مع الكاتب المصري أبو الحسن الجمال: أحببت الأدب والتاريخ منذ فجر شبابي.. حوار: إليسار عمران

أبو الحسن الجمال كاتب ومؤرخ مصري، يكتب التاريخ بضمير الأديب، فالتاريخ أب العلوم وكل العلوم تخّدم عليه، لذا يقرأ في كل هذه العلوم لتساعده في كتابة التاريخ، فهو حريص على امتلاك أدواته وتسخيرها بدقة، كما ساعده الحوار الصحفي وحواراته مع الأعلام في الشرق والغرب والتي يجمع فيها بين حديث الذكريات ومناقشة القضايا العامة، فهو يوفر للباحثين مادة خام عن هؤلاء المفكرين والأدباء والمؤرخين والفنانين.
والكاتب والمؤرخ المصري أبو الحسن الجمال من مواليد قرية منسافيس بمحافظة المنيا بصعيد مصر في 19 يوليو 1976، وحصل ليسانس اللغة الإنجليزية وآدابها من كلية الآداب بجامعة المنيا عام 1998، ثم خدم بالقوات المسلحة ضابطاً احتياطياً لمدة خمس سنوات في سلاح المشاة، ثم عمل في الصحافة بعد ذلك في العديد من الصحف المصرية والعربية وكتب المقال والتحقيق وأجرى عشرات الحوارات ثم أمد المكتبة العربية بأكثر من 12 كتاباً في التاريخ والأدب والفن والحوارات والذكريات.. ومن كتبه نذكر "مآذِن مِن بشر – أعلام مُعاصِرون"، بالاشتراك مع أ.د خالد فَهْمي، نشرتْه دار البشير، مصر، 2016 ، و"أهلنا في محافظة البحر الأحمر- تاريخ وأسرار"، نشرتْه الهيئة العامَّة لقصور الثقافة، مصر. و"على شاطئ الـمَجْد- الدكتور حلمي القاعود في الذكرى السبعين لمولده"، نشرتْه دار النابغة، القاهرة ، 2016، و"أعلام مصريون معاصرون"، الهيئة المصرية العامة للكتاب- القاهرة 2018، و"عبقري النغم – بليغ حمدي" قطاع الثقافة – مؤسسة أخبار اليوم – القاهرة- 2018 وعن نفس الدار صدر له "سلطان والكروان – أسرار وحكايات" 2019، و"طاهر الطناحي ..عاشق الصحافة وفارس في بحر الأدب"، مكتبة مصر للسحار بالقاهرة2020، و"أسئلة العصر الثقافية – حوارات وذكريات ج1"دار البشير للثقافة والنشر، القاهرة. 2021.
في السطور التالية أجرينا معه الحوار التالي ويحدثنا فيه عن مشواره في الأدب والتاريخ ويحدثنا أيضاً عن علاقته بالأدباء السوريين وموضوعات أخرى نطالعها في الحوار التالي:




س١: أبو الحسن الجمال... بداية من اسمك الطوباي العالي...حدثنا عن البدايات في جمع سيرة الفنانين والأدباء العطرة من خوابي الزمن الجميل؟
ج١- أحببت الأدب والتاريخ منذ فجر شبابي عندما كنت في المرحلة الابتدائية، ووقعت في حب زعماء مصر والعالم العربي بداية من أحمد عرابي، ومصطفى كامل، وسعد زغلول، ومحمد طلعت حرب، وجمال عبدالناصر، وطه حسين، والعقاد، ومع الأيام تعمقت صلتي بكل هؤلاء في مصر والدول العربية، وشغفت بقراءتي في التاريخ والأدب والفن والشعر، وكنت أذهب إلى السينما فأحببت هذا العالم العجيب، وكنت أعشق الأفلام القديمة العربية والعالمية، ثم دفعني الفضول لأقرأ في سير النجوم والمخرجين، والمؤلفين، والمصورين في الموسوعات المتخصصة،
وشغفت أيضاً بفنون الموسيقى والغناء والطرب الأصيل، وأحببت الفولكلور في مصر والدول العربية، وقرأت في هذا المجال عن فنونه وأعلامه من نجوم الغناء وأعلام الموسيقى.. وفي مكتبتي الكبيرة والتي تبلغ أكثر من عشرة آلاف كتاب ركن كبير للفنون والموسيقى والغناء والتصوير والفنون التشكيلية، وقبل التقدم الهائل في التقنية الصوتية كانت عندي مكتبة صوتية كبرى به مئات الشرائط لكبار نجوم الغناء في مصر والوطن العربي.

س٢_ لاحظت بسبب صدفة المحادثات أنك بارّ بوالدتك حد العبادة ماذا منحتك والدتك!؟
ج٢- والدتي متعها الله بموفور الصحة والعافية لها فضل كبير في مشوار حياتي، فكانت ومازالت توفر لي الهدوء وتحثني دوما على العطاء وتفرح كثيراً لنجاحاتي، وعندها وعي شديد وحكمة وحسن تدبير للأمور، لذا كان واجب علي أن أهديها كل كتبي .

س٣: صديقاً لعائلة الفنانة المرحومة فايزة أحمد كنت وما زلت...ماذا تخبرنا عن الوفاء للخوابي؟
ج٣- علاقتي بالموسيقار محمد سلطان بدأت منذ 15 عاماً، وكنت اتصل به على الدوام، وبعد نجاح كتابي "بليغ حمدي ..عبقري النغم" الذي صدر في نهاية سبتمبر 2018، عن "قطاع الثقافة" بمؤسسة أخبار اليوم، وما أن نزل الأسواق حتى اكتسح المبيعات، وكان الناس يتهافتون عليه ويسألون عنه، وكان أكثر الكتب مبيعاً في معرض القاهرة الدولي للكتاب في "يوبيله" الذهبي سنة 2019، وقد قررت بعد هذا النجاح أن أكرر التجربة مع الموسيقار محمد سلطان وزوجته الفنانة "كروان الشرق فايزة أحمد"، التي لم يظهر عنهما كتاباً مستقلاً منذ رحيل فايزة في 21 سبتمبر 1983، والتي أحدث رحيلها فراغاً مؤثراً في عالم الطرب، وقد حاولت هي أن تعوض فقدنا في كوكب الشرق السيدة أم كلثوم، فقدمت عشرات الأغاني الطربية بالتعاون مع رفيق دربها الموسيقار المبدع محمد سلطان، وقد أسعدت الناس بشدوها، وكانت تخلص في عملها وتتفاني جيداً على حساب صحتها مما عجل بنهايتها، ورحلت وهي في قمة العطاء ..
رحلت فايزة أحمد وتركت في القلب غصة في محبيها على وجه العموم وفي رفيق العمر محمد سلطان، الذي أخلص لها ولم يعرف إمراة قبلها ولا بعدها.. فعاش على ذكراها يزور قبرها باستمرار، ويذكر فضلها على الدوام.
التقيت الموسيقار الكبير كثيراً في منزله القابع على النيل في جاردن سيتي بمدينة القاهرة، وأدركت مدى سمو أخلاقه وتواضعه الشديد، استقبلني بحفاوة شديدة، وأحسن ضيافتي.. وبدأ حديثنا يأخذ مجراه بتلقائية دون إعداد ودون تحديد محاوره، وبدأ يسرد الجديد الذي لم يقله من قبل، وهنا شغلت جهاز تسجيلي ولم نحس بالوقت، وقص لي على فترات مشوار حياته وبداياته في عالم الموسيقى والغناء والعمل بالسينما حيث مثّل 11 فيلماً ولولا تفرغه للموسيقى والغناء لكان له مكانة بارزة كنجم سينمائي كبير..
كما حكي لي قصة لقائه الأول بموسيقار الأجيال محمد عبدالوهاب الذي كان يمتلك فيلا يصطاف فيها كل عام، وكان يراه جالساً في الشرفة التي تطل على البحر مباشرة، ثم حكى لي عن تعلمه في كلية فيكتوريا، ثم في مدرسة الرمل الابتدائية ومدرسة الرمل الثانوية، والتحاقه بكلية الحقوق، وعمله في المحاماة، وقد أطلعني على "كارنيه" المحاماة الذي مازال يجدده حتى يومنا هذا، ثم سرد لي لقائه بالمخرج يوسف شاهين الذي أقنعه بالعمل بالتمثيل، وذلك في فيلم الناصر صلاح الدين، ثم عمله في العديد من الأفلام والتي بلغت أحد عشر عملاً، ثم قص لي التقائه بالفنانة فايزة أحمد التي أعجبت به، وحفزته لكي يعمل ملحناً، وبدأت رحلته التي استمرت سبعة عشر عاماً، وارتباطه بها عائليا وإنجابه منها التوأمين "عمرو وطارق".
ثم تحدثنا عن ذكرياته مع أعلام عصره، من أمثال: محمد عبدالوهاب، ورياض السنباطي، وفريد الأطرش، وبليغ حمدي، ومحمد الموجي، وكمال الطويل. والشعراء: محمد حمزة، وعبدالرحمن الأبنودي، وعمر بطيشة، ومجدي نجيب، وعبدالرحيم منصور.
ثم تطرقنا للحديث عن بعض أعماله وطقوسه في التلحين، وكيف يأتيه الإلهام، وقال لي أنه توفيق من عند الله، فهو الوهاب الذي يمنح لعباده ما يشاء، وقد ذكر لي في هذا اللقاء أنه يأخذ على مطربين وشعراء ساهم في الأخذ بأيديهم إلى عالم الشهرة- بأنهم لا يسألون عنه، وإذا اتصل بأحدهم ولا يرد عليه، وهذا من صفات نكران الجميل الذي يسيطر على البعض.
وظهر الكتاب بعنوان "سلطان والكروان" واستقبله الناس بحفاوة بالغة ولم تنقطع صلتي بالموسيقار محمد سلطان حتى بعد رحيله وكتبت عنه المقالات الكثيرة في الصحف والمجلات وفي سبيلي الآن بعمل طبعة أخرى لهذا الكتاب مفصلة من الممكن أن تكون أضعاف الطبعة الأولى.
س٤_ تغط على الورد والياسمين السوري بعبقٍ وتنثر حريره الألماسي وتهدي التحايا لسورية...دعني أخبرك أنني ممتنة لمصر ولأدباءها الذين قرأت فيهم ما تتنفسه سورية.. ماذا تقول لأدباء سورية؟
ج ٤: أعشق القطر العربي الشقيق الجمهورية العربية السورية قدر عشقي لمصرنا الحبيبة قرأت عنها كثيراً في كل حقب التاريخ المختلفة، وهي النور الذي شع في العالمين، فقد نشر الفينيقيين قديماً عتبات النور في كل أرجاء الدنيا حتى وصلوا إلى الأميركتين، وبعد الفتح الإسلامي صارت دمشق عاصمة للخلافة زمن الأمويين ومنها حكمت الدنيا وصارت عاصمة العالم شرقه وغربه؛ من الصين حتى الأندلس، وتأثر الناس بفنون الشام وحكمته ونظام وفلسفته، وطوال عصور تاريخية طويلة كانت مصر والشام دولة واحدة؛ زمن الفاطميين، والأيوبيين، والمماليك، وفي عصر محمد علي قبل أن تتكالب عليه الدول الاستعمارية الكبرى لؤاد مشروع محمد علي للوحدة العربية الكبرى، هذا على المستوى السياسي، أما على المستوى الاجتماعي والعلمي والحضاري فلم تنقطع عرى التعاون بين الشعبين ذات يوم، بل تزداد وثاقة كل يوم وحدث التأثير والتأثر، وعبر القرون حدثت هجرات مستمرة وتزاوج فكري وفني وحضاري...
وقفت كثيراً أمام تجارب السوريين في كل المجالات في الفن والثقافة والأدب، وقد مر بنا أنني خصصت كتاباً عن فايزة أحمد السورية التي عاشت معظم سنوات حياتها في مصر وتزوجت من الموسيقار المصري محمد سلطان، وعندما ماتت دفت في ثرى مصر الطاهر، كما أجريت حوارات صحفية مع العديد من الأدباء السوريين وكذلك المؤرخين والمفكرين والفنانين، وضميت بعضها في كتابي "أسئلة العصر الثقافية- حوارات وذكريات"، وتجمعني علاقات حميمة بالكثير منهم، ورغم المحنة التي ضربت سوريا في السنوات الأخيرة إلا أن الدنيا لم تتوقف رغم الآثار الشديدة في كل شيء.. فهناك نهضة أدبية وفكرية وثقافية وفي معرض القاهرة الدولي للكتاب (وهو أكبر معرض في العالم العربي) تزدان به دور النشر السورية فتقدم الجديد في كل المجالات.. واتمنى في قابل السنوات أن أجمع ما كتبته عن الأدباء والفنانين والمؤرخين السوريين في كتب..

س٥: لقد تحولت إلى مكتبة تاريخية تنام على رفوفها أيقونات الطيور حدثتي عن طير أثر قلبك ووجدانك؟
ج٥: التاريخ والأدب هما الهواء الذي اتنفسه، فأنا أتابع الجديد من المعارف وأتابع الصحف والمجلات وأقرأ يومياً أكثر من ثماني ساعات، وأكتب أكثر من ثلاث ساعات وأنام قليلاً جداً، وأتابع الحركة الفكرية والأدبية، وكتبت عن مؤرخي مصر والعالم العربي الفصول الكثيرة، وخصوصاً في تاريخ المغرب والأندلس وبدأت بمؤرخي مصر، وأنهيت الجزء الأول من هذه السلسلة وهو قيد الطبع الآن، ثم أقوم الآن بعمل الجزء الثاني ويشمل مؤرخي الشمال الأفريقي ليبيا وتونس والجزائر والمغرب وبعض مستعربي إسبانيا، والجزء الثالث يشمل مؤرخي الجزيرة العربية السعودية وسلطنة عمان واليمن ودول الخليج العربي ثم العراق وسوريا والأردن ولبنان وفلسطين.. وهذا مشروع عمري الحقيقي الذي أعكف عليه الآن، وقد قد انتهيت أيضاً من كتابة المؤلفات تتناول تاريخ العسكرية المصرية وبعض رموزها، فأنجزت كتب مثل كتابي: الفريق يوسف عفيفي، وكتاب عن شيخ مؤرخي العسكرية المصرية اللواء جمال حماد، وكتاب آخر عن مؤرخي العسكرية المصرية، وكتاب عن المؤرخ الكبير محمد الشافعي الذي أرخ لأبطال المقاومة الشعبية وأبطال الجيش المصري وقادته وعمق في كتاباته لقضية الهوية الوطنية عبر التاريخ. وفي مخططي في الفترة القادمة إعداد كتاب بعنوان "أصوات من سوريا" عن المبدعين في القصة والرواية والفن من الجيل الجديد.

س٦: أخبرني ماهي رسالتك لمصر وللوطن العربي والعالم؟
ج٦- اتمنى أن يسود السلام والأمن والأمان ربوع مصر والعالم
العربي وأن تسود الوحدة العربية على كافة المستويات السياسية والاقتصادية والثقافية والحضارية، وأن نتعامل بندية مع دول العالم أجمع عندما نشارك في نهضة العالم وتقدمه، خصوصا وأن لنا موروث ضخم وثروات هائلة من القوى البشرية والطبيعية.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...