فخري قعوار - تجربتي القصصية

اميل الى الاعتقاد احيانا ، بأن الموهبة تولد مع الانسان مثلما تولد معه ملامحه الخاصة به ، وان كنت اعتقد لبعض الوقت بأن هناك مؤثرات وعناصر خارجية تخلق مواهب الموهوبين.

كانت والدتي - رحمها الله - تروي لي ، انني عندما كنت في سن الخامسة من عمري ، قام مختار الفحيص بزيارتنا في المفرق ، وهو من اخوالها ، وتقول انني قمت برسم طائرة على الحائط ، بقلم رصاص ، وتوجهت الى المختار قائلا: قم واركب في هذه الطائرة ، فالتفت المختار نحوي باستخفاف ، لكنني بقيت مصرا على طلبي ، حتى شعر الرجل بالضيق ، وتدخلت امي فنحتني عنه،

وفي الصفوف الابتدائية ، كنت مهتما بتحسين خطي ، الى ان تحسن فعلا ، وصار «مهنة» مارستها في فترة الدراسة الاعدادية.

«مهنة» بمعنى انني صرت اصعد على سلم واكتب اسماء البقالات وصالونات الحلاقة بالفرشاة والدهان ، واكتب اللافتات على القماش ، واكتب على وسائط النقل عبارات مثل «الله كريم» و«سيري فعين الله ترعاك» ، وأتقاضى مقابل ذلك اجورا مادية. وبموازاة هذا ، بدأت ادرب نفسي على الرسم ، فأنقل صور «المشاهير» من الممثلين والمغنيين امثال عبدالحليم حافظ وشادية وفريد شوقي.

لم يخطر ببالي انني سأكون كاتبا في يوم من الايام ، اذ كنت اعتقد ان الكتاب ليسوا اشخاصا عاديين مثلي ، وان كل ما يدل على وجودهم هو هذه القصص التي نراها في الكتب او تلك الكتابات التي نجده في الجرائد، الى ان جاءنا معلم لغة عربية جديد ، قال لنا انه فاز بأحسن قصة في معهد للمعلمين ، واطلعنا على قصته التي كانت تحمل اسم «نهاية زقاق» ، اذن يمكن للناس العاديين ان يكونوا كتابا، هذا حسن، لماذا لا اكتب انا ايضا؟ وكتبت شيئا ما ، لا اظنه يندرج تحت باب المسرحية او القصة القصيرة ، عن مشكلة عجيبة تقع بين مجموعة من البحارة فوق سفينة، وعندما اطلعت احد الاصدقاء على ذلك ابدى ضيقه مما رأى ، فمزقت «مشروعي» الاول، ثم كتبت قصة ، ما أزال احتفظ بها ، تحمل اسم «ثورة البراءة» أرسلتها للاذاعة فلم تذعها ، فأرسلت اليها قصة اخرى اسمها «وجوه قذرة» تتحدث عن متسولة تتعرض لاستغلال مجموعة من الشبان السكارى ، واذ ببرنامج «مع ادبنا الجديد» يذيعها ، ويقوم بالتعليق عليها الاستاذان الدكتور هاشم ياغي والمرحوم عبدالرحيم عمر. وقد قال الدكتور ياغي يومها جملة ما تزال ترن في أذني: ان القصة في واد والعنوان في واد آخر.. وكان ان شعرت بنشوة ما بعدها نشوة ، وان تقاضيت اول مكافأة مالية ، وصلتني بالبريد المضمون ، مقدارها دينار ونصف.. لا غير.. كان ذلك في المفرق ، بين عام 1958 وعام 1961 ، وعندما اكتشفت انني قادر على الكتابة وان الكتابة تحظى بانتشار اوسع من اللافتة واللوحة ، بدأت أشعر انني اقتربت من التعرف على خصوصية موهبتي.

وقد كتبت بعد ذلك قصصا ، ليس لها قيمة ، لانني لم اكن اعرف ما اريد ان اقوله عبر القصة. لكنني آمنت منذ وقت مبكر ، بأن الادب لا ينفصل عن الحياة ، وهذا ما دفعني للتعليق على مقال كتبه الدكتور جميل علوش في مجلة «الافق الجديد» المقدسية ، يقول فيه ان الادب شيء ، والسياسة شيء آخر. فكتبت الى المجلة معارضا وجهة نظره ، ومؤكدا على الالتحام بين الادب والحياة.. ومنها السياسة، وكان هذا مقالي الاول ايضا ، وأظنه نشر في عام 1962 او عام ,1963

وما تزال لدي مجموعة كبيرة من القصص التي كتبتها في اعوام 61 ، 62 ، 63 محفوظة في دفتر خاص ، قام بوضع رسوماتها الداخلية زميل اسمه احمد عفانة ، كان معي في المدرسة ، وكنت اعطيه الدفتر بعد حجز صفحة خاصة بيضاء من صفحات القصة المخطوطة ، فيقوم بالرسم عليها واعادة الدفتر الى بعد يومين.

في تلك السنوات ، قرأت كثيرا من اعمال احسان عبدالقدوس ويوسف السباعي ، ووقعت تحت سطوتهما ، فكتبت رواية تحمل اسم «لا تغرب الشمس» اثر انتهائي من قراءة رواية عبدالقدوس «لا تطفئ الشمس» ، وكتبت مقدمة لها ، اسوة بيوسف السباعي الذي كتب مقدمة لروايته «بين الاطلال اذكريني» ، قال يوسف السباعي انه كتب روايته في رمضان ، وانه كان يلبس شورتا «بنطلون قصير» ، بسبب الحر ويضع رجليه في الماء ، ويكتب في كل يوم فصلا ، الى ان انتهى شهر رمضان وانتهت معه كتابة الرواية ، وقد فعلت انا شيئا مشابها ، فاخترت شهر رمضان لكتابة روايتي ، ووضعت رجلي في الماء ، وكتبت في كل يوم فصلا ، لكنني لم ارتد بنطلونا قصيرا ، لان ارتداءه في داخل البيت ، وبين افراد الاسرة يعتبر عيبا ، ويحتاج لقدرة على التحدي وغض الطرف عن الخجل والاحراج. وهذه الرواية ما تزال محفوظة عندي ، ولا احس بحماس للعودة إليها ، رغم انها جزء من المحاولات الكتابية ، وتقع في ما لا يقل عن مائة وتسعين صفحة من صفحات الدفاتر المدرسية.

كانت كتاباتي تحتاج لموقف واضح من الحياة ، او ايديولوجية متكاملة ، كي احمي نفسي من مغبة التناقض ومن مغبة الاسفاف واللاجدوى ، فقرأت اعمالا ادبية عربية وعالمية معروفة ، وقرأت في الوجودية والوجوديين المؤمنين وغير المؤمنين ، الى ان وصلت الى يقين بأن هؤلاء لا يمثلون همنا او الهم الانساني العام ، وقرأت في الماركسية ، وعن التجربة الاشتراكية الاولى التي قامت في الاتحاد السوفيتي ، ففتنت بفكرة العدالة والتقدم ، وانتصرت للعمال والفلاحين وسائر الكادحين الذين ترتبط جذوري بجذورهم وأعجبت بالاممية والفكر العلمي.

وفي كل هذه الاثناء ، فلم اكن اعرف جيدا انني احوم حول القصة القصيرة التي ستكون محور عنايتي واهتمامي ، وكنت اكتب القصص القصيرة الى جانب الرواية المشار اليها ، والى جانب عرض الكتب والمقالات القصيرة مع القيام بترجمة بعض القصص القصيرة عن اللغة الانجليزية الى اللغة العربية والحق اقول ، انني كنت جريئا في وقت مبكر ، حيث ارسلت بعض محاولاتي الكتابية - قصص ومقالات ومترجمات - الى مجلة «الاديب» اللبنانية ، ومجلة «القصة» المصرية ، بالاضافة الى مجلة «الافق الجديد» المقدسية. وكانت هذه المجلات تنشر ما يرسله طالب المرحلة الثانوية ، الى ان فوجئت ذات مرة بمقدمة طويلة يكتبها الروائي المعروف المرحوم محمد عبدالحليم عبدالله لقصة لي نشرتها مجلة «القصة» ، بعد ان التقيت به مرة في اواخر عام 1964 عندما كنت ابحث عن مقعد في احدى جامعات القاهرة.

وفي اواخر عام 1964 ، انهيت الدراسة الثانوية ، وذهبت الى القاهرة للدراسة في الجامعة ، كنت اريد الحصول على مقعد في كلية الاداب لدراسة اللغة العربية وادابها ، فلم افز بما اردت ، وحصلت على مقعد في كلية الحقوق بجامعة عين شمس ، لم اذهب الى الجامعة سوى بضع مرات ، ولم ادرس مثل سائر الطلبة ، قدمت الامتحان النهائي للسنة الاولى ، فكانت النتيجة انني لم انجح في شيء سوى مادة المجتمع العربي. كنت اعرف انني لن افلح في دراسة لا ارغبها ، ومع ذلك لم افكر جديا بالعودة الى الاردن ، بسبب اغراءات الحياة في القاهرة التي لم تكن لدي طاقة لمقاومتها ، وعلى رأس هذه الاغراءات الاجواء الثقافية الرحبة. خاصة ان هذه الاجواء كانت في عصرها الذهبي في اواسط الستينات: مسرح ، سينما ، ندوات ، محاضرات ، لقاءات ادبية وفنية في المقاهي الشعبية ، موالد ، مغامرات عاطفية ودراسية جولات متصلة عند سور الازبكية الشهير بمعروضاته من الكتب الرخيصة المستعملة ، واستكشاف لعوالم نجيب محفوظ في سيدنا الحسين والسيدة زينب والغورية وباب اللوق وخان الخليلي والعتبة والدرب الاحمر وغيره. وقد امضيت عامين في القاهرة ، راسلت خلالهما صحيفة «عمان المساء» الاسبوعية ، ومجلة «الافق الجديد».

كانت الحياة في مصر مرحلة غنية ، اضاقت الى معرفتي وثقافتي الكثير ، وساعد في تعميق ذلك ، العمل في التدريس والمشاركة الفعلية مع المقاومة الفلسطينية قبل عام ,1970

فقد عملت في عام 1967 ، مدرسا للغة العربية في مدرسة الروم الكاثوليك للبنين في الزرقاء. وعملت المدرسة الوطنية الارثوذكسية وكذلك في الكلية الوطنية البطريركية التابعة لطائفة اللاتين في المصدار بعمان. لقد استمر عملي في التدريس حتى عام 1980 ، عندما تفرغت للعمل في الصحافة ، وحصلت على عضوية نقابة الصحفيين الاردنيين ، غير انني فصلت من عملي حتى ذلك الحين ، بسبب ارائي ومقالاتي ومواقفي سبع مرات ، منها الفصل من مدرسة الروم الكاثوليك ، والفصل من المدرسة الارثوذكسية ، والفصل من الكلية البطريركية ، والفصل من جامعة اليرموك عندما عملت في دائرة العلاقات الثقافية عام 1977 ، والفصل من جريدة «الرأي» عام 1978 ، والفصل من شركة الانتاج التلفزيوني عام 1987 ، والفصل من جريدة «الرأي» ثانية في اواخر عام 1988 ، وتكرر الفصل بعد ذلك ما لا يقل عن اربع مرات،

اما المشاركة مع المقاومة الفلسطينية ، فقد كانت تجربة مشوبة بالغنى والخطر والمغامرة معا. فقد حملت البندقية وتلثمت ، وقمت بأعمال الدورية في شوارع الزرقاء ، وحراسة المكتب ، وانا لم اطلق رصاصة واحدة في حياتي ، وليس بمقدوري ان امس عصفورا او قطة. وحدث مرة ان اوقفت رجلا عند مفرق طرق. كان يقود دراجة هوائية ، كان الرجل في الستين من عمره ، رث الهيئة منكسرا امام طغيان الحياة ، ويضع على المقود كيسا صغيرا فيه كيلو غرام من البندورة ، ويعتزم الذهاب الى منزله ، أوقفته وسألته عن بطاقة هويته ، فقال لي بخوف ، انه رجل مستور ، وفي حاله ، ولا يحمل بطاقة ، كنت مسلحا وملثما ، وكان من المفروض ان اذهب في وجهه مثل القنبلة الموقوتة ، لكنني تأثرت لحاله ، وتضايقت من نفسي لانني اعترضت سبيل رجل مسالم ، وكدت ابكي.. لكنني لملمت اطراف شجاعتي وقلت له من وراء اللثام: عليك ان تحمل بطاقتك دائما .. مع السلامة،

وحدث ايضا ان كنت واقفا بباب المكتب ، الى جوار اكياس الرمل المحيطة بخندق الحراسة ، كنت انظر الى نجوى الليل ، وأتأمل في البنايات والملكوت ، واذ بصوت انفجار مفزع يدوي الى جواري، وقفت متيبسا في مكاني ، وظننت انني قضيت نحبي ، ونظرت عيني الى الخندق ، واذ بفوهة البارودة الصينية مشرعة نحوي ، وعلى وجه الدقة ، مشرعة نحو ارنبه انفي ، هب الصديق والرفيق «والزميل فيما بعد» من موقعه ، وشرع في الاعتذار ، وأكد انه شعر بالملل ، فعبث بالزناد ، وكان ان انطلقت رصاصة، وقد ذكرتني هذه الحاثة بكثيرين من طلابي الذين كانوا يغيبون عن دوامهم ، فأسأل زملاءهم عنهم ، فيقولون لي: لقد استشهد «فلان» في القاعدة، ومعنى هذا انه مات نتيجة غلطة من يديه او يدي رفيقه،

لكن الباب الاكثر اهمية من كل ما تقدم ، الذي افادني وأضاف طعما لتجربتي الحياتية وتجربتي القصصية ، هو العمل في الصحافة ، فالعمل الصحفي ساعدني في الاقتراب من الناس ، وتفهم اوجاعهم وآلامهم وهمومهم ، كما ساعدني في تطوير لغتي وتطويعها في سبيل العمل الفني وغاياته. وفي هذا رد على كل الذين يتوهمون ان العمل في الصحافة يقضي على الموهبة الادبية ، فقد اصدرت كل مجموعاتي القصصية وغيرها من المؤلفات الادبية اثناء عملي في الصحافة وهأنذا الآن ما ازال مستمرا في الكتابة ، ولم تفلح الصحافة في القضاء على طاقتي او رغبتي في الكتابة الادبية.

وكان ابرز تجربة اتاحها لي العمل في الصحافة ، هي تجربة الوقوف عند حبل المشنقة ، ومشاهدة الكيفية التي يطاح بها بالرؤوس،

ففي عام 1976 ، قال لي الزميل نصر المجالي انه ذاهب الى سجن المحطة بعمان ، لتغطية خبر اعدام اثنين من الشبان ، فرغبت بمرافقته وذهبنا بعد منتصف الليل الى مكتب مدير السجن ، الذي طلبت منه ان يقنعني بعدالة حكم الاعدام شنقا ، فسرد لي ما فعله الشابان من انتهاك لاحد الاطفال ، ثم القيام بتغطية واخفاء اجزائه في مغارة. كان نصر المجالي متوترا طوال الليل ، وعندما سألته عن سبب توتره قال: أخشى ان لا ينفذ الحكم بحق هذين المجرمين، ، فقلت له: ولماذا تخشى مثل هذا؟ فقال: لقد وضعت خبرا على الصفحة الاولى بأن الحكم قد نفذ ، واذا لم ينفذ فهذه فضيحة ، اما اذا نفذ فسوف تكون «الرأي» فقد فازت بسبق على الصحف الاخرى. وبالفعل فقد جرى توزيع الجريدة في الاسواق قبل ان ينفذ الحكم ، اذ تم استكمال الاجراءات في الساعة السابعة الا ربعا صباحا، فقد كان - من الناحية الانسانية المحضة - يتوجب على مدير السجن ان لا يقوم باشعار المحكوم عليه بالاعدام بأنه ذاهب الى حبل المشنقة قبل ان يفرغ م عملية الاستحمام ، وقبل موعد الشنق بوقت طويل ، ولذلك فقد أوعز لكل السجناء ان يقوموا بالاستحمام كي يشمل ذلك الشابين المحكومين بالاعدام. ثم جرى تلبيسهما الزي الاحمر ، وتلي عليهما الحكم ، وسئلا عما يريدان قبل تنفيذ الحكم ، ثم جيء بهما - الواحد بعد الآخر - الى غرفة الشنق ، وقد غطي رأساهما بقناع اسود ، كان الشرطي يقود الشاب منهما قيادا سهلا ليس فيه ادنى جهد منه او مقاومة من الشاب ، حتى انه كان يطلب من المحكوم عليه بالاعدام ان يثبت رجليه جيدا على المساحة التي ستفتح ، ليسقط منها وعنقه مربوط بالحبل الغليط ، فيفعل ، ونفذ الحكم في الشابين ، وكان الطبيب الشرعي يهبط وراء كل منهما ليعلن موته بعد التأكد من خلو جسمه من النبض،

وفي ذلك الصباح عدنا ، نصر المجالي والمصور حسين الحباشنة ونحن مهدودون من السهر ومن هول ما رأينا ، لكنني تميزت عن الزميلين بان عنقي ظل يؤلمني لمدة ثلاثة ايام تالية.

وقبل ممارسة العمل في الصحف بشكل يمكن وصفه بالاحتراف ، كنت اتعامل مع الصحافة كوسيلة نشر لما اكتبه من قصص ومقالات ، ولم يكن هذا التعامل مقصورا على الجرائد ، بل امتد الى المجلات واستمر الحال كذلك دون ادنى تعارض.

فقبل صدور المجموعة القصصية الاولى المشتركة مع الزميلين بدر عبدالحق وخليل السواحري ، نشرت قصصي في مجلة (الافق الجديد) المقدسية التي كان يرأس تحريرها الشاعر المتصوف امين شنار ، وفي مجلة (القصة القاهرية) وفي مجلتي (الاديب) و(الآداب) اللبنانيتين وفي صحف محلية مثل (القدس) و(فلسطين) و (الجهاد) ومجلة اسبوعية اسمها (الاثنين) ، واخرى اسمها (الرقيب) بالاضافة الى جريدة (الاخبار) اللبنانية وغيرها مما لا تسعف الذاكرة بذكره،

لكن الهاجس الاكبر كان يتمثل في صدور مجموعة خاصة ، انشر فيها بعضا مما تجمع عندي عبر سنوات طويلات ، وهذا ما انبثقت عنه التجربة المشتركة باصدار مجموعة (ثلاثة اصوات) عام 1972 التي كان نصيب كل مشارك فيها خمس قصص ، وشجعتني التجربة على اصدار مجموعة اخرى في عام 1973 ، وكررت الاصدارات بين قصص قصيرة وقصص قصيرة للاطفال ومسرحية للاطفال ومقالات وغيرها.

وقبل ان ابتعد عن مجموعة (ثلاثة اصوات) كانت تجربة مفيدة على صعيد التشجيع للانفراد باصدار مجموعات اخرى في وقت لاحق ، وعلى صعيد الانتشار لكنها لم تكن مفيدة على الصعيد الفني ، لان كل من تعرض للكتابة عن تلك المجموعة ، وهم كثر ، كان يعقد مقارنة بين بدر وخليل وفخري ، بحكم الاشتراك بغلاف لكتاب واحد لا غير ، ومع ذلك فانني اليوم ، وبعد مضي كل هذه الاعوام التي تفصلنا عن عام 1972 لا اقول ان الاشتراك في كتاب تجربة مرة ، واذا اقتضى الامر فانني اشجع الشباب عليها،

قد يكون من الملاحظ الان ، انني لم اقدم في عرض لتجربتي القصصية مفهوما او تعريفا محددا للقصة القصيرة ، بل على العكس من ذلك ، فان هناك ما يمكن ان يفهم انه «تناقضات» صارخة في التعامل مع الشكل القصصي ، قد يجدها القارئ بين قصة واخرى من قصصي ، وهذا يقودني الى محاولة البحث عن تعريف - وهي محاولة خرقاء بالتأكيد - او انه يقودني على الاقل الى تحديد لمفهومي للقصة.

قد تكون القصة القصيرة من اصعب الفنون الادبية واكثرها تمردا وخروجا على اي تعريف من الممكن ان نضعه لها. فنحن نعف الشعر او بالاصح كنا نعرفه في وقت سابق ، بانه ذلك الكلام الجميل الموزون المقفى الذي يخدم فكرة اجتماعية. وكان اجدادنا الجاهليون يعرفون الشعر بانه الكلام الموزون المقفى ، دون ان يشترطوا خدمة فكرة اجتماعية ، الى ان جاء الاسلام فصار الشاعر ملتزما بالعقيدة وبالتالي تعريف الشعر: انه كلام جميل موزون مقفى ويخدم فكرة دينية. الا ان العصور التي تلت عصر صدر الاسلام تؤكد على ان هذه الزيادة للتعريف لم تحافظ على استمرارها في كثير من الحالات وحتى بداية عصر النهضة الحديثة ، حيث بدأنا نعرف معنى الوطن ومعنى المجتمع ومعنى القومية العربية ومعنى الاستقلال فصارت هذه جزءا من افكار الشعراء.

لكن هذا التعريف للشعر لم يعد الان كما كان في السابق ، فلم يعد الوزن شرطا اذ هناك الشعر المنثور ، ولم تعد القافية شرطا اذ تحرر منها الشعر الحديث ، ولم يعد الالتزام ببحور الخليل بن احمد الفراهيدي شرطا ايضا ، اذ اخذ منها الشعراء المحدثون ما يعطي الشعر ايقاعا موسيقيا ، دون التزام حرفي باصول البحر الواحد ، ونظرا لازدياد تعقيد الحياة المعاصرة وتشابكها مع كل المنجزات الحضارية العالمية صار الانسان يشعر بانعكاس كل هذا التعقيد على حياته وحياة مجتمعه ، الامر الذي جعل الشعراء المجددين اكثر صدقا واكثر اقترابا من كل ما يعانيه الانسان من غربة واكثر التصاقا بكل تطلعاته للتغيير الاجتماعي.

اسوق هذا لاقول ان للشعر تعريف محددا في وقتنا الحاضر وكان له تعريفه المحدد في الاوقات الماضية اما القصة القصيرة فانها تكاد تكون بلا تعريف جامع مانع،

فلو بدأنا بمحاولة لتحديد مساحة القصة القصيرة او عدد كلماتها ، لوجدنا قصصا قصيرة يبلغ طولها عشرات الصفحات ، ولوجدنا ايضا قصة قصيرة لا يتجاوز عدد كلماتها خمسين كلمة.

الاولى تعتبر من حيث خصائصها العامة قصة قصيرة والثانية تعتبر كذلك ونحن نستطيع ان نجد نماذة كثيرة جدا من القصص القصيرة القصيرة ذات الصفحات العديدة في ادب ارنست همنغواي ومكسيم غوركي ويوسف ادريس كما اننا نستطيع ان نجد نماذج كثيرة جدا للقصية القصيرة جدا عند انطون تشيخوف ويوسف الشاروني وزكريا تامر وهذا التفاوت في المساحة موجود في الادب المحلي ، ويستطيع المتتبع ان يلاحظ ذلك بيسر.

هذا عن مساحة القصة اما عن بنائها الفني فنحن لا نجد كذلك تعريفا محددا ، اذ ان الكتب المدرسية واحيانا الجامعية تحاول ان تدخل في عقول الطلبة ، ان القصة يجب ان تنقسم الى ثلاثة اقسام أ - بداية ب - وسط ج - نهاية على اعتبار ان البداية هي للتعريف بالمكان والزمان والشخوص ثم السير بالحدث تدريجيا نحو وسط القصة حيث تبلغ الازمة ذروتها ، ثم تتدرج من هناك نحو الحل او ما يسمونه بلحظة التنوير التي تمثل الخاتمة او النهاية.

وحقيقة القصة القصيرة ليست كذلك دائما اذ نستطيع ان نكتب قصة تبدأ من حيث (يجب) ان تنتهي ثم نعود بسرد الاحداث وروايتها الى ان نصل الي الخاتمة التي بدأنا بها وهذا ما يطلب عليه اسم Flash Back. ونلاحظه كثيرا في الافلام السينمائية والمسلسلات التلفزيونية. كما نستطيع ان نكتب قصة قصيرة تبدأ من الوسط. ثم نرجع بها وباحداثها الى البداية ومن ثم الى الوسط مرة اخرى ثم الى النهاية. وباختصار اقول ان الكاتب قادر على التصرف بشخوص قصته ومكانها وزمانها وحركتها بالوجهة التي يراها ملائمة اكثر لتشويق القارئ وشده نحو متابعة القصة.

ونجد بعد هذا ان التسلسل الذي تجده في بعض الكتب المقررة ليس هو ما نجده عندما نطلع على قدر كاف من النماذج القصصية لمجموعة من الكتاب المختلفين ، او لكاتب واحد احيانا.

اما عن الحدث ، فليس شرطا ان يكون عنيفا او مفجعا ، كما نراه في قصص الكاتب الفرنسي جي.دي. موباسان ، ومن بعد الكاتب المصري المعروف محمود تيمور. ولمحمود تيمور قصة قصيرة بعنوان (حزن اب) يرويها الكاتب على لسان الراوي الذي تابع سير الاحداث ، وهي بايجاز قصة الشيخ عساف الذي فقد ابنه عندما دهسته عجلات القطار ، حيث تحول الى كتلة من اللحم المفروم،

لماذا اختار هذه النهاية الدامية للقصة؟

ولماذا لجأ الى هذا العنف المفجع؟

ثم ، ما الذي يريد محمود تيمور ان يقوله لنا من خلال قصته هذه؟

للاجابة على مثل هذه التساؤلات ، اقول ان الكاتب اختار هذه النهاية الدامية كي يقول لنا ان حزن الشيخ عساف كان شديدا ، وان تعلقه بابنه كان مثاليا. وعليه ، فهو يريد ان يقدس هذه القيمة الاجتماعية. وقد لجأ الكاتب الى العنف الشديد ليجعل احداث القصة ترسخ في اذهاننا مدة طويلة ، وهي ترسخ في الذهن فعلا نظرا لشدة كثافة العنف فيها. اما ما الذي يريد ان يقوله لنا محمود تيمور فهو في تقديري لا يتجاوز ان يكون دعوة للارتباط الحميم بين الابن وابيه وبالعكس. ولكني ارى ان قصة كهذه ، خرجت عن المغزى الذي يريده الكاتب ، وتحولت الى دعوة لكل الاباء الذين فقدوا ابناءهم كي يموتوا بنفس الطريقة. فالاب الذي مات ابنه دهسا عليه ان يقتل نفسه تحت العجلات ، والاب الذي مات ابنه بشرب الفليدول عليه ان يهب فورا لشراء كمية مناسبة من هذه المادة السامة وشربها.. وهكذا.

والحدث في القصة لا يجب ان يكون بهذه القسوة دائما ، بل ان الكتاب المجددين صاروا الان اكثر ميلا للهدوء والتأثير والاقناع ، فالكاتب قادر على فعل المعجزات اذا استطاع الكاتب ان يحسن التصرف بها ، وكذلك ثقافة الكاتب ، تسهم اسهاما كبيرا الى جانب اللغة في تشكيل العمل الادبي مع الموهبة.

ومن هنا نجد ان تطورا ملموسا قد طرأ على فهم الحدث في القصة القصيرة ، مما يعيق مهمة الدارس في وضع تعريف محدد للقصة. فبعد ان كانت القصة تعتمد على المفارقات والفواجع والعنف والدماء صار الكاتب يميل الى خدمة فكرته باسهل الطرق وابسطها واكثرها هدوءا.

والكاتب بطبعه انتقائي ، يختار من واقعه ما يراه ملائما لخدمة اغراضه الفنية ، ولذلك ، فأنه يأخذ من الواقع اجزاء متفرقة ، ويربط بعضها ببعض ، بحيث يخلص الى حياة جديدة ، تبدو امامنا ذات استقلالية تامة عن الواقع نفسه ، اعني بالاستقلالية هنا ، ان العمل الابداعي يصبح ذا شخصية جديدة متميزة ، واخلص من هذا الى ان القصة القصيرة ليس لها تعريف محدد ، يمكن ان نعتمده بشكل ثابت. ولكن هل يجوز ان نقول لا يوجد تعريف للقصة القصيرة ثم نسكت؟ في الحقيقة ، انه لا بد من محاولة من اجل تلمس الملامح العامة للقصة ، كي نتمكن من و ضع تصور عام لها ، كبديل للتعريف الجامع المانع عن الواقع ، الا انها في النهاية تصب في هذا الواقع. ولمزيد من التوضيح اقول ، ان ما يحدث في حياتنا اليومية لا يصلح - على علاته - لكتابة قصة قصيرة.

فالمشاجرة التي تحدث بين امرأة وجارتها ، تؤدي الى ذهابهما الى المخفر ، ويجري التحقيق فيها ، لا تصلح لقصة قصيرة ، والا فإن تحقيق الشرطة او تقريرها المكتوب يصبح عملا ادبيا منتزعا من صميم الواقع ، ولهذا فإن حادثة كهذه قد تفيد الكاتب الواقعي ، لكنها ليست هي كل الواقع المطلوب تصويره ورصده ، ومن هنا جاءت المقولة المعروفة عند ارنست فيشر وجورج لوكاتش وامثالهما من نقاد الواقعية في العالم ، ان الواقعية ، لا تعني تسجيل الواقع كما هو ، وانما تعني ان يختار الكاتب وينتقي ما يجده مناسبا لخدمة هذا الواقع وتجميله واعطائه رونقا جديدا ، يلعب دورا فاعلا في خدمة الاهداف النهائية للقصة.

والحدث ، لا يهم اختياره ، لان الكاتب لا يريد ان يكتب حكايات للتسلية ، وانما هو يختار الحدث الذي يخدم موضوعه ، والوجهة التي يريد ان يسير فيها ، وعلى الرغم من ان اختيار الحدث بطريقة الربط بين متفرقات الا ان حصيلة هذا الربط يجب ان تكون قابلة للتصديق من قبل المتلقي. وقد اصبحت لغة القصة جزءا مهما في مجال بنائها. لانها تساير التطوير الادبي ، فتتطور معه ، هذا اذا اتفقنا على ان اللغة كائن حي يتطور مع الاحداث ، ومع مرور الزمن ، ومع ما يستجد من تغيرات اجتماعية وخلافها ، فكيف يستطيع الكاتب الواقعي ان يكتب قصة واقعية ، ويجعل الحوار الداخلي او السرد او الحوار بين الشخوص يجري بلغة اجدادنا الجاهليين؟ فالقصة الواقعية تكتب بأسهل لغة واكثرها بساطة ، خاصة اننا نعيش الآن في عصر الصحافة ولغة الاعلام المرئي والمحكي ، لا عصر الكتب القديمة ولغة المؤلفين القدماء. وكي لا يساء فهم هذا الرأي اقول: ان كتابة القصة بلغة سهلة وبسيطة ، لا يعني ان نكتب بلغة الشارع العامية ، اذ بالامكان ان نفصح هذه العامية ، كما ان بالامكان ان نبسط الفصحى المقعرة ، بحيث تلتقيان في لغة عربية فصيحة مبسطة.

وعموما ، فإن كتابة القصة القصيرة ليست فنا سهلا ، ومع ذلك ، فهي لا تمتنع امام الموهبة والثقافة والتمكن من اللغة. كما ان الحديث عن القصة يحتاج لكلام اكثر ، وتفاصيل أوفى وما اوردته هنا ، مجرد محاولة للاقتراب من فهمي للكتابة القصصية ، وهي - اي المحاولة - لم تتجاوز حدود الالف باء للقصة القصيرة ، ومن اراد ان يواصل التعرف على هذا العالم الابداعي ، فإن عليه ان يطلع على اكبر قدر ممكن من المجموعات القصصية ، ومن الدراسات التي تبحث في هذا الفن الادبي.

ولست انكر ان النقد ضروري للمبدع ، لكن الاكثر ضرورة من هذا ، هو امتلاك المبدع نفسه ناصية الابداع وناصية الخلق الادبي ، وقد ادركت هذا ، وراهنت عليه منذ ان كتبت قصصي الاولى الى الوقت الحاضر ، فأنا افضل ان تستقر القصة في داخلي كاملة ، كما لو كنت قد كتبتها واعدت قراءتها وحفظتها بكل تفاصيلها. وكي اصل بالقصة الى هذه المرحلة ، فإن الامر يتطلب وقتا طويلا من التقليب الى ان يتم التخمر او النضج على نار هادئة ، وفي ظني ان اوقات الليل ، هي افضل الاوقات لتقليب القصص والتفكير بها ، بعيدا عن ضجيج النهار وضوضائه ومشاكل الحياة ومشاغلها ، وافضل اوقات الليل هي التي تبدأ بعد منتصفه ، وقد اعتدت على التعايش مع شخصياتي والتفكير بقصصي في الليل ، وربما كان ادق وصف لهذه المعاشرة الحميمة ، بانها كانت ليالي انس ، يغلب عليها التحاور مع الندماء او الجلساء من الشخصيات القصصية والاجواء التي تسعى فيها.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...