محمد صالح حيدره - بعد الغروب..

عندما غابت الشمس خلف السُّحبْ، وبدأ الظل الأسود يصبغ لون كلّ شيء، كان دماغه قد اعتدل، وغمرته نشوة، وأخذ يقذف إلى جوفه كأسات دون عدد، إلى أن شعر بحالة تشبّع قصوى، ترك كأسًا مملوءة، وقنينة فارغة، وشحن مسدسه ونزل على السلّم بخطوات بطيئة، ولم يفق إلا حينما سكنت رصاصته المجنونة موقعًا حيويًّا من جسد زوجته، بعد أن اخترقت معصم يده اليسرى؛ فاق على ينبوع غزير من الدم، يتدفق من ينبوعين اثنين.
قيل إنه كان مهاجرًا، وعاد ليستقر ومعه ما يكفيه من المال، واكتشف أن ثمة فضيحة بين جدران الدار، ومعه ما يكفيه من المال، وقيل: إن زوجته لم تنجب له سوى أربع بنات، وهو يحلم بإنجاب الذكور، وإنه يبحث عن مخرج للزواج من أخرى، وإنه لم يعد يطيق الحياة معها.
وبعد معاينة الجثة، قرر الطبيب الإذن بدفنها، ومضت هي إلى العالم الآخر برفقة عويل النساء اللاتي خبرنها.. أما بناتها الأربع فقد وقعن تحت تأثير صدمة حادة، وأظلمت الدنيا في وجوههن، وأُصبن بحالة عدم توازن، بينما مضى هو برققة بضعة عساكر إلى مكانه الطبيعي الذي حدده بيده.. اطّلع ممثل القانون على الحيثيات والوقائع التي رافقت القضية منذ البداية، وحتى إعداد مرافعة الادعاء، وعندما لم يجد في تقرير الطبيب شيئًا يوضّح فيما إذا كانت الزوجة حاملاً، أمر بنبش الجثة بعد أسابيع من دفنها.. عندما تم نبش الجثة لم تنبعث منها رائحة كريهة كالحالات المشابهة، كما يثبت الذين رفعوا الجسد المسجى في القبر إلى الأعلى؛ وسرعان ما قرر الطبيب أن المرأة حامل، وأعيدت على الفور إلى مثواها الأخير، وابتسامة صفراء باهتة ترتسم على وجهها.
إذن فقد أودت الكاسات المترعة، وغيبوبة النظر إلى الرغوة الشفافة التي تعلوها، والتوحد بين السائل الأصهب، بالدم الأحمر، والذوبان فيه، إلى إفناء امرأة تحلم بالفرح، وتهوى شروق الشمس في الصبح، وحفيف الزرع في مواسم الازدهار، ومولود يتهيأ للانطلاق من عالمه المحدود، ومغادرة الدفء والسكينة إلى صخب الحياة وصيرورتها، ولا أحد يدري فيما إذا كان هذا المولود الذي عانق التراب ذكرًا أم أنثى.
يتغير اتجاه القضية وجهة أخرى، وتصبح الجريمة جريمتين؛ وعندما يقف أمام القضاء، ولعنات ممثل الادعاء تمطره بوابل من عناصر الإدانة، والحاضرون يتسلون بمشاهدة التحولات التي تعتري وجهه.. في هذه اللحظات لن تسعفه الكأسات التي قذفها إلى جوفه بشجاعة حمقى توازي التي وطدت عزمه على إفناء امرأة في بطنها طفل، وسيتخيل الرغوة البيضاء خشبة يتدلى منها حبل.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...