صرخات مهاجرة

لست جباناً.. لكنني لست شجاعاً بالقدر الذي يمكنني من النظر إلى إبتسامة شهيدٍ في صورةٍ.. ه ما أشعر به حينها هو الخجل منه.. الحزن لعجزي.. والإختباء تحت أغطية سريري التي لا أعرف عددها كي لا أرى نفسي أو أرى أصابعي وهي تمسح آثار المطر على خدي..

تزعجني ضحكات الآخرين المصطنعة.. سماجتهم.. أكاذبهم المملة.. وبدل الرقص السوداء التي تمكنهم من (المرح) دون أن يخرجوا عن قواعد (الحشمة والوقار)، جدول أعمالهم المزدحم باللاشيء، دموعهم الحاضرة كإجاباتهم عن كل شيء، وقدرتهم على أن يكونوا (ذات الأشخاص) بأكثر من وجه ولون في أكثر من مكان، كأصنامٍ متحركةٍ لا هوية لها.. لا معنى لوجودها ولا دم يسري في عروقها، أتذكر أحياناً أنني أتنفس.. أمشي فوق الأرض وأصادف بعضاً من البشر في طريقي،
بعد أن توقف الزمن لدي وعاد إلى الوراء كما أردت.. يباغتني أحدهم بسؤالٍ لا ينتمي إلى أي لغة، فيدمر (خلوتي) ويعبث بعقارب ساعتي ونبضات قلبي.. أتساءل من هذا ؟ ولماذا نحن هنا ؟ وما الذي من الممكن أن يجمعنا ؟..

أسمع صوت طفلٍ يبكي لكنني لا أفهم سبب بكائه.. أكذب على نفسي.. أوهمها أنها مجرد كوابيس.. فأفتح النافذة بحثاً عن قمرٍ ابتلعته السماء وحجبته السحب.. أخفته في جيبها كعقابٍ لي.. منعتني من رؤيته ونهرتني قائلةً ابحث عن قمرك في سماءٍ أخرى لا يشغلها بكاءٌ ولا حزن.. لم أخبرها بأن السواد تمكن من روحي وأن الحداد في أعماقي مستمر بلا نهاية، وأن الألوان مجرد تعويذةٍ نلقيها في وجه الأغراب كي لا يعبثوا بوجعنا.. لم أخبرها بأن كل شيءٍ تحول في عيني إلى سراب وأن الأصوات من حولي باتت مجرد نشازٍ لا يلد سوى المزيد من النشاز، لم أخبرها بأنني أعيش في صمتي وإن حكيت وأن وجودي بين الناس لا يعني أنني أعيش معهم.. هل هناك من موتٍ ما قبل الموت ؟ حيث لا يولد العناق إلا في وجود الخوف.. حيث لا وقت لقبلةٍ أو لمسة حب إلا على جبين راحل.. حيث لا نشعر بالحياة إلا عندما تغادرنا أو تقطف بعض أحبتنا..

أحيا بين عالمين لا يشبهان بعضهما، أتشظى مع كل كذبةٍ لا أستطيع نفيها، وأشعر بجزءٍ مني يرحل بلا عودة، أتعايش مع ما تبقى لي وألملم وطني وجروحي، أزرع غربته في حضني.. أسقي وحشته من دمعي.. أمتزج به حتى أنسى أني منفي من قلبي، وأبحث عن شيءٍ يذكرني بي.. بملامحي التي تآكلت أمام عيني منذ غادر الحب عالمنا وبات جزءًا من زينته لا حقيقته، وبين إنسانٍ يموت من الجوع وآخر يموت من الملل والتخمة أدركت أن الكثير من الكلمات ولدت لتكون عاقراً في حضرة الجنون والحرمان.. حيث تهجر الصرخات حناجر مطلقيها لتغني في جوقة من أوجعها بحثاً عن بعض الفتات..

خالد جهاد..

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...