالمشاكل العميقة. فالبلاد التى نزلت بها الكوارث والقرى المهجورة –وجهان لنفس العملة– بدت كفكرة رئيسية متكررة. فالحبكة تتطور فكرة المرض النفسى والعقلى أو التغير المفاجئ فى الحظ: تحل الكارثة على قرية أو مجموعة أو على الفرد جاعلة طوائفهم أكثر انعزالا وكآبة. إن ظلمة "سعيدى" الغريبة وعالمه المزعج المشوش - بالرغم من رفضه الضمنى للأساليب الواقعية- ذات منطق داخلى قوى فى ذاته والتى تترجم جيدا من وسط القصة القصيرة إلى نص الفيلم (فيشر، ص223- ص228)، و{ارامش در حضورى ديـﮔاران} (هدوء فى وجود الآخرين، 1967) القصة التى فيها العقل القلق لضابط الجيش يشبه التنميق الخادع للصرح العسكرى فى إيران فتنبأ بانحطاطها وتحطمها السريع وهذه القصة تعد أفضل عمل لـ "سعيدى" وقد نجحت أيضا نجاحا عظيما كفيلم أخرجه "ناصر طﮔوائى" عام 1971 وقد نشرت فى مجموعة بعنوان {وحمايى بي نوم ونيشان} (1967، وترجمها ر.كامبل بعنوان "اعتقالات غير شرعية ومراوغة"، نيويورك، 1981) والتى اشتملت على قصة تم تكييفها لتلائم العرض المسرحى من أجل فيلم {ﮔاو} (البقرة) بواسطة "داريوش مهرجوئى" عام 1973. وقد رأى اثنان من أعمال "سعيدى" اللاحقة ضوء النهار فقط بعد الثورة وقد اشتملتا على نقد لاذع للعصر البهلوى –{غريب در شهر} (غريب فى المدينة، 1980) و {تتارى خندن} (التتار المبتسمون، 1984)-. وقد غادر إلى باريس حيث توفى عام 1985. إن وصف "سعيدى" الحيوى لجنوب إيران كإقليم ساخن ورطب قد أخطأتها الطبيعة والتكنولوجيا الحديثة –ميّزتْه- طويلا مع "ﭼوبك" و"محمود" و"بهرنـﮔى" و"آل احمد" و"دنشوار" و"دولت آبادى" و"فصيح" كرواد لنوع مميز من الأدب الإقليمى (سبانلو، 1992، ص62- ص67، ياهاقى، ص219، عابدينى، 1987-1988، 2، ص111- ص118).

ومع ذلك نجد "صادقى" (1936-1984) وهو كاتب آخر ركز على حالات القلق والاهتياج العقلى السرى لأشخاصه. بعد انقلاب عام 1953 وآثاره أصبح مقتنعا بعبث مذهب النشاط الاجتماعى والمقاومة السياسية. فأعماله كما فى روايته {ملكوت} تتميز باليأس المتواصل والاستياء من فراغ الوجود فدائما ما تجد الخوف من الموت كفكرة رئيسية فى قصصه القصيرة. وهناك ملامح أخرى مميزة لكتاباته مثل العناصر الخارقة للطبيعة والتأملات الكئيبة. ورغم أن شخصياته تأتى من الحياة فتشمل الطلاب والخدم المدنيين والمدرسين إلا أنه تحركهم نفس المخاوف وتسيطر عليهم نفس الهواجس والأوهام المرضية. وعلى النقيض تبدو المتع والرغبات البسيطة والحسية مبتذلة فى قصصه. إن هذا الخليط المتناقض من الكسل والدعابة السوداء الساخرة يتخلل أيضا قصص "ﮔولى طرقى". وقد تأثرت بقوة أيضا بأفكار يونج. فالشخصيات فى قصصه القصيرة والطويلة معقدة وضعيفة وعاجزة بأشكال مختلفة غير قادرة على اتخاذ قرار ويبتدعون طريقة للخروج من مآزقهم الغير مُرضية.

ولقد أبدع كلا من "اصغر الهى" (ولد 1944) و"هوشنـﮔ ﮔلشيرى" (ولد 1937) أوصاف نفسية بارزة من خلال أسلوب المونولوج الفاصل وتيار الوعى. ولقد عرف "ﮔلشيرى" مؤلف القصة الطويلة {شاهزده احتجاب} (الأمير احتجاب، 1968) بتجاربه الناجحة ومونولوجاته الممتدة الداخلية. كاتب جريء و مبدع تواق إلى استكشاف طرق وأساليب حديثة. فيستخدم "ﮔلشيرى" تيار الوعى فى الأسلوب الروائى ليعيد تقييم نظريات وأحداث شهيرة.

ولقد تحول "اصغر الهى" (ولد 1944) -والذى بدأ كاتبا لكتيبات سياسية غاضبة- تدريجيا لأسلوب تيار الوعى. إن قصصه القصيرة من مجموعته {ديـﮔر سياوشى نامنده} (محبى سياوش ليسوا موجودين الآن، 1990) تعتمد غالبا على التداعى الحر لللأفكار. إن المونولوج الداخلى لشخصياته يسحب التجارب السابقة لتخلق عالما خياليا قائما على رواسب الماضى، وهناك كتاب آخرون مشهورين فى هذه الفترة مثل "جمال ميرصادقى" و"محمود كيانوش" و"مهشيد اميرشاهى". أما "طاقى مدرسى" والذى حققت له قصته الأولى {ياكولا وتنهايى او} (انظرفيما سبق) شهرة واسعة وكتب قصصا قصيرة نفسية ولكن بنجاح ليس كالسابق.

إن قصص "محمود كيانوش" (ولد 1934) -والتى ترسم تجارب الكاتب الشخصية- ذات بساطة فاتنة. وأفضل عمل له هو {غصه ها وقصه ها} (المحن والبطولات، 1965) مجموعة من سبعة قصص متصلة. فهى تحكى أحداثا تصيب فتى صغير وعائلته من وجهة نظر الطفل. وتفضل "مهشيد اميرشاهى" (ولد 1940) الكتابة التجريبية عن الحبكات التقليدية. إن كثيرا من أعمالها اسكتشات أدبية اكثر من كونها قصص قصيرة حقيقية -على الرغم من البعض- مثل القصة الصغيرة من مجموعة {بعد از روزى اخير} (بعد اليوم الأخير، 1969), تمتلك خطوط حبكات منسوجة جيدا. هذه القصة القصيرة بوجه خاص يعتمد أسلوبها الروائى على أسلوب الراوى أو الشخص الأول تسردها إمرأة تجد طعما جديدا للحياة بعد محاولتها الانتحار، وقصص واسكتشات "اميرشاهى" مكتوبة بلغة حوار عامية. ونثرها واضح وغير مزخرف وتقدمه فى جمل موجزة ومثيرة للعواطف.

"احمد محمود" (ولد 1930) و"محمود دولت آبادى" (ولد 1940) من بين أبرز الكتاب فى الموضوعات الريفية والإقليمية فى الأدب الفارسى الحديث. وعلى الرغم أن كلا منهما قد كتب عددا من القصة القصيرة إلا أن شهرتهما كانت كبيرة فى رواياتهم ذات الرؤية الشاملة. وقصصهما وصف صادق لـ(خراسان) – المنطقة الشمالية الشرقية من إيران- وعن(اهواز) فى الجنوب الغربى فتسرد باحترام عادات وتقاليد السكان المحليين. فتكشف قصصهم القصيرة عن حياة الفقراء المأساوية -الذين استحوذت عليهم الحاجة الملحة– فهم على استعداد لأن يبيعوا لحمهم ودمهم من أجل البقاء على قيد الحياة. كما يصفون المزارعين الذين يقهرهم ملاك الأراضى وترهبهم القوانين أو منفذيها أو الفلاحين الذين تذهب أرضهم بالجفاف والمجاعات- فيندفعون إلى المدن ليزيدوا نسبة العاطلين. فتوضع صور الفقر واليأس جنبا إلى جنب مع مطاردات وإهانات الملاك العابثين المتوحشين، وزعماء القرى الجشعين ورجال البوليس قبالة ستائر من الحياة الغير مبهجة فى الريف.

و من نهاية الستينات حتى بداية السبعينات ازدادت موجة الاحتجاج ضد القمع الإجتماعى والحكم الديكتاتورى مع ازدياد الاستياء الشعبى. فاشتدت الرقابة، وأصبحت مصادرة المواد المعارضة المنشورة روتينا. فحبس بعض المؤلفين. ولتجنب الرقابة تحول العديد من كتاب القصة القصيرة إلى القصة الرمزية مقيمين نوعا جديدا يندرج تحت النوع الأصلى للقصة الرمزية القصيرة فى لأدب الفارسى الحديث. فتعتمد قصة "هوشنـﮔ ﮔلشيرى"القصيرة: {معصوم} فى مجموعة {نماز خانهءيى كوﭼكى من} (غرفة صلاتى الصغيرة،1975) على الأساليب المجازية لتعبر بشكل غير مباشر عن حالات القمع الاجتماعى والسياسى فى البلد. ويلجأ "جمال ميرصادقى" إلى حيلة مماثلة فى قصته القصيرة {دولبا} عام 1971. ولأنه كان موضوعا تحت ضغط نفسى ،سياسى، اجتماعى فتقريبا تفقد الشخصيات فى قصصه فرديتها وإنسانيتهم الضرورية ولكنها فى النهاية تقرر استعادة نفسها الحقيقية. وكتب "صمد بهرنـﮔى" -قصته الأشهر بعنوان {ماهى سياهى كوﭼولو} (1968، ترجمها م. وي. هوجلوند بعنوان السمكة السوداء الصغيرة فى مجموعة "السمكة السوداء الصغيرة وغيرها من القصص الفارسية الحديثة"، واشنطن،منطقة كولومبيا، 1976)- قصصا للأطفال والبالغين الصغار. وتستخدم أعمال "بهرنـﮔى" قوة الأساطير الشعبية الموحية ليلقى الضوء على الحاجة إلى مذهب النشاط السياسى والالتزام الاجتماعى.

كاتبان آخران من نفس الجيل -واللذان تظل أعمالهما خارج التصنيف الحالى– هما: "شهرنوش بارسيبور" (ولدت 1945) و"غزاله على زاده" (1948-1996). "بارسيبور" هى الأكثر شهرة برواياتها ولديها فقط مجموعتين من القصة القصيرة وهما : {اوزيهاى بلور} (أقراط بلورية، 1977) والتى تحتوى على قصص وصور وصفية سيريالية رائعة و {زنان بدونى مردان} (نساء بلا رجال، 1990) –كتاب من قصص متصلة عن قضايا قد علا صوتها عندما قررت نساء عديدات بشخصيات وأحاسيس مختلفة العيش معا. وقد كانت "على زاده" أيضا روائية فى المقام الأول. وقد كتبت مجموعتين قصصيتين قصيرتين فقط {سفرى نـﮔزشتانى} (رحلة بلا نهاية عام 1977) تحتوى على ثلاث قصص سيريالية من الأبحاث السحرية. إن اللغة الشعرية لنثرها منسجمة مع مادة الموضوع الملغزة.

فترة الاختلاف:

جلبت الفترة الثالثة من تطور الأدب القصصى الفارسى المعاصر أربع حركات أدبية منفصلة. وقد قدمت ثورة 1978-1979 وطهارتها وثورانها الاجتماعى المأساوى والحرب بين العراق وإيران مع خسارتها الكبيرة فى أرواح البشرية كتّاب بموضوعات وأساليب مختلفة، وفى البداية أكثر الكتاب الفرس البارزين استمروا فى السعى اهتماماتهم الرئيسية –الكفاح ضد ظلم النظام السابق والتحرك من أجل حرية الفكر والتعبير والصحافة. وهذه الطموحات توافقت مع الأهداف الاولية للحركة الثورية وفى بداية السنين القلائل بعد الثورة أحرزت القصة الفارسية القصيرة المعاصرة تقدما ملحوظا. وبعض من كتاب الفترة السابقة المشهورين طوروا القصص القصيرة فى اتجاهات جديدة: وأبدع الكتاب الجدد أعمال قيمة جديرة بالملاحظة. وازداد عدد كتاب القصة القصيرة ومن بينهم بعض الكاتبات. وبالرغم من التطور السريع أصبح من الواضح أن الحكومة الجديدة فضلت الكتاب التقليديين واهتمت اهتماما ضئيلا بكتاب الحداثة. وأصبحت التقليدية هى السياسة الرسمية فى كل أجواء الحياة. وشُجع الكتاب ليتحولوا إلى الأساليب التقليدية ويحيوا النزعات التى استهلكت بعد الحركة البنيوية. وظهرت مرة أخرى القصص التقليدية (قصه) على السطح وأعلنت عن عقد جديد بديل: القصة الإسلامية. وصناع السياسة الإسلامية اقتنعوا أن الكتاب الحداثيين- الذين فُتنوا بالمزيج المتناقض بالاتجاه الضيق والمحدود بعقل الإنسان من ناحية وبهواجسهم وغرائزهم الجسدية من ناحية أخرى- لم يكن فى استطاعتهم أن يصلوا إلى الحقيقة المطلقة للوحى الإلهى. وحكى القصة التقليدية كان يرى كبيئة مناسبة من أجل تبسيط الفكر الدينى والأفكار اللاهوتية. لذا وفى محاولة لخلق قصة إسلامية جديدة هجر العديد من الكتاب الإسلاميين المعايير الأدبية ومعايير الإبداع فى جيل القصة القصيرة.

بناءا على المعونات المادية والدعم من المؤسسة، كان من المتوقع من الكتاب الإسلاميين الجدد أن يظهروا خاصيتين أساسيتين: الولاء الأسرى واختيار الموضوعات ونوع الموضوع. وركز الكتاب الذين اتبعوا اتجاه الحكومة على الخرافات الدينية والأساطير وعلى المشاكر السياسية والاجتماعية طوال اليوم. الاتجاه الجديد لم يكن لديه الفرصة لينضج أو ليحققوا التميز الفنى.

الآن هناك فترتان بعد الثورة. فالكتاب الإسلاميون تخلصوا تدريجيا من عقد الحكايات الشعبية عائدين إلى المزيد من القوالب التقليدية لكتابة القصة القصيرة المعاصرة. وبعض مؤلفى الحداثة على الصعيد الآخر اتبعوا الحداثة وما بعد الحداثة لدرجة مفرطة قاطعين كل الصلات مع بيئتهم الاجتماعية الحالية وتعرضوا للحالات العدمية و نزوات الفردية. ومثل هذه الأعمال كثيرا ما تكون مباشرة وزائفة وغير مقروءة من الأعمال المشهورة الرائعة فى العالم. ومع ذلك فأغلب الكتاب الفرس يتبعون خطى سابقيهم البارزين –يرسمون على الإنجازات الجديدة فى عالم الأدب- واستمروا فى تطوير وتوسيع الأدب القصصى الفارسى الحديث. فالعديد منهم نشروا روايات وقصص قصيرة جديرة بالملاحظة (انظر الفقرة أدناه) ومازال التقييم الموضوع للأدب القصصى الفارسى لفترة ما بعد الثورة بدائيا جدا. فى وقت الاختلاف المشوش للحركات الأدبية والموضة سوف يستقروا كنمط قابل للتمييز. وفقط بعد ذلك يمكن تمييز الكتاب الذين أعمالهم بقية وتقييم مميزاتهم الفنية.

القصة القصيرة بعد الثورة:

كنوع مستقل – فضلا عن كونه رواية صغيرة – نستطيع تمييز القصة القصيرة التى جاءت بعد الثورة بمنهجها المعقد كما أنها قد شقت طريقا مميزا تجريبيا لخيالها وأدبها الخاص. وقد تم استغلال مباشرة هذا النوع من القصة فى تسجيل تجارب الثورة والحرب كما ظهرت وأضافت معنى للقصة القصيرة ("تقى زاده" و"الهى"، ص1- ص18، قريب، الطبعة الأولى، ص66). وقائمة شاملة للقصص القصيرة بعد الثورة –أكثر تنوعا من أسلافها فى الفكرة واللغة والتركيب الفنى وتحليل الاضطرابات السياسية والاجتماعية – تسمو فوق مجهر فحصنا الحالى وسنشير فقط إلى الاتجاهات الرئيسية بها. فمن المهم مثلا التمييز بين رنين الأصوات النسائية فى الإنتاج الأدبى لفترة ما بعد الثورة. فبالإضافة إلى مجموعات الكاتبات من نساء الجيل السابق، مثل {بى كه سلام كنم؟} (من الذى يجب أن أحييه، 1980) و {برندهايى مهاجر بي ﭘرس} (اسأل الطيور المهاجرة، 1997) كتبتها "سيمين دنشوار" و {زنان بدونى مردان} مجموعة قصص متصلة كتبتها "شهرنوش بارسيبور"، ولقد ظهر حشد من الكاتبات الصغار على الساحة تواقات إلى أن تجربن وتبدعن أسلوبا خاصا بهن. ويجب أن نذكر على وجه الخصوص {كنيزو} (1989) و{سريا سريا} (1993) للكاتبة "منيرو روانى ﭘور"، والناجحة على الفور {رازى كوﭼك} وكتبتها "فرخندة آقايى" (ولدت 1956) وقصص "طاهره علوى" (ولدت 1959) المصقولة والمحكمة جيدة الشكل، فى مجموعتها {زن در باد} (امرأة فى مهب الريح، 1998) وكتابات "فرشته مولوى" (ولدت 1943) التى تشبه الأسطورة مثل: {نرنج وترنج} (البرتقال المر واللارنج، 1992) والتى حولت قصص الأساطير الشعبية والعادات من خلال الواقعية السحرية. وتظهر مجموعتان قصصيتان كتبتهما "زويا بيرزاد" (ولدت 1953) وهما: {عصرها} (مابعد الظهيرات، 1991) و{طعمى ﮔصى خورملو} (مذاق الكاكى اللاذع، 1997) موهبة ملحوظة فى رسم وصف العزلة والاختلال المدنى وأثرها على علاقات الزواج بطريقة حقيقية ملون بدعابة رمزية (ساميئى، درويشيان،شمبياتى).

ويظهر أثر نظريات التحليل النفسى على أساليب السرد فى المجموعات القصصية مثل {ديـﮔر سياوشى نامنده} (محبى سياوش ليسوا موجودين الآن، 1990) للكاتب "اصغر الهى" (ولد 1944) {جامه به خونب} (الحبل المبلل بالدم، 1989) و{تالارى طربخانه} (قاعة المرح، 1992) وكتبها "ريتا جولائى" (ولد 1950). وفى أغلب قصصه يعود "جولائى" إلى سنوات التمرد العنيفة فى عهد (قاجر). فتجد قصة {اه استنبول} (اه يا اسطنبول، 1990) للكابت "رضا فروخفال" (ولد 1953) وصفا حانيا للحياة الفكرية فى دول العالم الثالث تخلله القلق والفزع والعزلة (جولائى). وللكاتب "أمير حسن ﭼهلتان" (ولد 1956) مجموعتان قصصيتان {ديـﮔر كسى صدايم نزد} (لم يعد ينادينى أحد بعد الآن. طهران. 1992. طبعت مع بعض الإضافات. اوبسالا، السويد، 1993) و {ﭼيزى بى فردا نمانده است} (غدا على اليمين عند الناصية، 1998) تتميزا بمهارة تصوير الأفكار الداخلية للأشخاص باختصار معتدل وغالبا ما يكون عن طريق التضمين أكثر من الوصف المباشر. ولابد أن نذكر {سياسنابو} مجموعة قصصية قصصها متصلة داخليا وجيدة البناء كتبها "محمد رضا صفدرى" (ولد 1954) وقصص "اصغر عبد اللاهى" (ولد 1955) القصيرة تميزت لتلك الطريقة التى كان عليها أسلوبها الغنى بالصور المجازية. وجدير بالذكر أيضا المجموعتين الشبيهتين بالقصص الشعبية {هيتسكك وآقاباجى} (هتشكوك واقاباجى، 1995) للكاتب "بهيام دييانى" (ولد 1945) و{يوزﭘلنـﮔانى كه با من دويده اند} (الفهود التى تجرى معى، 1994) للكاتب "بيجن نجدى" مجموعة متصلة قصصها داخليا. بينما يستخدم "دييانى" أسلوب سردى بسيط فى أغلب قصص المجموعة التى كشفت النقاب عن التناقض بين التقاليد والحداثة عن طريق اللعب على شعور امرأة عجوز أمام شاب صغير وهو الذى يحكى القصص ويصبح معجبا بالسينما. وبالرغم من أن قصة {يوزﭘلنـﮔانى كه با من دويده اند} هى قصة "نجدى" الوحيدة، إلا أنها قد لاقت ترحيبا من النقاد الأدبيين لحديثها العذب المحترم فى القضايا ولغتها الشعرية (قاسمى، حبيبى، ترﮔول). إن التجارب السابقة المذكورة فى السرد يجب ألا تتضمن توقف الواقعية الاجتماعية كأثر رئيسي على الإنتاج الأدبى.

ويستخدم مصطلح (فرهنـﮔ) أو (ادبياتى جنـﮔ) أو (جبهه) أى : أدب الحرب أو جبهة الحرب يستخدم لوصف الأدب الذى كتبه شباب الكتاب الذين جاءوا فى عصر ما بعد الثورة ويخبرونا بخبرتهم فى بداية الحرب مع العراق (انظر بيان المؤلفات) ولقد نشر العديد من الكتاب بما فيهم "هوشنـﮔ آشورزاده" (ولد 1944) و "محمد محمد على" (ولد 1950) مجموعات لقصص قصيرة اجتماعية واقعية مهتمة بفكرة الحرب والعزل والحياة فى معسكرات اللاجئين. وقد تمتع "محمد على" بالفعل بشهرة نتيجة لأعماله السابقة والتى تتضمن {رعد وبرقى بى باران} (الرعد الجاف، 1991) و{نقشى ﭘنهان} (التصميم المخفى، 1991) ومجموعته القصصية الأخيرة {ﭼشمى سوم} (العين الثالثة) نشرت عام 1994.

إن الحياة القبلية للقاشائيين وجمال إقليمهم قد أثير فى مجموعتين قصصيتين وقصصهم غالبا تعتمد على السيرة الذاتية كتبها "محمد بهمن بيجى" (ولد 1920) واسمها {بخارى يى من، ايلى من} (اليوتوبيا الخاصة بى وقبيلتى، 1989) و{اﮔر قارقاج نبود} (هل قرقاج غير موجود، 1995). وتسرد قصصه بفصاحة وبلاغة مستعينا بالنماذج التقليدية للحكى القصصى (بهمند).

إن قصص "هوشنـﮔ مرادى كرمانى" القصيرة –والتى غالبا ما كانت تخاطب المستمعين المراهقين قد أكسبت صاحبها شهرة عالمية وجوائز أدبية ذات شأن. إن {قصه هايى مجيد} (قصص مجيد، 1979) قامت على أسلوب يبدو قليل الجهد بثبات وصور مثيرة للعواطف. وقد نشرت بنجاح فى مسلسل تليفزيونى فارسى فى الثمانينات. وقد كان {خمره} (البرطمان، 1989) عرضا مسرحيا لفيلم بنفس الاسم أخرجه " ابراهيم فوروزيش" والذى لاقى قبولا كبيرا فى مهرجانات الأفلام الدولية. أما {بـﭼه هايى قالىباف} (نسج سجاد الأطفال، 1980) فقد وصف بالتجربة الأولى لحياة الأطفال غازلى السجاد والأسمال البائسة المليئة بالجوع والمأساوية والمليئة بالظلم والاهانة فى قرية (كرمان) فتقف أمام تناقض حاد مع قصصه المبهجة المرحة عن الولد (مجيد). إن أعمال "مجيد مرادى" بما فيها: {موشت بر ﭘوست} (لكمة على الوجه، 1992) قد ترجمت إلى لغات عديدة وامتدحها النقاد لجودتها الجمالية والفنية.

إن أدب ما بعد الثورة -شاملا القصة القصيرة- تميز بالتجارب الفعالة لأساليب القص والسرد، واختيار الحبكة، الصور، والتركيب. فتجد القصة الفارسية الحديثة تعبر عن الشكوك والقلق والتوتر والتناقض والمآزق تماشيا مع الاتجاهات الأخيرة فى الأدب الحديث فتخبر عن البدايات وليس النهايات. وغالبا منذ قرن من الزمان، كان الأدب الفارسى الحديث متقبلا للتأثيرات الخارجية ويتبع الاتجاهات والأساليب كما تظهر فى أى مكان، أساليب تيار الوعى الواقعية السحرية كانو حالات فى صميم المضمون. من الذاكرة القصصية للماضى المثالى للأمة ومن وصف الاختلال والظلم ورسم وتصوير أهوال الحرب والثورة، ظل الأدب الفارسى أداة للتغيير وأيضا ميثاق لعمليتها المؤلمة على حد سواء.



مراجعة: أيمن بدر

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...