محمد حسن عبد الحافظ - خطاب السيرة الشعبية: صراع الأجناس والمناهج

الملخص
تعالج هذه المقاربة بعضًا من القضايا النظرية والمنهجية التي تطرحها دراسات متون السير الشعبية والملاحم، من خلال مناقشة نتائج عدد من الأعمال المهمة في هذا المجال، وتستهدف إضاءة قضيتين من لدن قضايا دراسة السيرة الشعبية:
الأولى: "صراع الأجناس والأنواع"، وتتمثل أهم ملامحها في مسألة "اسم الجنس الأدبي"، حيث يتبدى قلق واضح في استخدام عدد من مفاهيم التجنيس المتراوحة بين السيري والملحمي: السيرة الشعبية؛ الملحمة؛ السيرة الملحمية؛ التراث الملحمي؛ الشعر الملحمي؛ الأدب الملحمي؛ الحكاية التعظيمية.. إلخ.
الثانية: "صراع المناهج في مقاربات السيرة الشعبية"، خاصة المسألة المتعلقة بالاختلاف النوعي بين مناهج دراسة السير والملاحم. وتركز الورقة على معاينة – ونقد - اتجاهين رئيسين حكما دراسة السيرة الشعبية: الأول، صُمم لتحليل نصوص الأنواع الأدبية التي تأسست على الكتابة، ويقيس السيرة الشعبية، المدونة والمطبوعة، عليها، وغالبًا ما ينظر إلى الروايات الشفهية بوصفها تحريفات مخلة بالنص الأصلي. والثاني، يطبق أدوات المناهج الاجتماعية لدراسة الأدب على السيرة الشعبية بوصفها ذات صلة وثقى بالتاريخ وبالواقع الاجتماعي والثقافي، وغالبًا ما ينظر إلى الروايات الشفهية بوصفها دليلاً على هذه الصلة، وليس بوصفها نوعًا أدبيًّا ذا تجليات جمالية.

1. في تجنيس السيرة الشعبية
ثمة فيض من الإسهامات المهمة في مجال دراسة أنواع المأثورات الشعبية الأدبية عمومًا، سواءً قارب بعض هذه الإسهامات موضوعَ الجنس الأدبي بصورة مباشرة، أو ركز بعضها الآخر على تحديد: الخصائص الفنية؛ السمات الأدبية؛ القيم الجمالية والاجتماعية، لأجناس الأدب الشعبي وأنواعه وتنويعاته، دون الانشغال بذكر مصطلح "الجنس" أو "النوع"، حيث يصبح الجنس والنوع: لونًا أدبيًا، أو شكلاً أدبيًّا، أو شكلاً تعبيريًّا.. إلخ. نشير، على سبيل المثال، إلى دراسة ألفت الروبي في موضوع الأنواع القصصية في التراث الشفهي العربي، وموقف التراث النقدي منها1، والتي عكفت فيها على الكشف عن موقف النقاد القدامى من القص والأشكال القصصية الشفهية والمكتوبة، وكذلك علي الأركان الأساسية لعملية الأداء (القاص، المادة القصصية، الجمهور).
تمثل قضية تجنيس السيرة الشعبية واحدة من القضايا التي حاول بعض الدراسات معالجتها، حيث يدافع أحمد شمس الدين الحجاجي عن السيرة الشعبية بوصفها نوعًا أدبيًّا "من أنواع الأدب العربي الذي أُهمل، أو أُغفل؛ ذلك لأنه لم يندرج ضمن الأنواع الأدبية المعروفة، وقد اشترك في هذا الإهمال كثير من الباحثين، عربًا كانوا أم غير عرب. وقد أدى ذلك إلى التهاون في جمع نصوصها، فضاعت النصوص التي كانت تُروي في الأربعينيات عن عنترة، وسيف بن ذي يزن، والمهلهل، بوفاة رواتها. كما ضاع كثير من النصوص المختلفة لسيرة بني هلال لوفاة رواتها"2. وينفى الحجاجي أن تكون السيرة رواية، حيث إن السيرة فن "نبت وتطور وارتقى قبل أن تظهر الرواية وغيرها من الأنواع الأدبية، فإضافة لفظ رواية لعمل له قوانينه الخاصة التي استقرت، يُعَدُ إضافة بعيدة عن الموصوف؛ فالرواية فن لم يستقر بعد (...)، ولا يمكن تطبيق قواعد فن لم يكتمل على فن اكتمل منذ أمد بعيد"3 .
على الرغم من أوجه الاتفاق بين الرواية والسيرة، فإن السيرة الشعبية ليست رواية بالمعنى الاصطلاحي للرواية. كما أن أوجه الاتفاق بين السيرة الشعبية والأنواع الملحمية لا يجعل من السيرة ملحمة في نهاية المطاف. فضلاً عن أن تقاطع السيرة مع التاريخ الوقائعي لا يجعل منه نصًّا تاريخيًّا على الإطلاق. ولعلنا نذكر في هذا المقام اهتمام عدد من دراسات السيرة الشعبية بالمدخل التاريخي، بدءًا من دراسة عبدالحميد يونس (1910 - 1988) "الهلالية في التاريخ والأدب الشعبي"، التي طبعت بالقاهرة عام 1956، وهي في الأصل بحثه الجامعي للحصول على الدكتوراه عام 1950، بعد مرور أربع سنوات على تقدمه بموضوع "سيرة الظاهر بيبرس". ونرى أن الدافع الرئيس وراء ذلك – وفي هذه المرحلة تحديدًا – يتمثل في تأصيل السيرة الشعبية، من أجل العمل على ترسيخها والاعتراف بها في المجال الثقافي والأكاديمي.
صار المدخل التاريخي جزءًا رئيسًا من دراسات السيرة الشعبية بعد ذلك4، خاصة الدراسات التي أنجزت في البلدان المغاربية (ليبيا وتونس والجزائر، على وجه الخصوص)، حيث تتصل السيرة الشعبية، خاصة سيرة بني هلال، بالجانب التاريخي لمجتمعاتها. ويمثل عبدالرحمن بن خلدون رائد هذا الاتجاه، ويعد كتابه "العبر" أكثر المصادر أهمية في رصد "هجرة بني هلال وبني سليم" والأحداث المرتبطة بها، كما يعد وثيقة شاهدة على معاصريه من الجماعات الاجتماعية العربية في البادية والحضر. ولم تحظَ القبائل العربية بذلك القدر من الاهتمام التفصيلي الميداني الذي أبداه ابن خلدون في مقدمته وتاريخه حيال قبيلتي هلال وسليم ومن جاورهما في الشمال الأفريقي، بوصفهما نتاج رحلة بدوية مشرقية نحو "المغرب الكبير"، حيث تستقر البداوة المغاربية (الأمازيغية). لقد جمع ابن خلدون عددًا من الروايات التي وردت على ألسنة الهلاليين المعاصرين له في شمال أفريقيا، دون أن يصنفها في باب "التاريخ المعتبر". لكن ما نقله ابن خلدون من سرديات الهلاليين، لايزال يمثل- إلى اللحظة - مصدرًا سرديًّا لروايات شعراء السيرة ورواتها في مصر وليبيا وتونس والجزائر. يشير ابن خلدون إلى أن الهلاليين "يزعمون أن الشريف ابن هاشم كان صاحب الحجاز، ويسمونه شكر بن أبي الفتوح، وأنه أصهر إلى الحسن بن سرحان في أخته الجازية، فأنكحه إياها، وولدت منه ولدًا اسمه محمد، وأنه حدث بينهم وبين الشريف مغاضبة وفتنة، وأجمعوا الرحلة عن نجد إلى أفريقية، وتحيَّلوا عليه في استرجاع هذه الجازية، فطلبته في زيارة أبويها، فآزرها إياهم.. فارتحلوا به وبها، وكتموا رحلتها عنه. وفي سياق آخر، يقول: "وشكر هذا هو الذي يزعم بنو هلال بن عامر أنه تزوج الجازية بنت سرحان من أمراء الأثبج منهم، وهو خبر مشهور بينهم في أقاصيصهم، وحكايات يتناقلونها ويطرزونها بأشعار من جنس لغتهم، ويسمونه الشريف بن هاشم". وقد تحدث ابن خلدون عن بني هلال في شمال أفريقيا ضمن نظريته في العمران البشري، لكن لم يذكر ما في مصر، ويرى بعض المؤرخين أنها لم تقم بالتخريب، لكنها ساعدت الحكم الفاطمي في عمليات الإطاحة بنظم الحكم في ولايات شمال أفريقيا. وجوهر السيرة الهلالية – انطلاقًا من تصورات عبدالرحمن أيوب – يكمن في المفارقات التي تنتجها العلاقة بين نمط الحياة المدنية ونمط الحياة البدوية، والصراع القائم بين قيم ورؤى كل منهما، بوصفهما رموزًا لرؤى اقتصادية واجتماعية وسياسية. وانطلاقًا من نظرية العمران ذاتها، نجد أن محور السيرة يرتكز على الصراع بين النظام والتشكيلة الشعبية التي لا تعدو تلك القبائل إلا أن تكون رمزًا لها، وبقي ذلك جوهر السيرة الهلالية، وعنصرها الرئيس الذي تطوف حوله عناصر أخرى ثانوية، تتباين في كل مرة، لتشكل محتوى شكل فني ذي طوابع محلية متسقة مع ظرف كل منطقة اتصلت بعالم السيرة الهلالية، بوصفه خطابات سردية شعبية منتجة للخيال التاريخي5. وأتصور أن درس السيرة الهلالية، وفق مسلك المقارنة السردية بين الرواية المصرية والمغاربية؛ الليبية والتونسية والجزائرية والموريتانية، من شأنه أن يسهم بنتائج مهمة على صعيد تنوع الصياغات السردية، والمنطق السردي ومساراته، وقيم الشخصيات وأدوارها6.
في مقدمة الطبعة الجزائرية لسيرة بني هلال، ترى الباحثة الجزائرية روزلين ليلى قريش أن السيرة الهلالية "توافق التاريخ في خطوطها العريضة، لكنها تركت العنان للخيال على مر الزمان ليبدع ويخترع، إلى أن أصبحت السيرة تسجل لنا قصصًا عجيبة وجذابة في آن واحد، تبث في الأنفس الدهشة والإعجاب وتجعلنا نعيش أحداثها ونتفاعل مع أبطالها، كما تبرهن لنا السيرة من خلال مغامرات أبطالها إلى أنهم أجداد لأغلب أبناء وطننا، وهم يتحركون في سيرتهم المذهبة بين الأسطورة والتاريخ"7. وقد خاضت روزلين تجربة ميدانية جمعت خلالها عددًا من روايات السيرة الهلالية من منطقة "سيدي خالد" ونواحيها التابعة لولاية "بسكرة" الجزائرية، وحصلت بها على دكتوراه الدولة من جامعة إيكس أن بروفانس (فرنسا) سنة 1986، وطبعت سنة 1989 في ديوان المطبوعات الجامعية، الجزائر.
في هذا السياق، نذكر دراسة الباحث التونسي محمد المرزوقي حول "منازل الهلاليين في الشمال الإفريقي"، والتي قدم فيها رصدًا للقبائل الحالية التي تنتمي إلى قبائل السيرة الهلالية وبطونها: رياح وهلال ودريد وزغبة وغيرها في كل من تونس والجزائر والمغرب الأقصى وموريتانيا8.
تُعد الدراسة التي أعدها الباحث الليبي علي محمد برهانة، ونشرتها كلية الآداب والتربية بجامعة سبها الليبية9، نموذجًا للدراسات المهمة في موضوع السيرة الهلالية، وتتمثل أهميتها في جمعها لست روايات شفهية من الرواة الليبيين، أراد لها الباحث أن تتصل بالمدونات التاريخية التي تحدثت عن بني هلال وأشعارهم وهجرتهم إلى الشمال الأفريقي، ومرجعه الرئيس في ذلك ما ذكره ابن خلدون في مقدمته. وبجانب المدخل التاريخي، يقدم برهانة مدخلاً اجتماعيًّا، فمدخل الدراسة الأدبية، ثم مدخل الدراسة المقارنة. ويختتم كتابه بملحق بالنصوص الستة المجموعة ميدانيًّا.
وبالرغم من المجهود الطيب الذي اكتنف المداخل المذكورة، فإن الروايات التي جمعها برهانة وردت دون شرح للمفردات وللعبارات، ودون أية تعليقات تُذكر، مما يصعب فهمها على القاريء غير الليبي، وربما الكثير من الليبيين أنفسهم غير العارفين بلغة البدو وتراكيبها وأصواتها، وهي الملاحظة نفسها التي أكدت عليها نبيلة إبراهيم في تقديمها للكتاب؛ حيث تمنت لو اكتمل العمل بالاهتمام بالروايات الشفهية شرحًا وتعليقًا.
لا يفوتنا هنا الإشارة إلى واحدة من التجارب الجادة في مجال تدوين السيرة الهلالية، وهي التجربة المبكرة التي أجراها الباحث التونسي الطاهر قيقة (1922-1993) على واحد وثلاثين نصًّا بدويًّا للسيرة الهلالية، جمعها والده عبدالرحمن قيقة عام 1927 من راوٍ ليبي كان يتردد على عمال التراحيل الليبيين بتونس، حيث قام بتدوين هذه النصوص بلهجة راويها التي يغلب عليها طابع المنطقة الصحراوية الليبية التونسية، وعمل على تشكيل حروف كلماتها، تيسيرًا على القارئ غير البدوي. كما قام بنقلها إلى الفصحى في صفحات مقابلة10.
لا تخلو سيرة شعبية من مكونات تاريخية، مهما كانت درجة الكثافة الأسطورية في خطابها. لكن باحثي الأدب الشعبي (الميدانيين) ليسوا معنيين الآن - في حقيقة الأمر - بالبحث عن الأصول، حيث صار الهدف الرئيسي نصب أعينهم - إن لم يكن الهدف الوحيد - قائمًا على المواجهة المباشرة للأنواع الأدبية الشعبية في الثقافة الحية؛ بغية جمع حصيلة وفيرة من نصوصها. لكن أهداف الجمع الميداني لا تنحصر في النصوص فحسب؛ فسياقات أداء هذه النصوص، ومصادر الرواة الذين أدوها، واتجاهات الجمهور الذي تلقى أداءها؛ تمثل - جميعًا - أهدافًا تتمتع بالأهمية نفسها التي تحظى بها هذه النصوص، الأمر الذي يضع محور الأداء بأركانه المتعددة (الراوي؛ النص؛ الجمهور) على رأس الموضوعات التي تتغيَّا دراسات السيرة بحثها.
في ما يتعلق بأسماء الأنواع، ليس في الإمكان استصغار شأن القلق الواضح في استخدام مفهوم الملحمة ومفهوم السيرة في أعمال عبدالحميد يونس. وهو نفسه القلق البادي في أعمال محمد رجب النجار، وإن كان النجار قد أضاف اسمًا جديدًا ليكون حلًّا توفيقيًّا للخلاف الذي اشتجر في المجال الثقافي والأكاديمي المصري منذ الأربعينيات، هو : السيرة الملحمية، مع ملاحظة أن المفاهيم الثلاثة ظلت جارية الاستخدام في دراسات النجار.
لقد سبق النجاح في التخلص من فخ مصطلح "الملحمة" للدلالة على نوع أدبي شعبي هو "السيرة الشعبية". ويتمثل الدافع الرئيس وراء ذلك، والمتمثل في ما ذهب إليه عدد من المستشرقين، وعلى رأسهم الفيلسوف الفرنسي إرنست رينان Ernest Renan (1823: 1892)، من قبيل الدعوى بأن الأدب العربي يفتقر إلى الملحمة، وبأن العقلية العربية تنزع بفطرتها إلى التجريد، وتعجز عن التجسيم والتشخيص والتمثيل، وبأن الثقافة العربية، من وجهة النظر هذه، لم تعرف الأسطورة، ولم تبدع القصة والدراما.
لقيت نظرة رينان صدى في الأوساط الثقافية العربية (عباس محمود العقاد وأحمد أمين، على سبيل المثال11) ذلك ما أثار حفيظة عدد من دارسي الأدب الشعبي، أبرزهم عبدالحميد يونس، الذي لم يعتمد في دراسته: "الهلالية في التاريخ والأدب الشعبي" اسم "ملحمة" لوسم السيرة الهلالية، حيث يقول12:
"من العسير أن نقول إن السيرة الهلالية ملحمة (Epic) لأنها تقوم بالشعر، وتتحدث عن الحرب والبطولة، وأنها صدى لحياة فاعلة، وأنها تثير في المتذوقين من المشاعر ما نجد له ضربًا في الملاحم المشهورة؛ ذلك لأن الطابع الغنائي يزحمها في كل ناحية، ويكاد لا يخلو موضع من هذه السيرة دون أن نجد فيه شعورًا ذاتيًّا، وإن صدرت بأكملها عن قوم أو قبيلة. وما نستطيع كذلك أن نحكم عليها بالغنائية الخالصة، وهي في موضعها العام وفي طريقة سردها تتخذ مظهرًا منافيًا للغنائية. وعلى الرغم من ظهور العنصر الدرامي فيها، فإن بدائيته وسذاجته ووقوفه في التطور عند حالة جنينية يباعد بينها وبين أن نسلكها في هذا الضرب من الفن القولي".
لكن يونس بدا عاكفًا - بعد ذلك بسنوات - على الذود عن "الملاحم العربية"، حيث أطلق مصطلح "الملاحم" على كل السير الشعبية، باعتبار ذلك جزءًا مما تقتضيه "الدراسة الموضوعية"، فعمل على إثبات وجود "الملحمة" في تاريخ الثقافة العربية، "وهي وإن تأخرت في الظهور عن ملاحم شعوب أخرى في الشرقين الأوسط والأدنى، فذلك لأسباب تتصل بالتطور الثقافي"13، ثم يردف في سياق آخر قائلاً14:
"لم يكن العرب بدعًا بين الشعوب الإنسانية، فقد مروا بطور نزع الفكر فيه إلى التجسيم والتشخيص وضروب من الطقوس المتوسلة بالتمثيل. وبرز البطل الملحمي في أكثر من بيئة من بيئات العرب، وفي أكثر من مرحلة من مراحل تاريخهم. ومن المفيد أن نميز منذ اللحظة الأولى بين ضربين من الملاحم، كما يقرر مؤرخو الآداب ونقادها. فهناك الملحمة الشعبية Folk Epic التي ينسب تأليفها إلى الجماعة أكثر مما ينسب إلى فرد بعينه. وهناك الملحمة الفنية Art Epic، أو الأدبية، التي تنسب إلى مؤلف معروف. والضرب الأخير يُحاكي الأول، وتبدو فيه ملامح شخصية الأديب الذي أبدعها. أما الضرب الأول، فتقليدي، ويقتطع من التاريخ، وإن جنح في عالم الخيال، والشخصية التي اشتهرت بتأليف إحدى ملاحمه غامضة، لا يستطيع تاريخ الأدب أو الحضارة أن يميز لها واقعًا محددًا. ويمثل باحثو الأدب المقارن للضرب الأول بأشهر ملحمة عالمية وهي إلياذة هوميروس، ويستشهدون على الضرب الثاني بإنيادة فرجيل. وأيًّا كانت التعريفات التي ينتهي إليها باحثو الأدب، فإن هذا الجنس الأدبي كان قد اختفى من عالم الإبداع في أكثر بلاد العالم، ولكنه مستمر عند الشعوب التي يقوي فيها الشعور الوطني أو القومي، ويبعث استجابة لما بدأت تحسه الجماعات المتحضرة من وجوب التحام الأدب بالجماهير، وهو الالتحام الذي يعتصم بتصور جديد للبطل الملحمي، والذي يتوسع في تصويره، ويقرن القصيدة القصصية الطويلة ببعض مقومات الأدب الدرامي، ومن حوار وحركة ونشيد جمعي".
ويؤكد محمد رجب النجار أنه مهما وضع النقاد من فروق لا يُستهان ببعضها بين الملحمة العربية والملحمة الغربية، فإنها لا ترتفع إلى مستوى الخلاف النوعي، ويكفي أن يكون هذا التطابق بينهما قائمًا في الهدف والوظيفة، وإن تزيَّا كل منهما بزي يتلاءم وبيئته، وزمان نشأته ومزاجه القومي، ومعتقداته وموروثاته، وأنماطه الثقافية15. لن يضير الملاحم العربية التاريخية أو الشعبية أنها توسلت في بعضها بالنثر، وفي بعضها الآخر بالشعر. فجاءت أغلب ملاحمنا نثرية – وان استعانت في الوقت نفسه بالشعر الموضوعي الذي جاء تسجيلًا للأحداث الملحمية الرئيسة – استجابة لدواعي التطور والانتقال من مرحلة التعبير بالنثر من ناحية، واستجابة لطبيعة الفن القصصي عند العرب، الذي يمزج التعبير بين النثر والشعر معًا من ناحية أخرى.. وهل أضير فن الدراما في شيء عندما توسل بالنثر بعد أن كان يقوم بالشعر، وأن يظل كما هو وفيًّا بعطائه ووظائفه، حتى بالمفاهيم الأرسطية16.
يبدو لنا الأمر لدى يونس - على موضوعيته - دفاعًا عن الثقافة العربية ومنافحة عن آدابها، وهو مسلك ناجم عن رفض دعاوى رينان ورد فعل له. لكن رد الفعل هذا أثار حفيظة تلميذه أحمد علي مرسي الذي حمل بذور التوجهات الميدانية في دراسة الأدب الشعبي من أستاذه يونس17، فسلك هذه الطريق في جامعة القاهرة، وكان بدهيًّا أن يتجاوز توجهات المدرسة الوظيفية التي نأت عن وصف مكونات الظاهرة الأدبية الشعبية، لينحاز إلى العمل الميداني، وإلى نتائجه المحصودة من وصف خصوصيات الظاهرة الأدبية الشعبية وصفًا دقيقًا كما هي معيشة في حياة مجتمعاتها، كي يتسنى لباحثي الأدب الشعبي أن يقيموا – من بعد - معرفتهم النظرية بالأجناس الأدبية الشفهية على أُسس أكثر رسوخًا.
أما أحمد شمس الدين الحجاجي، فقد قدم معالجة ضافية لهذه النقطة المتعلقة بدعوى وسم السيرة الشعبية بالملاحم، إذ يقول18:
"الملحمة مصطلح أطلق أول ما أطلق على الإلياذة والأوديسة، ثم أطلق من بعدهما على أعمال أوروبية أخرى مثل ملحمة رولان وملحمة السيد، وقد ظهرت ملاحم غيرها في أرجاء مختلفة في العالم الأوروبي. وهناك عناصر مشتركة بين الملحمة الأوروبية والسيرة الشعبية العربية، ولكن بينهما أيضًا اختلافًا كبيرًا، فالسيرة عالم متسع أكبر بكثير من الملحمة، وهي الشكل الأول الذي نبتت منه الملحمة، فالسيرة حين تبدأ في التكسر تتحول إلى ملحمة، فهي جزء من السيرة، السيرة هي الكل، والملحمة هي الجزء. ولو قارنَّا على سبيل المثال بين سيرة بني هلال وبين كل من الإلياذة والأوديسة مجتمعتين، لوجدنا أن كلاً منهما تمثل حلقة من حلقات سيرة واحدة، فالإلياذة تتوازى مع التغريبة، ولا تتسع اتساعها، في تقترب من الجزء الخاص بحصار تونس في كثير من أبعاده، وتلتقي معها في كثير من عواطف المتحاربين المحاصِرين، وعواطف [المحاصَرين] والعالم الذي [يعيشونه]: الحب والكره والبطولة والخيانة. وتلتقي كثير من الشخصيات بينهما مع كثير من الفوارق أيضًا، قصة حب عزيزة الجميلة ويونس لا تتساوى مع قصة حب هيلين الجميلة وباريس، ولكن هناك توافقًا كبيرًا بينهما، وحتى غضبة دياب لمقتل صديقه عامر الخفاجي، فيعود بعد اعتزاله الحرب ليقاتل مع الهلالية، وهي تمثل غضبة أخيل لمقتل صديقه بتروكليس، وعودته ليحارب مع اليونان؛ لينتقم لصديقه. الإلياذة كلها لا تزيد في بنيتها عن بنية التغريبة، الوحدة الزمانية والمكانية لمعركة تدور لمدة أربعة عشر عامُا حول أسوار تونس المرية، تقابل معركة تدور عشرة أعوام حول أسوار طروادة، ولا شك [في] أن هناك فروقًا كبيرة بين العالمين. وعند النظر إلى الأوديسة، فهي لا تزيد عن الريادة: رحلة أوليس إلى في البحر للعودة إلى وطنه. والثانية رحلة أبي زيد لاستكشاف بر تونس والعودة إلى وطنه. رجلان يغتربان؛ اليوناني في البحر، والعربي في البر. ليس الشعر هو الفرق الوحيد بين [الملاحم والسيرة العربية]؛ فالسيرة العربية شعر.. بعض الشعراء يروون نصوصها شعرًا، وقد يتكسر الشعر بفعل إضافات الراوي المستمرة وجمله الاعتراضية (...). وأهم فرق هو اتساع السيرة الذي يشمل في طياته أكثر من ملحمة، لولا أنها تتكسر لتصبح مستقلة الموضوع بعيدًا عن الجوانب الأخرى. ليس هناك ملحمة واحدة فيها هذا الفصل المتسع عن مواليد البطل ثم التدرج السلمي نحو المراحل المختلفة لعمره كما يوجد في هذه السيرة. وسيرة بني هلال تبدأ بفصل مواليد [الأبطال]، وتنتهي بفصل الأيتام، الذي يمكن أن يعد فصلاً من فصول مواليد البطل أيضًا، فمرحلة الميلاد تتكرر ثانية في بطل الهلالية الجديد علي أبو الحلقان".
يختتم الحجاجي إضاءته الكاشفة بقوله: "إن علينا أن نتقبل كلمة سيرة وصفًا لهذا الفن الذي أبدعته العقلية العربية، دون أن نسبغ عليها أسماء أخرى لا تنطبق عليه إلا في بعض الجوانب دون غيرها"19.
بالرغم مما أُنجز في سياق عودة الاسم المحلي للدلالة على النوع ووسمه به، فقد ظل اسم "الملحمة" - ولايزال - مدرجًا في عدد من الدراسات المعاصرة التي تناولت السيرة، لكن اسم "السيرة" أضحى الآن أكثر استقرارًا، وليس غريبًا أن يعتمده عدد من الدراسات في الإنجليزية والفرنسية والروسية والأوزباكستية20، ولاسيما في العقدين الأخيرين من القرن العشرين. والواقع أن كثيرًا من المستشرقين الأوروبيين - منذ القرن التاسع عشر - قد احتفوا بالسير الشعبية من زوايا مختلفة، لكن أعمالهم جميعًا تتفق على النظر إليها بوصفها سير شعبية ذات مكونات تاريخية وأسطورية وأدبية خاصة.
إذا ضربنا مثلاً بالهلالية، فإننا نذكر الفرنسي "رينيه باسيه" Rene Basset الذي قدم فصلاً ضافيًا تحدث فيه عن الهلالية عام 1885، ثم الألماني "و. أهلوارد" W. Ahlward الذي أصدر فهرسًا جامعًا للمخطوطات العربية بمكتبة برلين عام 1896، تضمَّن وصفًا دقيقًا لمخطوطات الهلالية البالغ عددها مائة وأربعة وسبعين مخطوطة، كما أورد كثيرًا من محتوياتها وذكر بعض أعلامه. وبعد ذلك بعامين، أي في عام 1898، نشر المستشرق الألماني مارتن هارتمان Martin Hartmann (1851- 1918) بحثًا مستفيضًا تحت عنوان "سيرة بني هلال"، استند فيه إلى الطبعات التي صدرت إلى عهده لسيرة بني هلال، بجانب البيانات التي أوردها المستشرق الألماني وليم أهلوارد W. Ahlward (1828 - 1909) في فهرسه المذكور. أما المستشرق ألفرد بل A. Bel (1873 - 1945)، فقد أفرد لسيرة بني هلال كتابًا قائمًا برأسه عنوانه "الجازية"، أصدره في باريس عام 1903، وحاول فيه أن يفيد من أبحاث من تقدموه، فعرض لها في شيء من الإيجاز، واعتمد فيه على نص مغاربي جمعه من أهالي منطقة تلمسان (غرب الجزائر على وجه التحديد)21. ولم يُطلق ج. ر. باترسون مصطلح "الملحمة" على النصوص التي جمعها من عرب الشوا في شمال نيجيريا، ونشرها سنة 1930، حيث عنونها بـ"قصص أبي زيد الهلالي"، وأطلق عليها ه. ر. بالمر، في تقديمه للكتاب، مصطلح الحكايات التعظيمية (Legend)22.
ليس بالوسع أن نستصغر من شأن النجاح في الحفاظ على خصوصية الأسماء المحلية للأجناس الأدبية الشعبية، وفرضها على المستشرقين الجدد في مختلف أنحاء العالم، حيث نرى ذلك ركنًا أساسيًّا من أركان صناعة الثقافة الوطنية. ونعتقد أنه من الصعوبة أن يحترم "الآخر" أنواعنا الأدبية، ما لم نحترمها "نحن"، وبديهي أن يجهل أسماءها، ما دمنا لا نعمل على الاعتراف بها وترسيخها. وكلما تواصلت الدراسات الميدانية في مجال جمع المأثورات الشعبية ودراستها، تأكدنا أن الميدان السوسيوثقافي لايزال مكتنزًا بالأسماء والمصطلحات والمفاهيم الدالة على تحولات الأجناس الأدبية الشعبية وأنواعها وتنويعاتها.
ختامًا للنقطة الخاصة بقضايا تجنيس السيرة الشعبية، أتصور أن معظم دراسات السيرة الشعبية قد خلا من مناقشة السيرة من زاوية التجنيس، مقارنة بالجهود البحثية التي بذلت في تجنيس الأنواع الأدبية الحديثة، بل أيضًا بالدراسات التي اهتمت بأنواع الأدب الشعبي الأخرى، ربما لأن السيرة تعد موضوعًا بالغ التعقيد بالمقارنة بمحاولات تجنيس الأنواع الأخرى من الأدب الشعبي، فنحن - أمام السيرة - نواجه شبكة عريضة من النصوص والمتون، ما بين مدون ومطبوع من جانب، وروايات شفهية دائمة التغير من جانب آخر. ونواجه أيضًا عددًا من التنويعات والسياقات وأساليب التداخل والتآزر بين الأشكال (الأنواع) الأدبية داخل فضاء النص السيري. وإذا شئنا، أفدنا من مفهوم "تضمين المأثورات" الذي صكَّه مليمان باري M. Parry (1902-1935) وتلميذاه ألبرت لورد A. Lord (1917-1991) وديفيد بينوم D. Bynum (1917 - 1992)، لتحليل ظاهرة تناص مجموعة من الموتيفات المنتمية إلى أجناس أدبية شعبية عدة داخل الأنواع الشعبية التي تتسم بالضخامة النصية23. فالأنواع الأدبية الشعبية ليست منفصلة في ما بينها، بل تتعايش وتتآزر في علاقات داخلية شديدة الحيوية والتركيب.
لهذه الأسباب، تقع أية محاولة لوضع السيرة/السير الشعبية في لب قضايا النوع الأدبي في حيرة من الأمر، خاصة أن موضوع النوع، في جانب من جوانبه، هو عملية اختزال وتقنين24، يرفضها تداخل الأنواع (النثرية والشعرية) في السيرة، وتراوغها التشكيلات النصية المتعددة لها. أضف إلى ذلك: الطبيعة الخاصة للروايات الشفهية على مستوى الأداء، والتلقي (الجمهور)، والسياق الزماني/ المكاني لكل رواية شفهية.
لم تحل هذه الشبكة المعقدة دون وضع نصوص السيرة الشعبية، على تعددها، في إطار "النوع الجامع" الذي يتضمن قوانين رئيسة، أو موضوعات عامة، تنسحب على مجمل نصوص السيرة- السير الشعبية، سواء الشفهية أو المدونة والمطبوعة (أحمد شمس الدين الحجاجي، محمد حافظ دياب، محمد رجب النجار، طلال حرب، عبدالله إبراهيم، وغيرهم). وهناك دراسات انتخبت نماذج محددة من السيرة الشعبية، كسيرة الظاهر بيبرس (عبدالحميد يونس)، وسيرة بني هلال (أحمد ممّو، خالد أبو الليل، روزلين ليلى قريش، صلاح الراوي، عبدالحميد بورايو، عبدالحميد حواس، عبدالحميد يونس، عبدالرحمن أيوب، عبدالرحمن قيقة، محمد حسن عبدالحافظ، محمد علي برهانة، محمد فهمي عبداللطيف، محمد المرزوقي، وغيرهم). وسيرة ذات الهمة (نبيلة إبراهيم)، وسيرة عنترة (شكري عياد، عبدالحميد يونس، محمود الحفني ذهني، وغيرهم)، وسيرة الملك سيف بن ذي يزن (خُطري عرابي أبو ليفة، سعيد يقطين). كما نلاحظ اهتمام بعض الدراسات بقسم بعينه من أقسام السيرة الشعبية، أو حلقة من حلقاتها، كحلقة ميلاد البطل (أحمد شمس الدين الحجاجي)، أو الجزء الخاص بعزيزة ويونس في رحلة الريادة (صلاح الراوي)، أو مرحلة التغريبة (عزي بو خالفة)، أو شخصية من شخصيات إحدى السير، مثال شخصية الخفاجي عامر بن درغام حاكم العراق (باسم عبدالحميد حمودي)، وشخصية الزناتي خليفة (أحمد شمس الدين الحجاجي)، أو مقاربة موضوع محوري، كموضوع الأداء الموسيقي (محمد أحمد عمران)، أو إبداعية الأداء (محمد حافظ دياب)، أو الأدوار السردية للمرأة (محمد حسن عبدالحافظ).

2. في صراع المناهج: السيرة الشعبية بين الشفهي والمدون
ثمة جهود تطبيقية استعانت بأدوات ومناهج نقدية حديثة في دراسة السيرة الشعبية (على سبيل المثال: محمد رجب النجار؛ صلاح الراوي؛ أحمد شمس الدين الحجاجي؛ عبدالحميد بورايو؛ سعيد يقطين؛ عبدالله إبراهيم؛ طلال حرب؛ محمد حسن عبدالحافظ). وتستند هذه المحاولات إلى العكوف على فحص نصوص التراث والمأثور الأدبي الشعبي العربي المدون والشفهي من جانب، والتعاطي الجاد مع الإسهامات النقدية المعاصرة من جانب مواز. وأتصور أن جُلَّ هذه الإسهامات أدى إلى الإفادة من المناهج النقدية الحديثة في الإعلاء من شأن الأدب الشعبي في حقول النقد الأدبي، وإلى تجاوز الدراسات الوصفية والتاريخية، والوقوف على الأطر الفنية والاجتماعية والثقافية التي تحكم هذا التراث الأدبي العربي، واستقراء سماته التي تحكمه وتشكل "المعمار الفني" للسيرة الشعبية.
لنضرب مثلاً بمقاربات السيرة الهلالية، بوصفها خطابًا سرديًّا نجد تجلياته في المجالين الشفهي والكتابي على السواء.
اتجهت معظم الدراسات التي تناولت السيرة الهلالية إلى الاهتمام بالموضوع القصصي فيها، أو في أجزاء منها. وقد أثارت هذه الدراسـات - في عمومها - المشكلات التاريخية والجغرافية حول انتشارها، كما نبهت الأذهان إلى الدلالات الأدبية والاجتماعية التي تنتج عن دراسة موضوعاتها. وأكثر هذه الدراسات ظل يتعامل مع السيرة الهلالية وأجزائها بوصفها "نصًّا". ومن هنا، ظلت أسيرة الأبحاث "الكتابية" بمداخلها المتعددة. ولعل ما يدعم هذا الاتجاه أن للسيرة الهلالية نصوصًا مطبوعة طبعات عدة في المشرق العربي ومغربه، فضلاً عن اكتشاف أكثر من مخطوط لأجزاء منها25.
وبالرغم من انتباه بعض هذه الدراسات إلى أن السيرة الهلالية لاتزال تروى "رواية شفوية" وتُردَّد بين الناس، فإنه مما يثير الدهشة أن هذا الانتباه لم يغيِّر من منطلقات البحث واتجاهاته، أو من المشكلات الناجمة عن النظرة "الكتابية" للسيرة، ولم يزد الأمر، في كثير من الأحوال، عن مجرد الإشارة إلى شفهية رواية السيرة، وإلى أنها لاتزال تردَّد وتُروى شفاهةً، وإلى أن هناك "تنويعات" في موضوعاتها القصصية، ولايزال مطروحًا بين هذه الدراسات مسائل من قبيل البحث عن "الأصل" أو "النسخة الأم" التي خرجت منها هذه التنويعات، أو "تحقيق" نص من النصوص مع تنقيحه وتصويبه لتخليصه من "شوائبه" سعيًا نحو خلق "النص الأمثل" أو الأكمل أو الأدق26.
ثمة اتجاه يبحث عن أصل السيرة الهلالية، أو عن مخطوطتها الأصلية، حيث يأسف شوقي عبدالحكيم لكون "النص الأصلي المدون لهذه السيرة السياسية الكبرى، ما يزال في عداد المخطوطة المحفوظة بمكتبة الدولة المركزية ببرلين"27.
أما الناقد المغربي سعيد يقطين، فيذكر في مدخل قراءته لسيرة بني هلال أنه "تعترض باحث السيرة الشعبية عمومًا، وسيرة بني هلال, على نحو خاص، صعوبة تشكيل النص الكامل النموذجي، وذلك لكثرة الروايات وتضاربها في مواطن عديدة من بناء السيرة. هذا علاوة على كون السيرة الأصلية المتكاملة، كما هو الشأن بالنسبة لباقي السير، ما يزال [؟] مخطوطًا، والنصوص المتداولة الآن، والتي يتباحثها الباحثون، مشحونة بالأخطاء والتحريفات. هذه الصعوبات النصية وجيهة فعلاً، ويمكننا مع ذلك, أن نشتغل بالنصوص المطبوعة، ونسعى من إلى ورائه [؟] إلى العمل على تشكيل النص الأقرب إلى النص النموذجي، في انتظار ظهور هذا النص المرتجى"28. ويقترح يقطين قراءة جديدة تروم البحث في خصوصية هذه السيرة من الناحية الداخلية للنص, وذلك بغية ملامسة تقنياتها الحكائية والسردية، مع النظر في مختلف البنيات والوظائف التي تضمن اتساقها وانسجامها، وتمكننا من الكشف عن دلالاتها وأبعادها، بعيدًا عن أي إسقاط خارجي، أو أي ربط آلي بمرجعية تاريخية أو واقعية، كدراسات كل من عبدالحميد يونس، ومحمد رجب النجار، وشوقي عبد الحكيم، وفق تمثيل يقطين.
في عمليه اللاحقين "الكلام والخبر: مقدمة للسرد العربي" و"قال الراوي"، يرى يقطين أن باحثي السير الشعبية، وإن عملوا على تحويلها من وضع اللانص إلى النص (وهو ما يعني أنه لا وجود للسيرة الشعبية قبل الكتابة، أو لا شأن لها بدون الكتابة، فضلاً عن تصور قاصر يرى أن "مفهوم النص" ينحصر في الشكل المكتوب فحسب)، فقد وسموها بتسميات مختلفة، تحكم فيها غالبًا هاجس المنافحة والمفاخرة والسجال العقيم (ولم يذكر لنا يقطين أمثلة لهذه التسميات التي يراها غير علمية!). وهذا ما جعله يتبنى الملاءمة العلمية بهدف معاودة النظر في المفاهيم والتصورات السائدة للوصول إلى إقامة رؤية جديدة، حيث أقدم في البداية على اقتراح السرد العربي بديلاً عن كل المسميات المقترحة للسيرة الشعبية، ويقدم تقسيمًا للأجناس الأدبية يثير تحفظنا؛ عامة: مثل الحكاية الشعبية والأدب القصصي والأدب الشعبي. خاصة: على نحو الملحمة والسيرة والرواية. وفرعية: مثل رواية بطولية، وحكاية الجن والحيوان، وخرافة بطولية. ويرى يقطين أن ما يجمع بين مختلف هذه التسميات هو "السرد" الذي اعتمده لاحقًا اسمُا لـ "الجنس الجامع" لمختلف الأنواع التي استعملت في الأدبيات العربية القديمة والحديثة29.
في تصوري، فإن الثقافة الغربية نفسها عانت من هيمنة المفاهيم النقدية الحديثة - التي اختزلت الإنسان وحضاراته وإبداعه في الكتابة فحسب - على أنواع الشعر الشفهي التي ظلت تلتهمها مجرة جوتنبرج والحضارة التكنولوجية الغربية. لم يجد بول زومتور بدًّا من أن يطلق حكمًا يبدو متسمًا بنوع من القسوة المضادة للمقولات النقدية التي نقلها يقطين، وغيره من النقاد العرب، عن الإنجازات النقدية الأوروبية، حيث يقول زومتور: "ليس حال المفاهيم التي ينقلها التحليل النصي، منذ عشرين عامًا، علميًّا في شيء"30.
بعيدًا عن أسلوب القدح المتبادل بـ اللاعلمية، فإننا - في الحقيقة - لا نستصغر من شأن الدراسات النصية التي قاربت السيرة الشعبية المدونة والمطبوعة طبعات عدة، وهي الدراسات التي اختطت مسلكها المنهجي استنادًا إلى رؤية السير الشعبية بوصفها نصوصًا سردية ذات بنيات حكائيـة متميزة ومستقلة تقبل الخضـوع للتحليل السردي، بمعزل عن أي أفق خارج النص.
لكن ما نراه - على نحو مكثف - هو أن هناك فرضيتين متباينتين يحكمان دراسة السيرة الشعبية. الأولى: صُمِّمَت للأنواع الأدبية المكتوبة (والمقصود بها الأدب الذي يبدعه المبدعون الأفراد)، وتقوم بقياس السير الشعبية المطبوعة عليها (ربما كان ذلك سببًا في عدم الاعتراف بالروايات الشفهية بوصفها تحريفات مخلة بالنص الأصلي). ومن ثم، تقصر هذه الفرضية تطبيقاتها على المقاربة الشكلية للنص، دون القدرة على اختراق السياج النصي للإمساك بدلالة النص في إطاره الثقافي والاجتماعي. والثانية: تطبق أدوات المناهج الاجتماعية لدراسة الأدب على السيرة الشعبية باعتبارها ذات صلة وثيقة بالتاريخ وبالواقع الاجتماعي والثقافي للأمة العربية، وغالبًا ما تنظر إلى الروايات الشفهية بوصفها دليلاً على هذه الصلة، وليس بوصفها نوعًا أدبيًّا له نظامه الجمالي الخاص.
إن الانحياز إلى طرف من أطراف الثنائيات الضدية الشهيرة: الشكل/المضمون، النص/السياق، المكتوب/المنطوق، الداخل/الخارج، الأصل/التنويعات.. إلخ، هو أحد المشكلات الكبرى التي تواجهنا في دراسة السيرة الشعبية.
لا مناص – في مستقبل عملنا – من البحث عن منظور ثالث يتكفل بحسم ذلك النزاع القائم بين المناهج31، فنحن في حاجة ماسة للوصول بالمناهج المتعددة إلى وحدة منهجية مركزية، بحيث تتفاعل أدواتها وإجراءاتها تفاعلاً خلاقًا يمكنها من أن تكون الميدان الرئيسي لدراسة أنواع الأدب الشعبي؛ والجامع الاستراتيجي للأدوات والإجراءات المستعارة من حقول معرفية وعلمية مختلفة، في ما يعرف بـ "المعارف البينية" التي تتطلبها دراسة الأنواع الأدبية الشعبية في مجالها الشفهي: الأنثروبولوجيا والاجتماع واللغة والنقد الأدبي والاتصال والتعبير بحركة الجسد (Kinesics) وعلم العلامات والنفس والتاريخ والجغرافيا والاقتصاد والفهرسة والإحصاء والمقارنة... إلخ. إن هذا الطموح لا يستهدف تجاوز الانحياز الضيق للتخصصات وتجاور العلوم والمعارف وتآزر إمكاناتها فحسب، بل يكمن مسعاه أيضًا في تعدي النطاق الفردي إلى النطاق الجماعي في العمل والأداء البحثيين، وهو أحد الشروط المفقودة في سياسات العمل البحثي في ميدان دراسة الأدب الشعبي. وبوسعنا القول بأن هذه الرؤية تتسق تمامًا مع أبرز الخصائص الفنية والأدائية للأدب الشعبي نفسه: التواصل والتعدد والجماعية.

3. في مفهوم السيرة الشعبية Sira sha’biyya (geste-saga)
في الختام، بوسعنا أن نطرح رؤية إجمالية لمفهوم السيرة الشعبية الذي أطلق، منذ النصف الأول من القرن العشرين، على مجموعة من الخطابات السردية الطويلة التي تولدت في مجال المشافهة، ورواها رواة وشعراء منشدون في ساحات المدن العربية الكبرى، وفي المجالس، والأرياف، قبل دخول المطبعة إلى الحواضر الحديثة32.
تعد السيرة الشعبية خطابًا أدبيًّا سرديًّا متواترًا بالرواية الشفهية عبر الأجيال، ويحكي بطريقة سردية سيرة حياة بطل، أو جماعة، وتعكس من خلاله/ خلالها أحلام المجتمع الشعبي وتصـوراته، كمـا تعكس أيضًا رؤية الضمير الجمعي لنفسه وللعالم وللكون، عبر تلك النصوص، بين ما هو كائن وما يجب أن يكون. وهذا التأريخ - في حقيقته - مزيج من الوقائع التاريخية والمبالغات الميثولوجية، حتى قيل إن السير الشعبية هي التاريخ ينشد على أبواب الأسطورة33.
والسيرة الشعبية هي تاريخ حياة فرد أو تاريخ حياة جماعة، وقد تعددت أنواع السير، فمنها القبلي والقومي والإسلامي. على سبيل المثال، تعد سيرة بني هلال، أو السيرة الهلالية، سيرة قبلية في شكلها الأوَّليّ، وكما أنها سيرة جماعة؛ تحكي عن قبيلة بني هلال وحلفهم مع قبائل العرب في نجد والحجاز، ولكل بطل من أبطال السيرة الهلالية فصل أو أكثر خاص به، وإن كان أبو زيد الهلالي هو المسيطر على حلقاتها34.
لكل سيرة من هذه السير الشعبية رواة متخصصين، ينفرد كل فريق منهم بإنشاد سيرة بعينها، يتوارث روايتها جيلاً فجيلاً، وذلك منذ أن تكاملت في منتصف العصر المملوكي، وإلى وقت قريب في بدايات القرن العشرين، باستثناء السيرة الهلالية التي لاتزال حية تروى إلى اليوم في معظم البيئات العربية. والسيرة الشعبية من الأدب الشعبي لكونها مجهولة المؤلف، وخاضعة عند روايتها وتداولها المستمر عبر القرون للتجدد والإضافة35. وقد ترتب على ذلك أن نسخ السيرة الشعبية الواحدة تختلف في ما بينها اختلافًا كبيرًا أحيانًا على نحو ما يظهر في السيرة الهلالية، كما أن نص السيرة الشعبية يمكن أن يطول بشكل لافت، فيضم مخطوطها آلاف الصفحات، شأن "سيرة الأميرة ذات الهمة والبطال وولدها عبدالوهاب" التي تقع في 26 ألف صفحة مخطوطة36.
"السيرة"؛ اسم النوع الأدبي الذي يطلقه الرواة (فضلاً عن الجمهور المتلقي) على مروياتهم (رواياتهم)، ضمن خطابهم القصصي، ويسمونه أيضًا "قصة"، و"ديوانًا"، و"رحلة". وينبئ مصطلح "سيرة" استعماله طي النصوص بتأثر الرواة الشعبيين، أو على الأقل المؤلفين الأوائل، بأدب السيرة في الثقافة العربية الإسلامية، وخاصة أن "السيرة الشعبية" تحمل – عادة - اسم بطلها، وتروي قصة حياته من الولادة إلى الوفاة. وهو أحيانًا شخصية تاريخية وردت أخبارها في كتب التاريخ والسيرة والأدب، مثل: عنترة بن شداد، والمهلهل بن ربيعة (الزير سالم)، وسيف بن ذي يزن، والظاهر بيبرس. ويتجلى تأثر السيرة الشعبية بأدب السيرة في عناصر أخرى، من أبرزها: ابتداؤها أيضًا ببيان النسب، وذكر النبوءات المبشرة بميلاد البطل وتكوِّنه، وقيام المسار الحدثيّ على صراع البطل من أجل تحقيق أهدافه، أو ما يُنْتَظَر منه. ولا يعني ذلك أن السيرة الشعبية قد أفادت من نصوص السيرة النبوية وحدها، فأخبار الجاهلية وأيامها وأخبار الفتوح وقصص فرسانها وفارساتها، قد مثلت روافد مهمة استقى منها الراوي الشعبي عناصر لتشكيل الأجواء الملحمية التي صورها. وقد استند أيضًا إلى تراث شفهي ومكتوب من الخرافات والحكايات الشعبية المليئة بالجن والسحر وقصص الأنبياء والأولياء والصالحين وكراماتهم37.
مارس الراوي الشعبي حرية واسعة في التعامل مع التاريخ من حيث الأحداث والشخصيات. ففي السيرة الواحدة، تتجاوز الإحالات إلى تواريخ متباعدة، وتجتمع شخصيات تاريخية تفصل بينها قرون، كما في "سيرة سيف بن ذي يزن" التي جعل هذا البطل العربي الجاهلي يقاتل الملك سيف أرعد الذي حكم الحبشة في القرن 14م (8هــ). وفي "سيرة علي الزئبق" التي تجري أحداثها في عهد هارون الرشيد (ت 193هــ)، بينما سلطان مصر في السيرة هو أحمد بن طولون الذي حكمها بين سنتي 254هـ و 270هــ، وبعض أحداث القصة تقع في الأزهر الذي تم بناؤه في 361هــ38.
فضلًا عن هذا التخييل التاريخي، اتصلت السير الشعبية بمراحل متعددة من تاريخ العرب، وما خاضوه من ضروب الصراع. ففي سيرتي عنترة والزير سالم أبطال عاشوا قبل الإسلام، وفيهما صورة من الصراعات القبلية، وفي سيرتي سيف بن ذي يزن وحمزة البهلوان (البهلوان هنا كلمة غير عربية أطلقها عليه كسرى، وتعني البطل الأعظم39)، نجد صورة الصراع مع الفرس. وفي سيرة ذات الهمة صورة من الصراع مع الروم، وفي سيرة الظاهر بيبرس صورة من الصراع مع الصليبيين40.
لا يبرر هذا اعتبار السير تاريخية أو شبه تاريخية، فنسبتها إلى السرد التخييلي، وخاصة منه ذاك المحتفل بالعجائب والغرائب، لا ريب فيه. أما استدعاؤها لبعض أحداث التاريخ العربي الإسلامي ومعاركه الكبرى وأبطاله المشاهير، فهو دال على الحاجة التي كانت هذه القصص تلبيها لجمهورها الواسع من الجماعات الشعبية التي كانت مسحوقة بالاستبداد، وحالمة بالبطل المنقذ41.
والقصة المركزية في السيرة الشعبية تبدو قصة حياة بطلها منذ مبتدئها حتى الوفاة. وتنتظم في وحدات حكائية متفاوتة الطول يقوم تعاقبها على منطق عام تشترك فيه مختلف السير. فالوحدات الأولى تتعلق بالنسب والنبوءات المبشرة والولادة الخارقة والنشأة الصعبة. وتوكل للعلامات التنبؤية أهمية كبرى؛ لأنها تفتح القصة على احتمالات كثيرة وتضاعف التشويق وتتحكم في المسار الحدثي العام. وقد تعلن النبوءات من خلال النظر في كتب الأساطير والملاحم، كما في "سيرة سيف بن ذي يزن"، أو من خلال الأحلام والمناجاة، كما في "السيرة الهلالية"، فمناجاة رزق ابن نايل في "جبل الكروبات"، ثم حلمه الذي رأى فيه أنه يتزوج من امرأة من مكة، هما الأساس الذي انطلق به مع فرسان قبيلته في رحلة حجيَّة، حيث تزوج بخضرا بنت الأمير قُرْضَة الشريف، وهي نفسها كانت قد حلمت بالزواج من فارس همام42. والأحلام أيضًا هي أبرز العلامات التنبؤية في "سيرة حمزة البهلوان" حيث تنفتح بحلم رآه كسرى، ويؤوله وزيره فيخبره بمن يحاربه ويفتك ملكه، وبمجيء فارس حجازي يقتل عدو كسرى، ويعيد كسرى إلى ملكه. لكن الوزير أخفى الجزء الثاني من النبوءة، وهو أن هذا الفارس العربي نفسه سيحارب الفرس، ويرفع نيرهم عن العرب، ويهدم معابد النيران43.
ويهتم الراوي الشعبي بإبراز نسب البطل وخصائصه الجسدية عند الولادة وتميزه منذ الطفولة بالقوة والفروسية والقتال. ويروي المحن التي تعرض لها منذ الصغر، شأن المكائد والعراقيل التي وجدها سيف من أمه والمهلهل من زوجة أخيه وعنترة من أبيه وقبيلته. وتمثل تلك المحن تجارب تبرز للآخرين قوته. ثم يكون الاختبار الحاسم الذي يمكن من الاعتراف به بطلاً، وهو يتمثل خاصة في الانتصار على أحد الفرسان الجبابرة، كأسر سيف لسعدون الزنجي، وقتل بيبرس لسعد الركبدار. وتمضي حياة البطل بعد ذلك من صراع إلى آخر. وقد تكون بعض المعارك من أجل غايات ذاتية، كرغبة المهلهل (الزير سالم) في الثأر لأخيه كليب، وسعي بيبرس إلى السلطة، وإصرار أبطال آخرين على الزواج من الحبيبة. ولكن قتال عنترة قد تجاوز الصراع من أجل عبلة، ولم تنته سيرة سيف بن ذي يزن بزواجه من شامة واستعادة ملك أبيه. فالسيرة الشعبية توكل لبطلها دورًا اجتماعيًّا وقوميًّا، إذ تجعل منه الفارس الذي لا يهدا في الدفاع عن المظلومين، حتى أثناء رحلة المطامح الذاتية، وتجعله الفارس الذي يقود قومه ضد العدو الخارجي44.
وإذا كانت سيرتا ذات الهمة والظاهر بيبرس نموذجين للجهاد ضد الغزاة من الروم والصليبيين، ففي سير حمزة البهلوان وسيف وعنترة يبدو الاهتمام جليًّا بالصراع مع الفرس والأحباش وغيرهم من الأقوام المعادية، ويتجلى فيها البطل الشعبي حاملاً لواء التوحيد القومي والديني45.
ولما كانت حياة البطل مراحل متتالية من الصراع، كانت المعارك الفردية والجماعية من أبرز أحداثها. ولكن السير ضمت أيضًا أعمالاً كثيرة متنوعة ذات طابع وجداني أو اجتماعي أو فكاهي أو ديني أو سحري. وقد قام المحور الرئيس للأحداث والأفعال في مختلف السير على التضاد بين الخير والشر، فكان البطل ومساعدوه في مواجهة مستمرة لمكائد الخصوم. وتميز البطل بكل الخصال بالدهاء والقدرة على التحيل والأعمال الماكرة. وقد تفرعت الحكايات باستمرار من الوحدات الحكائية الكبرى. وتعددت الشخصيات تعددًا يتجاوز قدرة الذاكرة على الإحاطة بالتفاصيل والجزئيات. فبالإضافة إلى الشخصيات الأساسية المساعدة للبطل أو المواجهة له المعرقلة لمطامحه، ثمة عدد كبير من الشخصيات التي تظهر في وحدة حكائية جزئية ثم تختفي. وبالإضافة إلى قيام السيرة على الصراع بين البشر، ثمة تدخل مستمر لمصلحة هذا الطرف أو ذاك، تقوم به شخصيات بشرية ذات قدرات خارقة، كالأولياء الصالحين والسحرة وشخصيات عجائبية كالجن والعمالقة والممسوخات المتنوعة أشكالها وقدرتها على التحول والحركة46.
لقد تجلت السيرة الشعبية، تبعًا لذلك، نصًّا سرديًّا متميزًا بالمراوحة المستمرة بين السرد والوصف والحوار قائمًا على التفصيل والاستطراد والإطناب والتضمين. فتعدت المستويات السردية؛ لأن الكثير من الحكايات الفرعية المخبرة عن أمر مضى، أو قصة مكان، تتكفل بسردها شخصيات من مستويات مختلفة47.
ويبدو الراوي الشعبي حريصًا على التحكم في ما يرويه. فمع متابعته للبطل في تنقلاته ومعاركه المتتالية، قد تضطره ظروف الصراع إلى الانتقال بين الأمكنة ومتابعة المسارات الحدثيَّة المتزامنة. ويعلن الراوي عن هذا التحول في المشاهد السردية بعبارات دالة: "هذا ما كان من الملك بعلبك وما جرى له. وأما ما كان من الملك ذي يزن، فإنه بعد هروب الملك بعلبك، احتوى على جميع ماله (سيرة سيف بن ذي يزن)48.
ولما كانت السيرة الشعبية هي قصة حياة بطلها من الميلاد إلى الوفاة وقصة صراعه الطويل، كان السرد في الغالب تعاقبيًّا يتابع حياة البطل وحركته من مكان إلى آخر ومواجهته للعراقيل المتتالية. ولكن هذا الترتيب لا يخلو من مفارقات زمنية متنوعة. فالراوي قد يلتجئ إلى الارتداد إلى زمن سابق لزمن الأحداث المرورية، وخاصة حينما يروم تفسير شيء، أو تبرير فعل أو حدث. وتنفتح المقاطع الارتدادية عادة بقول الراوي: "ولهذا سبب عجيب، وأمر مطرب غريب"، أو بقوله: "وكان سبب ذلك"، وتختتم هذه المقاطع بالقول: "ونرجع إلى حديثنا الأول". وفي السيرة الشعبية أيضًا حالات من الاستباق كثيرة. أولاها وأهمها دون شك النبوءات المبشرة بميلاد البطل وأعماله. وثمة نبوءات أخرى من خلال الرؤى، أو أقوال الحكماء، تخبر بحدوث أمر للأفراد أو الجماعات. وقد يشير الراوي أيضًا إلى حدث قادم إشارة غامضة وتكون عبارته في هذه الحالة: "لأمر أراده الله". وقد يُخْبِر بما سيقع إخبارًا مختصرًا واعدًا بالتفصيل في موضع لاحق، كقوله: "نذكر كل شيء في مكانه بعونه الله وسلطانه إذا وصلنا إليه49.
وإذا كانت هذه الضروب المختلفة من التنسيق تؤكد إحكام الراوي لبنية مروية على ما فيه من إطناب وتفصيل، فإنها – أيضًا - تبرز سعيه إلى تشويق المروي له، عبر المراوحة بين كشف لما احتجب عنه وتلويح بما سيستمع إليه. ويروم الراوي إلى إمتاع جمهوره بضروب من الوصف، فهو يبهره بوصف الكنوز والجواهر، ويثيره بوصف مفاتن النساء، ويرحل به إلى أقاصي الخيال بوصف الأشياء والكائنات الغريبة. ويمثل الحوار مجالاً آخر لإمتاع الجمهور من خلال عرض مساجلات شعرية بين الخصوم قبل صليل السيوف، أو تعبير الشخصية عن موقف شعوري خاص كالعشق أو الحزن لوفاة عزيز. ونماذج السيرة الشعبية متفاوتة في إيراد الشعر. ووظائفه فيها متنوعة، وأكثرها توظيفًا له هي السيرة الهلالية التي تكاد تقوم على الحوار الشعري (يناظرها الرواية الشعرية الشعبية لسيرة الزير سالم). على سبيل المثال، تقع الرواية المصرية للسيرة الهلالية في 250000 مربع شعري (500000 بيت)، وهي بذلك ضعف حجم الملحمة الهندية الشعرية المعروفة باسم الرامايانا (220000 بيت)، وتمثل أضعاف حجم الإلياذة والأوديسا. ولكن الشعر ليس حاضرًا في خطاب الشخصية وحدها، فقد يكون أيضًا جزءًا من خطاب الراوي، هذا الخطاب الذي يحتفل بالإيقاع غالبًا، وإن كان نثريًّا، فالسجع وأصناف البديع الأخرى من خصائص الأسلوب اللافتة للنظر في السيرة الشعبية50.
ومن المهم التأكيد في النهاية على أن السير الشعبية العربية ليست "ملحمة"، وتعد محاولة بعض الدارسين والمثقفين تسمية السير الشعبية بالملاحم نوعًا من تبسيط السيرة، وتقريبها إلى الملاحم الغربية. فالملحمة مصطلح أطلق، أول ما أطلق، على الإلياذة والأوديسا، وأطلق من بعدهما على أعمال أوروبية أخرى، مثل: ملحمة رولان، وملحمة السيد، وقد ظهرت ملاحم أخرى مختلفة في العالم الأوروبي، صحيح أن هناك عناصر مشتركة بين الملاحم الأوروبية والسير الشعبية العربية؛ ولكن بينهما اختلافًا كبيرًا، فالسيرة عالم أوسع بكثير من الملحمة، وهي الشكل الأول الذي نبتت منه الملحمة، فالسيرة، حين تبدأ في التكسر، تتحول إلى ملاحم، فهي أجزاء من السيرة، السيرة الشعبية هي الكل، والملحمة هي الجزء51.





الهوامش:
1 - راجع: ألفت كمال الروبي، الموقف من القص في تراثنا النقدي، مركز البحوث العربية، القاهرة، 1991.
2 - انظر: أحمد شمس الدين الحجاجي، مولد البطل في السيرة الشعبية، دار الهلال، القاهرة، 1996، ص5.
3 - انظر: المرجع السابق، ص28 .
4 - راجع على سبيل المثال : إبراهيم اسحق إبراهيم، السيرة الهلالية بين التاريخ والأسطوري: محاولة في التخيل المقارن، المأثورات الشعبية (الدوحة)، السنة الخامسة، العدد 20، 1990، ص37.
5 - راجع: عبدالرحمن بن خلدون، كتاب العبر وديوان المبتدأ والخبر في أيام العرب والعجم والبربر ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر، المجلد 4، دار الكتاب اللبناني، بيروت، 1967، ص ص57 : 267. وانظر: محمد المرزوقي، على هامش السيرة الهلالية؛ دراسات ونماذج، سراس للنشر، تونس، 2002، ص ص49 : 51. وانظر: عائشة شكر (محاورة)، حوار مع الدكتور عبدالرحمن أيوب: الهلالية.. ودور الذاكرة الشعبية، أدب ونقد (القاهرة)، العدد 11، فبراير-مارس 1985، ص109، 110. وراجع: عبدالرحمن أيوب، الآداب الشعبية والتحولات التاريخية الاجتماعية؛ مثال: سيرة بني هلال، عالم الفكر (الكويت)، المجلد السابع عشر، العدد الأول، أبريل-مايو-يونيو 1986، ص ص19 : 46. و: إلهام حسن دحروج، مدينة قابس منذ الغزوة الهلالية حتى قيام الدولة الحفصية، أطروحة دكتوراه مخطوطة، قسم التاريخ، كلية الآداب، جامعة القاهرة، القاهرة، 2000. و: جيهان مصطفى حسين الأنصاري، إقليم قسطينية من الغزوة الهلالية وحتى نهاية الدولة الحفصية، أطروحة دكتوراه مخطوطة، قسم التاريخ، كلية الآداب، جامعة عين شمس، القاهرة، 2002. و: فايزة محمد صالح أمين سجيني، غزوة بني هلال وبني سليم للمغرب، مكتبة النهضة المصرية، القاهرة، 2006.
6 - انظر على سبيل المثال: التلي بن الشيخ، منطلقات التفكير في الأدب الشعبي الجزائري، المؤسسة الوطنية للكتاب، الجزائر، 1990، ص25، 26، 148. و: محمد محمد أحظانا، معقول اللامعقول في الوعي الجمعي العربي: صورة المغيب في المخيلة الشعبية الموريتانية "نموذجًا"، إصدارات دائرة الثقافة والإعلام، الشارقة، 2002، ص ص105 : 107 و ص ص151 : 154. و: عبدالحميد بورايو، البعد الاجتماعي والنفسي في الأدب الشعبي الجزائري، منشورات بونة للبحوث والدراسات، عنابة-الجزائر، 2008، ص ص 136 : 140، و: ص ص153 : 174. و: بورايو، القصص الشعبي في منطقة بسكرة؛ دراسة ميدانية، وزارة الثقافة، الجزائر، 2007، ص103، ص ص101 : 107. و: بورايو، في الثقافة الشعبية الجزائرية: التاريخ والقضايا والتجليات، منشورات الرابطة الوطنية للأدب الشعبي لاتحاد الكتاب الجزائريين-دار أسامة للطباعة والنشر، الجزائر، 2006، ص84. وراجع على سبيل المثال: بورايو، البطل الملحمي والبطلة الضحية في الأدب الشفوي: دراسات حول خطاب المرويات الشفوية: الأداء؛ الشكل؛ الدلالة، ديوان المطبوعات الجامعية، الجزائر، 1998. و: علي محمد برهانة (إعداد)، سيرة بني هلال: دراسة أدبية لغوية مقارنة. تقديم: نبيلة إبراهيم، منشورات كلية الآداب والتربية بجامعة سبها، 1994. و: عبدالرحمن قيقة، من أقاصيص بني هلال، رواية شفوية عن شيخ ليبي من جادو، قدم لها ونقلها إلى العربية الفصحى: الطاهر قيقة، الدار التونسية للنشر، تونس، 1985. و: أحمد ممو، دراسات هيكلية في قصة الصراع، الدار العربية للكتاب، تونس، 1983. وراجع في موضوعات المقارنة: مجموعة باحثين، الحكي الشعبي بين التراث المنطوق والأدب المكتوب، أعمال المؤتمر الدولي السابع لقسم اللغة الفرنسية وآدابها (28 : 30 مارس 2009)، دار عين للنشر، القاهرة، 2009 (انظر: الحجاجي، بين سيرة بني هلال وملحمة الإلياذة؛ ص ص75 : 84)..
7 - انظر: روزلين ليلى قريش (تقديم)، سيرة بني هلال، موفم للنشر، الجزائر، 1988، ص7. وحول علاقة التاريخ بالمأثورات الشعبية، يراجع:
أ. صفوت كمال، المأثورات الشعبية: علم وفن، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، 2000، ص ص179: 209.
ب. عبدالباسط عبدالمعطي، التدين والإبداع: الوعي الشعبي في مصر، المأثورات الشعبية (الدوحة)، العدد الرابع والعشرون، أكتوبر 1991، ص ص69: 81.
ج. وانظر جزءًا من دراسة أحمد مرسي تحت عنوان "الفولكلور والتاريخ"، في: يان فانسينا، المأثورات الشفاهية، دار الثقافة، القاهرة، 1981، ص ص29: 40.
8 - راجع: عبدالرحمن أيوب (وآخرون)، سيرة بني هلال، أعمال الندوة العالمية الأولى لسيرة بني هلال المنعقدة في منطقة الحمامات بتونس في الفترة من 26 إلى 29 جوان (يونيو) 1980، الدار التونسية للنشر–المعهد القومي للآثار والفنون، تونس، 1990.
9 - راجع: برهانة، مرجع سبق ذكره.
10 - انظر: محمد حافظ دياب، إبداعية الأداء في السيرة الشعبية، سلسلة مكتبة الدراسات الشعبية، الهيئة العامة لقصور الثقافة، القاهرة، 1996، ج1، ص91. ج2، ص285.
11 - انظر: الحجاجي، مرجع سبق ذكره، ص8.
12 - انظر: عبدالحميد يونس، الهلالية في التاريخ والأدب الشعبي، دار الكتب المصرية، ط2، القاهرة، 1995، ص156.
13 - انظر: يونس، الأسطورة والفن الشعبي، المركز الثقافي الجامعي، القاهرة، 1980، ص 98. وراجع كذلك: يونس، دفاع عن الفولكلور، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، 1971 (انظر: سيرة بني هلال أو قصة أبو زيد الهلالي، ص ص175 - 198).
14 - انظر: يونس، الأسطورة ...، مرجع سبق ذكره، ص99: 100 .
15 - راجع: محمد رجب النجار، الأدب الملحمي في التراث الشعبي العربي، معهد الشارقة للتراث، 2017، ص ص 31: 35.
16 - انظر: النجار، أبوزيد الهلالي: الرمز والقضية؛ دراسة نقدية في الأدب الشعبي العربي، دار القبس، الكويت، بدون تاريخ طبع، ص5.
17 - يقول عبدالحميد يونس: "إن دائرة البحث يجب أن تتجاوز المخطوطات والمطبوعات إلى الميدان (...) ذلك لأن أدبًا جماعيًّا شعبيًّا كـ سيرة بني هلال يختلف في طبيعته عن الأنواع الأدبية الفردية التي أثرت عن اللسان الفصيح المعتمد معظمه على التدوين، فاكتسب بذلك خصائص معينة في صورته ومنهجه (...) ومن العبث أن ننظر إلى السيرة على أنها أثر مستكمل الصورة منذ الوجود، أو أن ما أصابها من التغير بعد فترة معينة أو [في] بيئة معينة، إنما هو زيادة يجب فصلها، أو أن نتوسل بها إلى فهم شيء آخر. والصحيح أن ندرسها لذاتها على أنها كائن حي ينبض بالحياة، (...) وقد دعانا هذا إلى أن نستعين بأحد المنشدين البارزين المختصين بسيرة بني هلال [يقصد به الراوي السيد فرج السيد]، ولم نكتف بأن نثقف منه طرائق الإنشاد، ولكنا سمعنا منه معظم هذه السيرة كما يحفظها ويرويها، وتبينا معه دواوينها الأساسية وسياقها في الإنشاد من حيث الأهمية والتتابع الزمني معًا". انظر: يونس، الهلالية...، مرجع سبق ذكره، ص122، 123.
18 - انظر: الحجاجي، مرجع سبق ذكره، ص ص25: 27.
19 - انظر: المرجع السابق، ص28.
20 - انظر دراسة الباحث الأوزباكستاني نعمة الله إبراهيم، السير الشعبية العربية، شركة المطبوعات للتوزيع والنشر، بيروت، ط1، 1994. ويذكر إبراهيم في كتابه أن سيرة الهلاليين كانت موضوع بحث رسالة الدكتوراه التي أنجزتها الباحثة أو. نايفا، والمعنونة بـ"سيرة بني هلال"، والتي طبعت في موسكو عام 1972. ويشير محمد حافظ دياب إلى أن هناك دراسات تقرن السيرة الشعبية بالكلمة الإسكندنافية "ساجا" Saga، والتي تعني: "أي شكل من القص، أو الخبر، بغض النظر عن طوله أو طموحه الأدبي، وإن اعتبرت في استعمالها الحديث قصة تشبه الحكاية النثرية التي ترجع إلى العصر الأوروبي الحديث". كما "تختلف الساجا عن الخرافات اختلافًا بيِّنًا؛ لأن الساجا، مع احتوائها على قدر كبير من الخرافات، تقوم على أساس من الواقع التاريخي. وبعبارة أخرى: هي قصص يمتزج فيها الخيال بالحقيقة التاريخية، فهي حقائق تاريخية محرفة بدرجات متفاوتة، وغالبًا ما تتضمن أعمال بطولية ومغامرات خارقة" (نقلاً عن: دياب، مرجع سبق ذكره، ج1، ص43، 44). ومن ثم، انحاز عدد من المستشرقين إلى استبدال الساجا بالسيرة؛ نظرًا لأوجه الشبه بينهما؛ ولأن "الساجا" - بوصفها نوعًا أدبيًّا - أقرب كثيرًا للسيرة من النوع الملحمي. انظر مثالاً للدراسات الفرنسية التي اعتمدت على السيرة الهلالية في بحث علاقة رحلة بني هلال بالشمال الأفريقي، خاصة الصحراء الجزائرية، في:
Youssef Nacib, Une geste en fragments, La saga hilalienne, des Hauts Plateaux algeriens, Paris, 1995.
وتحتوى الدراسة على ملحق بالنصوص المجموعة من الميدان باللهجة الجزائرية مع ترجمة إلى الفرنسية. لكن الباحث يلاحظ أن النصوص المجموعة لا تحتوي على تفسير للمفردات المستعصية على غير الجزائري، كما أننا لا نعرف عن رواتها سوى أسمائهم، دون أية معلومات أخرى عنهم. وانظر كذلك بحث الباحثة الأمريكية أنتينا بيكر حول الهلالية في الجنوب التونسي، وهو موضوعها للدكتوراه من جامعة إنديانا:
Antina Becker, The Hilili saga in The Tunisian south, Indiana university press, Bloomington, 1978.
21 - راجع: يونس، الهلالية..، مرجع سبق ذكره، ص ص115: 122.
22 - راجع: عبدالحميد حواس (محررًا)، أبوزيد في برنو: أربع حكايات عنه بعربية الشوا، نشرها: ج. ر. باترسون، قدم لنشرها: ه. ر. بالمر، المجلس الأعلى للثقافة، القاهرة 2015.
23 - انظر: زومتور، مرجع سبق ذكره، ص112.
24 - انظر: دياب، مرجع سبق ذكره، ص31.
25 - انظر: عبدالحميد حواس، مدارس رواية السيرة الهلالية في مصر، بحث منشور ضمن أعمال الندوة العالمية الأولى حول السيرة الهلالية (الحمامات / تونس)، الدار التونسية للنشر، 1990، ص47.
26 - انظر: المرجع نفسه، ص47، 48 .
27 - انظر: شوقي عبدالحكيم، سيرة بني هلال، دار التنوير، بيروت، 1983، ص5 .
28 - انظر: سعيد يقطين، سيرة بني هلال: مدخل إلى قراءة جديدة، نزوى (مسقط)، العدد الثالث، يونيو، 1995، ص87.
29 - راجع: محمد الداهي، من أجل وعي جديد بالتراث السردي، الشبكة الدولية للمعلومات:
http://www.said-yaktine.com/Acueil.html
30 - انظر: زومتور، مرجع سبق ذكره، ص38.
31 - نعتمد في مناقشة مشكلة المنهج على التصور النقدي الذي طرحه سيد البحراوي باسم "محتوى الشكل". وقد سبق للباحث أن شارك - مع زملائه - في تطبيقه على تحليل الخطاب الروائي إبَّان مرحلة الليسانس (قسم اللغة العربية وآدابها، كلية الآداب، جامعة القاهرة، 1994).
راجع أحد هذه التطبيقات في: محمد حسن عبدالحافظ، محتوى الشكل في الرواية المصرية: علاء الديب نموذجًا، فصول (القاهرة)، العدد 59، ربيع 2002، ص ص275: 303.
ويُراجع الجانب النظري والتطبيقات الأساسية، في:
أ‌- البحراوي، البحث عن المنهج في النقد العربي الحديث، دار شرقيات، القاهرة، 1993.
ب‌- البحراوي: محتوى الشكل في الرواية العربية، 1- النصوص المصرية الأولى، سلسلة دراسات أدبية، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، 1996.
ج- البحراوي، الحداثة التابعة في الثقافة المصرية، ميريت للنشر والمعلومات، القاهرة، 1999.
د- البحراوي، المدخل الاجتماعي للأدب: من علم اجتماع الأدب إلى النقد الاجتماعي الشامل، دار الثقافة العربية، القاهرة، 2001.
32 - انظر: مجموعة باحثين، معجم السرديات، إشراف: محمّد القاضي، دار محمّد علي للنشر (وأخرى)، ط1، 2010، ص263.
33 - راجع: النجار، الأدب الملحمي ..، مرجع سبق ذكره.
34 - راجع: الحجاجي، مرجع سبق ذكره.
35 - راجع: النجار، الأدب الملحمي ..، مرجع سبق ذكره.
36 - انظر: مجموعة باحثين، معجم السرديات، مرجع سبق ذكره، ص264.
37 - انظر: المرجع السابق، ص264.
38 - انظر: مجموعة باحثين، معجم السرديات، مرجع سبق ذكره، ص100، 101.
39 - انظر: النجار، الأدب الملحمي ..، مرجع سبق ذكره.
40 - انظر: مجموعة باحثين، معجم السرديات، مرجع سبق ذكره، ص265.
41 - انظر: المرجع السابق، ص265.
42 - انظر: محمد حسن عبدالحافظ، سيميائية الأحلام في سيرة بني هلال، الموروث (الشارقة)، العدد1، مارس 2016.
43 - انظر: مجموعة باحثين، معجم السرديات، مرجع سبق ذكره، ص265.
44 - انظر: المرجع السابق، ص265.
45 - انظر: المرجع السابق، ص266.
46 - انظر: المرجع السابق، ص266.
47 - انظر: المرجع السابق، ص266.
48 - انظر: المرجع السابق، ص266.
49 - انظر: مجموعة باحثين، معجم السرديات، مرجع سبق ذكره، ص267.
50 - انظر: النجار، الأدب الملحمي ..، مرجع سبق ذكره.
51 - راجع: الحجاجي، مرجع سبق ذكره.


محمد حسن عبدالحافظ




تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...