عبد المجيد برزاني - الجَّرْدَة

الداخل إلى تلك المدينة الفوسفاطية من جهتها الشمالية لا بد أن تنعرج به الطريق إلى وسط غابة كثيقة من أشجار العرعار على اليسار وأشجارالأوكالبتوس على اليمين. في ذلك الزمن الجميل من أوائل سبعينات القرن الماضي، لم يكن قد زحف الإسمنت إلى الغابة بعد، اللهم مؤسسة تعليمية إعدادية واحدة، وصفّ طويل من «دْيور النْصارى».
وهي بضع مساكن للأساتذة الفرنسيين الذين كانوا يدرّسون في مختلف المؤسسات الثانوية بالمدينة، والتي كانت وسط غابة العرعار على الجانب الأيسر من الطريق.
الشارع الطويل الموازي لتلك الطريق من الجهة اليمنى كان يؤدي إلى سوق المدينة الأسبوعي، ويفصل أحياءنا الشعبية عن الطرف الأوكاليبتوسي من الغابة الذي كان معروفا لدينا باسم «الجردة»، والذي لابد من التوغل فيه مسافة طويلة للوصول إلى غابة أشجار العرعار وهذه كنا أيامها نسميها «جردة العرعار». وإذا كانت «الجردة»، لقربها من منازلنا، مرتع طفولتنا و فضاء لعبنا وشغبنا اليومي، فإن «جردة العرعار» تدخل ضمن مغامراتنا القليلة أيام الآحاد أو العطل، والتي كنا نخطط لها قبل ذلك بأيام، فتكون موضوع اجتماعاتنا وسمرنا وأحلامنا.
نعد لها العدة ونوزع الأدوار استعدادا لكل طارئ. ونظل مسكونين باستكشاف أسرارها ومفتونين بعالمها السحري إلى أن يحل اليوم المعهود.
كان أحمد «ولد الكزار» أكبرنا، وكان أصبح زعيمنا، منذ قص علينا حكاية الثور الأهوج الذي هرب من أبيه ليلا ولاذ بالغابة، وكيف واجه أحمد وأبوه الويلات والمتاعب مع عفاريت «جردة العرعار» وقطاع الطرق فيها، وباتا يبحثان حتى وجدا الثور عند الفجر تجره الساحرة الشمطاء التي أبت أن تسلمهم البهيمة إلا بعد أن يأتوها بقفير عسل النحل من أعلى شجرة عرعار في الغابة، فتسلق بعد ذلك أحمد الشجرة وجاءها بالعسل الأصفر اللذيذ الذي ما لبث أن تحول قطعا ذهبية حقيقية ذهبت بلبّ عمي بوشعيب (أبوه) وجعلته يسل مديته من غمدها ويباغث الساحرة الشمطاء في مقتل، في حين يجرّ أحمد الثورَ ويرجعان غانميْن سالميْن. وحين كنا نسأله عن القطع الذهبية ومآلها، كان يضع سبابته على فمه ويأمرنا بخفض أصواتنا مخافة أن تعرف الشرطة بأمرها، فتقتسمها «الحكومة» معهم. لكنه، كيْ أنجز له بين الفينة والأخرى بعض الفروض المنزلية، ما يفتأ يعدني بإحدى تلك القطع الذهبية شرط أن أكتم السر وألا أقول لأحد، لا سيما عبد الهادي «ولد البوليسي». لا أذكُر الآن أنه وفى يوما بأحد وعوده تلك، وكم أود لقاءه لأذكِّره بذلك!
كانت «العطلة الكبيرة» أربعة أشهر في صيف قائض طويل تكون فيه «الجردة» ملاذنا ومرتعنا الوحيد حيث لعب الكرة، واقتفاء أثر الطيور، ونصب الفخاخ لها، وتسلق الأشجار بحثا في الأعشاش عن أفراخها وصيصانها، وحيث التباري في صيد العقارب بواسطة نبتة معينة أو قطعة مطاطية طويلة، نولجها في الجحر، وننتظر أن يعضها العقرب ثم نسحب بسرعة. كان الأمر يتطلب خفة ومهارة وشجاعة، لذا كان مفخرة الذي يصطاد أكبر عدد منها. نهلل من الدهشة كلما رمى أحدنا قطعته المطاطية، والعقرب عاضا على طرفها في نرفزة ظاهرة على الإبرة المرفوعة في آخره.. كانت كل أم على اقتناع كامل أن ابنها يخاف من العقارب وأن الآخرين هم أصحاب تلك الأفعال المشينة، لأننا كنا جميعا ننفي عن أنفسنا تهمة اصطياد العقارب من جحورها. لكن الملل ما يلبث أن يخيم علينا وعلى «الجردة» وصخبها، نتوق عندها للاستكشاف ورفع نسبة الأدرينالين في قلوبنا الصغيرة، ولشد الرحال إلى «جردة العرعار» الموغلة في الأسرار، والبعيدة عن مضاربنا وعن عيون دوينا. فيبدأ الزعيم أحمد بتنظيم تربصات تدريبية وترتيبات، وأمسيات نتحلق فيها كل مرة حول إحدى حكاياته : كأن تتوه أخته الصغيرة ويسرقها اللصوص في «جردة العرعار». أو يتنافس أبوه وباقي الجزارين على الدخول إليها ليلا لمصارعة الجن..أو..
أذكر، ذات مغامرة استكشافية، توغُّلَنا في الغابة، تحت إمرة زعيمنا الذي جاء بقطعة كبيرة من اللحم وسكين كي يعد لنا شواء كالذي كان يسيل لعابنا أثناء سرد بطولاته وبطولات أبيه، بينما كلف أحدنا بالخبز وآخر بالشاي والسكر وغيره، ثم شددنا الرحال إلى «جردة العرعار» . كان يوما حارا، وفي الغابة جمعنا بعض الأعواد والحشائش الجافة وشرعنا في إشعال النار عندما فاجأتنا فرقة مكافحة الحرائق من الحرس الغابوي. يومها، كي يبين زعيمنا على شجاعته المعهودة، تحمل وحده مسؤولية إضرام النار بجرأة جعلت الحراس يربطونه إلى شجرة، ويصادرون اللحم والخبز قبل أن يسوقونا بقسوة راجعين بنا إلى منازلنا. لكني لست أدري ما الذي ألانهم في الطريق، فرقّوا لحالنا وحال زعيمنا. ذهب أحدهم لفك قيد أحمد، أمرونا بانتظاره واختفوا في الغابة.عندما وصل أحمد كان يتصبب عرقا، هاربا من العفريتة التي أفزعها وقض مضجعها بتلاوته للقرآن، ففكت رباطه لأنها كانت مسلمة. لكن الشيطان الكافر أراد أن يعيد ربطه ثانية، فحاربه أحمد وانتصر عليه.
لاحظتُ أن سروال أحمد مبتل جدا من تحت الحزام إلى ركبتيه، وعندما استفسرْناه قال:
- بالَ عليَّ الشيطانُ قبل أن يهرب. تعالوا شموا كي تتأكدوا.


كاتب مغربي
التفاعلات: ابويبس أحمد

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...