عامر سنبل - بسطويسي القط

انتهي العام الدراسي، خرج الولد بسطويسي من مدرسة التربية الحديثة كدجاجة فرت من القفص، هتف بأعلي صوته:
البحر الأبيض
فرد عليه باقي التلامذة المتدافعين بحماس :
- المتوسط!
كان يلبس جلبابا كستورا مقلما بخطوط فستقية طولية،وقبقابا من خشب الكافورالوردي، سار علي جسر العزب، اندمج مع زملائه في ترديد الهتاف:
البحر الأحمر- المتوسط
له عينان واسعتان وأنف صغيرة،وشعر خشن ومنكوش مثل طفل بري رأسه كباذنجة ناضجة كبيرة،وأنف حمراء صغيرة كأنف القط وهذا هو نصيبه من اسمه،يحمل في يده جريدة نخل صغيرة.
انعطف علي شارع المدرسة المشتركة، خرج خلفه تلاميذها يفرون من البوابة الخشبية الضيقة كالأفراخ الشمورت،هتف:
- البحر الأسود- المتوسط
طاف بجميع المدارس، النموذجية،النجاح، القومية، التلاميذ الصغار يتزاحمون خلفه، يتدافعون ويتنططون كالقردة، كان ذلك اليوم هو يوم دراس القمح، التراب الناعم المتصاعد من آلات الدراوة يغمر الكون ويخفي زرقة السماء المبهجة ويخسف لون الشمس، كان لونها مشمشيا متربا، التراب السفوف يلسع العيون والوجوه والقفا، ما يثيره صخب المكن من خبط الغرابل في جدارنها الخشبية يصنع صوتا يشبه الحرب، تدور المرواح بحكمة الرجل الذي ظل عاما كاملا عاطلا في انتظار اليوم الذي يتعلق فيه بالمنفلة، تتساقط حبيبات القمح كقطع صغيرة من الذهب خلف الآله الذي يديرها، فمها الواسع ينفث التبن والتراب، تابع بسطاويسي مظاهرته العبثية مبتهجا وأسير نشوة شخصية لايمكن قمعها، خلفه صخب الأطفال ونزقهم
يصيح وقد بح صوته:
بحر الصين- المتوسط
البحر العربي - المتوسط
يكرر أسماء البحار بتواتر منتظم، ويرددون خلفة كلمة واحدة، وصلوا ساحة جرن السبيل الواسعة، تزاحموا علي حنفية الحكومة العمومية، ارتواوا من الماء العذب ثم تراشقوا به، ابتلت جلابيبهم، تفجرت فيهم ينابيع البهجة والفرح وكأن أرواحهم إبتلت وتطهرت.
عشرات المكن تملأ الجرن بالضجيج الخشبي العبثي المكتوم بلا رنين، لاشيئ غير التراب الدقيق في الهواء، بدت الشمس كقرص بارد خلف التراب الباهت.
كان بسطويسي القط قد مر ببحر قزوين وبحر اليابان، وصل إلي أقصي حدود الكون علي خارطة العالم، وكان صخب المكن الخشبي لايزال، رأي الشمس تغرب خلف أشجار الطريق الزراعي، ودودة من دود ورقة القطن تتموج و تعبر بدأب علي الأسفلت، تحلقوا حولها يحملقون فيها، مرقت جنبهم مباشرة دراجة نارية ماركة جاوة يقودها المشرف الزراعي، كانت جريدة النخل في يده قد طالت بوضوح حتي صارت بطول عمود الهاتف، ثم ساد ظلام تام.


* جريدة اخبار الادب

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...