بسمة الشوالي - بيت الميعاد

لمّا تمكّن الشّتاء من الأيّام، كانت خيمة ناصعة السّواد تنتصب على ذروة الصّقيع من الحيّ الجبليّ الكابي، وعُقرَها قبع زوجان لم يمض على زواجهما غير بضعة أيّام وحَبْل الصّمت الممدود بينهما يرتخي ويشتدّ. كان منصور يَسُوم أحلام العودة إلى البيت الكبير بعد أن لم يبق من الغنم ما يرعى ، بينما اِلْتفعت عزيزة بوشاحها ذي الصّفرة الأنيقة وجلست تغزل من تراث الأيّام المنصرمة القصصَ الجميلة لتسردها على أطفالها القادمين حتى لا يعتري الماضي نسيان. كان والدها شيخا يدرج في الهَرَم ببصر وقور وسمع ذاهل وصوت حسير يصخب في الصّدر ولا يجتاز الحلق بغرغرة . وكان جسمه المنهوك مسنودا على ليل جدار لا ينْضُب ظلّه من النّهار إلاّ يسيرا.
حاذت مجلسه فتفرّق بريق عينيها المُسْهَدِ على حشايا الظّلام تنبسط ملاجئ لعابري الرّهق وسائلي النّسيان .
ضوء رديء ينتثر صدر الحَوْش ويُعْرضُ عن الزّوايا فتبدو منزوعة عن المكان بلا رَحِمٍ . سماء بعيدة جافية . وِحْشة تؤثّث الفضاء مرارة وتوجّسا .
عَنّ لها فسألت : “أأموت وحيدة يا أبي وأخواتي في النّساء سِتٌّ وأزواجهنّ كمثلهنّ عددا ؟
لماذا أعَدْتَ منصورا راعيا لغنمك ؟ كنت طردته لطلبه الزّواج منّي . منصور رَبِيَ معنا يا أبي.. لا شكّ تذكر. طيلة الصّغر ونحن نلعب لعبة عروسيْن حتى انطلت علينا اللّعبة.. لم يأت بعده غنيّ لخطبتي وتزوّجتْ كلّ أخواتي.. لماذا عاد منصور يرعى غنمك ..؟ أما عُدْتَ تخشى عَلَيّ وَلعَهُ المَبْسوط نحوي على غَدٍ من الفقر مدقع ؟”
لم تقِرّ جانِبَه حتى الرَّدِّ. قامت فأحضرت كوبيْن من الشّاي على طبق فضيّ يتوسّطه إناء من الخزف يُتعتِع ماءً وما كادت تدرك الجلوس حتى سمعت طرقا يُرْبك الباب .. كانت جارة لها تطلب موازين تعدّل مزاج زوجها الغضوب : وقودا وفحما وبعض ما يجود به أهل الدّار.
لمّا بلغت عزيزة مُتّكأ والدها ثانية تناهى لها صوت طائر يستصرخ. ساعدته على الاعتدال قليلا ولم تطمئنّ حتى اطمأنّ كأس الشّاي بين يديْه الرّاجفتيْن .
اِستأنفت تحدّثه : “رأيتُ فجرا، بُعَيْد أن توضّأت وصلّيْتُ، مناما أقضّ هدوئي كامل هذا اليوم وشغل القلب بهمّ كبير ..أأقُصّه عليك يا أبت ؟
رأيتك تحملني بين ذراعيك من مكان لا أعرفه إلى دارنا هذه وما كانت دارَنا. ورأيتُ رَحَبَ الحوْش مُتّسِعا كأنّه باحة الوغى تضطرم صهيلا وغبارا وأقداما ترزم .. وكنتَ تَتُلّني للقفا وأنا مُسْلِمَة ثمّ تهوي عَليّ تقطّعني خرائط صغيرة بأظافر مسنونة ورأسي حيّ يبصر.. وساحت دمائي تضمّخ أطراف ثوبك ولا تبالي .
لم يكن بيديك ارتعاش ولا بعينيك وجل، لكنّ بصرك يسترق السّفر خاشعا دامعا ما بين السّماء والأرض.. أكنت تنتظر الموت يفتدي احتضاري الطّويل يا أبت..؟
ما كان الموت مؤلما في الحلم. أنتهي ببطء وحواسّي في أوج يقظتها، أسمع وأرى وأتلمّس الأحداث من حولي. لغط كثير .. ناس غمْر ، غرباء لم أرهم قبلا.. أخواتي كنّ حاضرات يشهدْن تمزيقي غير مأخوذات بإشفاق ولا جزع.
كنّ منشغلات: بعضهنّ منصرفات إلى أحشائي يُنظّفنها ، وأخَرُ يُعْدِدْن مواقد الشّواء لأزواجهنّ، ومن بَرَعَتْ منهنّ في الحساب راحت تقسّم لحْمِي المكوّم بالعدل والميزان : هذا حقهنّ فيَّ ، وهذا إرث الجيران ، وهذا تاريخ الجُباة الذين احتشدوا عند الوصيد ، بينما شُدّ بصرك إلى السّماء بأمراس متينة.. أكنتَ تنتظر أحدا ؟ تنظر لشيء ؟
صارت الأحداث بعد ذلك خلطا كبيرا وضوضاء لا أذكر لهما تفاصيل ، ولم يَعْلق بذهني غير أنّي بحثت عنك مليّا فلم أجدك . اِختفيتَ فجأة ..
وأنا أقضي، رُمْتُ كثيرا رؤيتك قبل انطباق جفنيّ فصرختُ أناديك، وكنتُ أُمْعِنُ في الصّراخ وأُعْليه حتى سمعتك تدعوني فأفقتُ مبعثرة مضطربة أسقيك شربة ماء.
قضيتُ كامل يومي على غير عاداتي..”
ران صمت موجع وسكنت حركات الشّيخ حتى حسبته عزيزة نائما. خبطت يده راعشة في ظلمة عينيه تبحثان عن شيء منها فمدّت يدها تمسكه فضغط عليها وسكن من جديد.
أمعنت عزيزة الشّرودَ في وجه والدها تسأل ملامحه تأويلا بعد أن لم يبق له من العبارات غير بريق جَهْمٍ يلازم فراغ عينيه وتمتمةٍ ترْجُفُ على شفتيْ صوته المخنوق ، ويدٍ تمسكها بشدّة لم تَهِنْ وَهَنَ حواسّه..
كان الشّاي في كأس الشّيخ رمضان قد استحال بلون التّراب العكر، وكان اللّيل قد غطّ في سكون مُعْتِم فقامت تعِدّ مضجعيْن لهما.
أبصر النّهارُ وتمطّى يَرْشُق غبش اللّيل برُجُم الأرجوان، فبانت أشباح تمتطي السّكون المحمرّ وتطأ أطراف الصّيف في هذه الربوع الوعرة.
لم يتميّز القادمون حتى ابيضّ الشروق . كانوا قطعانا بشريّة مُرْهَقي الخطى يمشون زمرا وأزواجا وفرادى، مسوقين بالحمير التي أَلِفَت دروب الرّحيل صيفا وشتاء.
تفرّق المرتحلون في بطون مختلفة من الحيّ الجبليّ الواسع، في وجوهٍ من الأرض تنبسط غثاء قليلا أو ترتفع جدبا وأشواكا و بعضُها يمتدّ فراغا عبوسا.
نصبوا الأوتاد يسدلون عليها نسيج الخيش البالي ويفتحون فيها أبوابا واطئة مقدار ما بين الرّأس المنكّسة والإبهام النّاشز عن خيوط نعل مزّقه ذلّ الرّحيل المكرّر. بعثروا صَخَبَهم ومتاعهم حول الخيام. دسّوا أغنامهم بين الأحساك والأحراش وفي ظلال الزّياتين المطلّة أذقانها على الأحواش المسوّرة بجدران من الأشجار والأشواك يُنْبئ ثغاؤُها بقدومهم. وما غادرت الشّمس الضّحى حتى شهدت مراسم استقرارهم وشربت من لبن ماعزهم.
قصت ونّاسَة بخيمتها عن بقيّة الخيام ونأََتْ عن إخوة الطّريق نأْيَ قلبِها عن سرورهم الضاجّ كلّما حَلّوا بأرض ذات حرّ وعشب .
كان مَقدمها السّنةَ باردا لا ألفة فيه ولا ثغاء. تغيب في نفسها طويلا وتعكف على كفّ الرّحيل تقرأه بما يغيظ القضاء الذي يسوقهم مطمئنّين فيضِلّ وجودَها الحاضرون ويسهوْن عنها تكلّم الحُصَيّات المرصّفة أمامها :
” الارتحال من أرض إلى أرض تشرّد .. والتشرّد لعنة الأوّلين وإرث الأقدام القلقة لنسل صار رزقه حافيا عاريا يجرجرهم هائمين خلف المُزْن المسافرة ما بين مشرق الكلإ ومغربه..
سيأتي على الأرض زمن حزين فيجفوها الطّلّ ويُعْجفها الانتظار ومن لم يدقّ قدمَه في الرّسوخ انقطعت به طرق السّفر وداسته حوافر الدّوابّ الثائرة ..
هذا أوان البَدَدِ يا خيام..”
أوكلت ونّاسة طفلها إلى أمّ عجوز، واحتقبت قفّة بالية، وراحت تتصعّد في جبل يحتضن ذرّيته في حنان قاس .
كانت كلّما ركلت حجرا أو تهاوت انحدارا أو شقِيَت صعودا لَقَمَتِ الذّكرياتُ نار الحنين فتشتعل المواجع و تتّقد الوِجَاد ويلتفّ مسار الأيّام على أوائله.
شيء في النّفس حملها على غير السّفر الرّتيب إلى هذا المكان ثانية ، حلم عصيّ بنى عشّه هنا منذ نعومة الأحلام وفقست بُيوضه نقمة بعد ثلاث سنوات من الغياب.
بلغت صعودا منبت الصّلع من القمّة حتى أشرفت على ظهر الجبل يُنبت مقبرة تصل رَحِم الأموات كما لم يوصل بالحياة.
وقفت برهة على جبين الصّخر تتأمّل قبور الأموات تارة ومآوي الأحياء أخرى..
” الحيّ من جديد وثلاث سنوات بعادا..
كأنّ شيئا لم يتغيّر. بياض الجدران المقشّر على اهترائه ، لم تجرفه ريح ولا ضمّدت جراحه أمطار. البناء تكاثر وشابَه جديدُه القديمَ ، حتى كأنّ مُضافَه أُنشِئ على قِدَمٍ ورثاثة . الزّياتين صارت شعبا من العجائز ترسل شعثها في وجه السّماء خامشا مزعجا، ما تزال متناثرة كأنّ بينها خصاما مكينا فلا ظلالها تتصافح امتدادا يخفّف عن النّاس وَعْثاء الحرّ صيفا قائظا ولا عاد زيتها يضيء وجوها مظلمة. عيون النّاس صارت متربة النّظرات شاحبة البريق وثقتهم بعِرافتي مهتزّة أو ساخرة . كأنْ لم يصبح لهم يقين بالأمل ولا بقيت فيهم ثقة بالكذب الجميل أزْجي به فراغ أكفّهم..”
تدحرجتْ إثر همّ تفجّر نمْلا في صدرها بين منحدر ومنبسط ومرتفع وخلال المنازل المنثورة ينشر الهدوءُ الصباحيّ موّالها الصيفيّ الأليف : ” تقّازَه .. تقّازه..” فتجاوبها الحجارة نشازا وتطلّ عليها الرؤوس في فضول أو بِشْرٍ أو حذر .. وتنفر اللّهفة إذّاك في عينيها ويدور رأسها في مختلف الاتّجاهات تقتنص متردِّدة وتغري مُرتابة وتستحثّ حائرة على التّصديق بما تقول..
أوشك النّهار على الانتصاف وهي تلوب يائسة النّداء : ” تقّازه .. تقّازه..” دون مغنم أو كفّ تنبسط بالرّزق ، والعوْد إلى الخيمة بالخواء نكسة ما بعدها ألم ..
” أبشري ونّاسة.. هناك امرأة تركل الحجارة خطاها ويذرو التّيهُ أطراف شعرها الملفوف في وشاح أنيق الصّفرة ..”
رفعت عقيرتها بالغناء الرّاجي : ” تقّازه .. تقّازه .. يا حائرة الأقدام بين الأشواك والحصى .. تمهّلي، الحُصَيَّاتُ تحجب أسرارا أكشفها لك .. تقازه.. تعاليْ يا امرأة وترجّلي عن الهموم .. كفّك المبسوطة تسرد غيبا أطْلِعُك عليه .. تقازه .. تقازه..”
أدركت ونّاسة سمع المرأة الذّاهل بعد عَرَق غزير. كانت عزيزة عائدة من المقبرة هائمة الوعي كمن تسير يأسا على خطّ رفيع بين سبيليْ الموت والحياة.
اِعترضت العرّافة وجهها. مدّت عزيزة كفّها فاترة النّظر ساهمة عن المرأة الماثلة أمامها. أمسكت ونّاسة الكفّ النّاعمة ثراء وشدّت عليها حتى اشتكت صاحبتها. أرخت أصابعها . صوّبت بصرا خبيرا إلى ميَس الثنايا في بسطة يد بذخة :
– الاسم عزيزة بنت رمضان .
– كيف عرفتِ ؟
– مكتوب في الكفّ .
– وماذا في كتابه أيضا ؟
– وحدة ونسيان. وفيه أيضا غبار كثيف ساج ، وعلى أطراف أصابعك العواصف الهوجاء تحشد رمالها ، فاستعدّي للرّحيل قبل أن يوافيك الشّتاء..
– الشّتاء لا يروّع إلاّّ المشرّدين ..
وسحب القِلى الكفَّ من الكفِّ وافترقت المرأتان على غيظ وتجارة خاسرة.
طلع صبحٌ آخر غِبَّ عسر كأنّما الكواكب شردت عن منازلها ثمّ انتفض شديد الوهج ، شمسه صفراء ناقمة ، فقامت ونّاسة عن رَجْع الذّكريات تحزم قرارها وتُراجِع حقد السنين .
مشت شرودا حتى بلغت من منزل رمضان الكبير سور الأفنان يحوط جنّة أشجار وأعناب تتهدّل ثمراتها مُسْكِرَة الألوان..
” يا لَفِتْنَة البيت الكبير.. !
تنبسط به الأرض في يسر النّعيم يُنسي ما حوله من شقاء الوُعُور وتحجّ إليه الأماني في غدوّها ورواحها..
تسوّره الأشجار الباسقة. تُوَشّيه الخضرة النّاضرة . تعْمُرُه أهازيج القطعان فجرا وغسقا . تحفّه غِيدُ الجنان من كلّ جانب..”
خاضت ونّاسة في الأفياء واثقة الخطو راسخة الغيظ تحتقب طفلها وتُدْلي قفّتها فأدركت الشّيخ رمضان يتفيّأ الظّلال والهواءُ يتضوّر حرّا على أطراف الأغصان. وكان يتابع في سهوم انفراط حبّات المسبحة بين أصابعه النّاحلة .
وقفت منه قاب خطوات وألقت على سمعه تحيتّها :” تقّازه .. تقّازه.. ”
ردّها ناهرا بحركة من يده وظلّت أصابع اليد الأخرى تسبّح.
اِقتربت فلم يأبَهْ .
” تقّازه ..أأقرأ كفّك يا سيّدي ؟ ”
زجرها ثانية.
خَطَتْ إليه أكثر وحيرة تسائلها: “كيف لم يعرفك يا ونّاسة ؟ ألا يذكر صوتك؟”
جَرُؤتْ فدنت منه تكاد تلامسه وهَوَتْ على يده تمسكها وتباغته بتلاوة سريعة لزمن ولّى :
” تقول خطوط كفّك سيّدي إنّ بعض أهلك كادوا لك غدرا فمنعوا عنك إلفيْن عزيزين عليك: طفلك وامرأتك.. وأنّ لك من البنات جمعا شرسا، نكّلْن بزوجة أبيهنّ ونغَّصْن عيشها ثمّ أعْدَدْن لها تهمة سرقة محكمة تهْلِكُها فأُجبرت على الفرار من المنزل خلسة، فلمّا أن عُدت ولم تجدهما شيّعتَ صوتك إثرهما تسترجعهما.. ولم يعد أحدهما إلى اليوم ولا عاد لحنجرتك الصّوت.. ثمّ فرَط بك الحزن حتى ذهب ببصرك ..”
اِهتزّ رمضان مائجا وارتعدت أعمدته فأوشكت قوائم الكرسيّ تنخلع ، ثمّ تكدّس في مقعده رخوا ثقيلا منثور الوقار..
كان صوتها يرذّ في سمعه حنينا أليفا، ناعم الدّبيب هامس الحفيف ، حتى إذا تمكّن منه تدفّق فيه يعالج أقفال اليأس برفق عاتٍ فيكسرها مبدّدا سهو السّنين، فاتحا للذّكريات صدور النّسيان المقفلة..
دقّت كلماتها على باب القلب الحزين فانتفض صوته الحبيس يرفرف ويضرب بجناحيه في الصّدر والحنجرة ثمّ ينطلق بالفرح المتوتّر يفتّق شفتين خاطهما الحزن ثلاث سنين ، مذ أفاق ذات صباح على غير بكاء طفله..
كان رمضان يرتعش كمن به قرّ لعين ، يسعى للنّهوض من مكانه فتخذله ركبتاه ويُسْقِطه عَماه.. تعيده ونّاسة لمجلسه من الكرسيّ الوثير فيتشبّث بها كالغريق ويحدّثها حديث هَذِر يصطلي حمّى:
” أيكون ..؟ بل هو.. صوتها .. أتكون .. إنّها هي .. هي ذاتها.. ونّاسة ..؟ ونّاسة .. وجهَكِ.. ناوليني وجهَك ..”
تحسّس القسمات..
– إنّها أنتِ.. ها أنت ثانية.. ونّاسة ..أين اختفيتِ ؟
أبْكيْتِ شيبتي وهدرت وقاري وذهب وجهك بقناديلي فأنا من بعدك أعمى، لا ينطق بحرف ، ولا يمرّ به فرح. اِقتربي منّي ، دعيني أتحسّس وجهك مرّة أخرى.. ونّاسة .. أتذكرين ؟
– أذكر يا سيّدي .. في مثل هذا الضّحى من ذات حظّ سعيد تربّعتُ قبالتك أقرأ حزنك في كفّك وتقرأ صباي المتفجّر في وجهي.. لم يمض يومها غير أشهر معدودات على وفاة زوجتك ، فكنتُ الأعْرف بما يتهدّم في صدرك والأقرب إلى قلبك الموجوع ، وكنتَ الأحوج إليّ ..
– وهذا الطّفل المتعلّق بساقيّ ؟ أتزوّجتِ من بعدي يا ونّاسة ؟
– بل هو طفلك يا رمضان ..
– تكذبين ..لا تستغفلي عماي .. بلغني أنه مات بينما كنتِ ترتحلين من مكان إلى آخر.
– كذب من قال . إنّه طفلك يا رمضان . اُحْضُنْه تعرفه . صبيّ له من العمر سنواتِ بُعْدِي عنك .. صبيّ حلمتَ به سبعة أرحام متتالية حتى رحلت زوجتك ولم ترزقك إيّاه.. أنا أنجبت لك الصبيّ يا رمضان..أتذكر ما كان بيننا ؟
هو ابنك الذي سيُعيد طفولتك الفقيدة ويُطيل أنفاسك ويملأ ذكرك حياة إذا متَّ .. هو طفلك يا رمضان، صبيّ كما أردتَ وهذه ساعة جدّك التي أورثته يوم مولده..
نفخ الشّتاء في الأيّام يبشّر بقدومه برد ورزق شحيح فحُشرت رياح ، واكفهرّت سماء، وتصعّرت أراض، وطُوِيَت الخيام المتناثرة في بقاع عديدة من منخفضات الجبل والسّهول الجالسة عند أقدامه .
كانت السّماء المدلهمّة قريبة من الأرض المحدودبة توشك تلامسها ، وكانت ظلالها الدّكناء تروح وتغدو على الحيّ الجبليّ المترامي فيهيج لسوادها حفا الأقدام وعُرْيُ الأجسام وفراغ القدور، وتستذكر لقرّها المواقدُ برد أثافيها وفقر رمادها، وتفزع جذوع الأشجار لفؤوس تمدّدت على الحجارة تشحذ ألسنتها..
نظرت عزيزة حولها فإذا الأيّام تعرج على ساق متورّمة، وإذا الخريف يمشي على آثار العائلة فيشوّهها ويسلمها للشّتاء محرّفة التاريخ.
مذ نظرت في عيني ونّاسة ، رأت متاعها يحزم حقائب الرّحيل وعبْسة وداع شرس تتمدّد على شفتيها، وأدركت أن المكيدة التي طردت تلك الشّريدة قبل سنين ثلاث لن تُجْدي اليوم طردا..
كانت يومها في المقبرة تزور قبر أمّها وتطيل المكوث على غير عادتها، وما عادت حتى كان البيت الكبير الملفوف بالسّكينة والأمن الوديع يصخب بالسّرور ومواويل الفرح المستعاد في عبث طفل وأصحاب جُدُدٍ بادروا يحوّلون وجهة أيّامه..
صارت حريّة صاحبة الدّار تنحسر في دارها وتتضاءل خطاها مدّا واتّساعا يوما بيوم.. الغرف تغلق الواحدة تلو الأخرى . الأثاث يصادر رويدا رويدا. المكنسة توجّه الغبار ناحية مختلفة . مذاق الأطعمة اختلف . اللّيل غيّر مواعيد نومه والنّهار بدّل عاداته ولوْن أستاره ..
دعت عزيزة أخواتها الستِّ ففزعن على كره مكين مسرعات ، مولولات ، جزعات، دامعات القلوب ، يحشدن أحقادهنّ القديمة ويشحَذن مكائدهنّ ويلْتفِفْن متّحدات الأضغان حول أختهنّ الكبرى يدافعن عن حقهنّ في إرث أبيهنّ كاملا غير منقوص من جدار أو حفنة تراب .
أهْملت الأخوات بيوتهنّ وأزواجهنّ وتناوبن على البقاء في بيت أبيهنّ يَشْنُنّ حربَ دسيسةٍ ضروسٍ على امرأته الغازية.
كُنّ يَكِدْنَ لها فتكيد ويوغِرْنَ عليها صدر أبيهنّ فتوغِرُ. وكان يُبْدي لكلّ طرف منهنّ سمْعَ تأييد ووعد قصاص ويكتم عنهنّ نكوثا وانشغالا عمّا يمور في بيته بصبيّ من صُلبه يَدْرُج بين يديْه فيُحْيي شيْبة قلبه وينير عتمة عينيه بعد عُسْر صبر ومشقّة انتظار ..
ظلّت الأخوات السّتّ يُسْندن عزيزة ويستمِِتْن في الدّفاع عن حقوقهنّ من الفصول اثنين ومن الأحقاد تراثا تليدا ، فلا انتصرن في طرد زوجة أبيهنّ ولا هي انتصرت ، ولكنّها كانت تفتح في غفلة منهنّ أبواب اللّيل للخيام المطويّة خارجا فتعمُر أركان البيت المنزوعة عن الضّوء أقداما مشرّدة ووجوها غبراء وأرساغا مشقّقة تيبّس فيها الرّحيل الطّويل شقاء ونصَبا..
تمكّن الإعياء من صبر الأزواج فطلبوا نسائهنّ وبكى الأطفال أمّهاتهنّ فخفّت الأخوات يجمعن متاعا لهنّ بقي في البيت بعد زواجهنّ غير عابئات بالجدران أخذت ألوانها تصفرّ كدرا والأبواب تنفتح أفواهها على الرّياح الغريبة ، وبقيت عزيزة عزلاء إلاّ من الأمل، يهدّدها الاجتياح ويتوعّدها التشرّد باللّقاء القريب ، بينما ظلّت ونّاسة تحرس عمى زوجها بعبث ابنها وحنانها الخبيث..

دعت عزيزة أخواتها فناصرنها قليلا ثمّ رجعن إلى بيوتهنّ تحرس كلّ واحدة حدودها من امرأة أخرى قد تأتي ذات غفلة غازية غاصبة ، ودعت ونّاسة دمها فتلملم من مداس الأقدام ، وأهلَها فهبّوا من الشّتات يتكثّؤون حولها ويرسّخون أقدامها في صدر البيت الكبير . كُسرت أوتاد الخيام، وانتُزِعت نعال التّشتت ، وسِيقَت أغنامهم إلى مراعي الشّيخ رمضان ، واستقرّ المرتحلون في غرف البيت وجنّاته .. وعزيزة فيهم وحيدة منسيّة من أخواتها تُسَام المهانة ، تركلها الأرجل، تتقاذفها المناكب، يسوطها حقد العيون ولا أحد يجرؤ فيطردها حسبانا وطمْأنة لأب يسأل عنها باستمرار ويستأنس بها في عماه..
لا أحد يدري أقضى رمضان من فرح بالصّبيّ يطيل عمره بعد الفناء أم ندما على خطإ أصابه في ضعف فضيّع كلّ شيء.. شيّع أهل البيت الجدد جثمان الشّيخ محمولا على ألواح الغيظ القديم فمشى خلفه نفر قليل من أهل الحيّ الواسع وجمع غفير من آل ونّاسة كأنّما اطّلعوا على ساعة الرّوح الزّاهقة.. وعلى أطراف المشيّعين كانت ونّاسة تغسل البيت الكبير من روائحه الأولى وتلقي إلى العراء بآخر سكّانه .

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...