الجنس في الثقافة العربية محمد حجيري - المَاجَرَيَات: قوة شهوة النساء.. ومُفاضَلة بين العشيق والزوج

من وقت إلى آخر، يُفاجأ القارئ ببعض الكتب "النفيسة" و"النادرة"، ثمرة مخطوطات غير متداولة ومجهولة، مخبوءة في دهاليز المكتبات الكبرى في العواصم الثقافية، خصوصاً الغربية، وتنتمي إلى الأدب المكشوف أو الحكايات الشفوية التي لا تخبئ ولا تستر أو تحجب، وتقول الأشياء كما هي، بلا مواربة أو الاستناد إلى ايحاء، وتسمي الأعضاء الجنسية بأسمائها، ولا يختلف تناولها عالم الباه و"التعنيق"، وأحياناً مثل فيلم فانتازمي مدعم بلغة بين السوقية والأدبية والعامية، وطقوس نجد بذرتها في الليالي العربية أو "ألف ليلة وليلة" أو الحكايات. وحتى لا نتوهم أن نصوص الأسلاف "جريئة" أو ما شابه من كلمات فارغة، أو أن الكتابة المكشوفة في أزمان غابرة كانت أمراً عابراً، يمكننا القول إنها نصوص تراثية حكائية وغنائية وسردية جذلية ظريفة استئناسية، مكتوبة بلا "تهذيب" (بحسب مفهومنا للتهذيب اليوم، وهو مستمد من الثقافة الغربية المسيحية). والكثير من هذه النصوص في خانة "كيد النساء" و"حيلهن" وأنماط تفكيرهن" و"حبهن"، ومنها كتاب "الزهر الأنيق في البوس والتعنيق. الغنج والشهيق ومخالفة الزوج ومطاوعة العشيق"، وقد اختار محقق هذه المخطوطة، إبراهيم العاقل، والتي عثر على نسختها في باريس وتعود للعام 1471، أن ينشرها تحت عنوان "الماجريات: خمس وعشرون حكاية عن النساء من القرن الرابع عشر"(منشورات الجمل).

والكتاب "نسخة خطيّة محفوظة في المكتبة الوطنية في باريس"، ومن العنوان الداخلي يبدو رحلة من نوع آخر، ولا يتعلق بقوة شهوات النساء فحسب، بل بقوة حيلهن وتفكيرهن، ومفاضلتهن بين العشيق الذي يكون مصدر سعادة ولذة، وبين الزوج الذي غالباً ما يكون نتيجة اخضاع بائس... وما يجمع بين قصص الكتاب أو حكاياته الظريفة، حيل النساء وعشقهن، وطرقهن في تدبير أمورهن في لحظة وقوع الواقعة او "الخيانة" أو المخالفة الزوجية، كما لهن طرقهن في إيقاع العشيق في حبائلهن ومكرهن وشهواتهن، ومكر النساء في الكتاب علامة على التفكير وعلى أنهن رؤوس مفكرة ينتصرن على ذكورية الرجال وممارستهم... وما يميّز "الماجريات" ويمايزه، بحسب تقديم الكتاب وتعريفه، عن كثيرٍ من تلك السّرديّات المتناسلة والتّشكيلات الحكائيّة المتنوّعة، هو وحدة موضوعها الكاملة (مكر النساء الماجنات) واتساق أسلوبها الكليّ (عمل مؤلف واحد) ومرجعيتها الواقعية المكرّسة (السماع والمعاينة)، فضلاً عن الحضور الطاغي للجانب الأيروتيكي من دون أدنى تحفظ أو مواربة. والحب أو العشق في الكتاب ليس الحب العذري المتعفف أو المازوخي، بل المتلفت والمرتبط بالممارسات الجنسية الايروتيكية الباهية (نسبة الى الباه)، حب يرتبط بامرأة تبحث عما يلبي رغبتها، سواء من خلال البحث عن الرجال الوسيمين والملاح، او حتى من الفتيان (الخام) الذين ما زالوا يحافظون على عذريتهم، وكثيراً ما تكون الماجرية ثرية تجعل من جلسات العشق عارمة... وما يختصره الكتاب هو قوة شهوة النساء في المتخيل العربي والإسلامي.

وسبق للباحث وضاح شرارة أن كتب بحثاً فذاً بعنوان "ذوات الفروج يركبن السروج: قوة شهوات النساء" حيث جمع 22 خبراً عنهن وردت في مؤلف الأصفهاني "الأغاني". بعد روايتها وتصنيفها، اتخذ شرارة من هذه الأخبار مثالاً ودليلاً في تأويله حضورهن وأحوالهن وأدوارهن وأفعال شهوتهن ورغبتهن في الاجتماع والمخيلة العربية والإسلامية، والماجريات هن على المنوال نفسه، بحضورهن في الاجتماع والمخيلة العربية والمملوكية.

وعنوان الكتاب الداخلي أو الأصلي والشعبي، وربما الأكثر دقة وملاءمة للنص وتفوح منه ضحكات امرأة في فيلم مصري قديم، يذكرنا بكتب "الروض العاطر" و"تحفة والعروس" و"رجوع الشيخ الى صباه"، و"زهر الربيع". وقد شكك المستشرق، البارون دي سلان، في أصالة هذا العنوان، لا سيّما أنّ هذا العنوان لا يُشار إليه في المقدمة... والمؤلف الذي يبدأ مشواره بالبسملة، "وعليه نتوكل الحمد لله العلي شأنه الظاهر برهانه. الذي خلق الخلق بقدرته. وبسط الرزق بحكمته. وصلى الله علي خير خلقه. محمد وآله وعثرته. يريد من أخبار الماجريات، قول الجانب المحذوف من الخبر، أي قول "كيدهن" و"حيلهن" كما هي، "فأحببت أن اجرد فيهن |2أ| كتاباً اجمع فيه ـ جهد الاستطاعة ـ من الهزل والخداعة واللعب والخلاعة؛ وفي أخبارهن على زعم صاحب الحكاية ومؤلفها أو قائلها، وفحوى القص أو رواية أشعار الماجريات وأخبارهن ومجونهن وحذقهن ومكرهن واحتيالهن وخداعهن أزواجهن المغفلين هو "ما يفرج الهم ويزيل كل حزن وغم، [و]يشرح الخاطر ويضحك السامع ويبهر الناظر"...

و"المَاجَرَيَات" ـ أي الوقائع والحوادث ـ هي اصطلاح مشتق من لفظتي "مَا" و"جَرَى"، ومفردها "ماجرية". واشتهر هذا المصطلح وكثر في عبارات ابن خلكان، في كتابه "وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان". وقد يخرجها البعض إلى معنى الخصومات والمظالم؛ فقد سئل الشيخ تقي الدين أحمد بن تيمية، عما أحدثه الفقراء المجردون، والمطوعون من صحبة الشباب، ومؤاخاة النسوان والماجريات [...] هل يجوز ذلك؟ فأجاب: [...] "وأما الماجريات فإذا اختصم رجلان بقول أو فعل وجب أن يقام في أمرهما بالقسط". ولا يبدو أنّ هذا ما كان عليه فهم تلميذه ابن قيّم الجوزية، الذي أعاد المصطلح إلى المعنى الأوّل: "ومتى انفتح هذا الباب [يريد باب الإيمان] للعبد انتفع بمطالعة تاريخ العالم، وأحوال الأمم، وماجريات الخلق، بل انتفع بماجريات أهل زمانه وما يشاهده من أحوال الناس". وقد كثر التصنيف بعد ذلك في هذا الفنّ فوجد من ينظّر له ويرسي قواعده. وممّا قاله القلقشندي في الصنف السادس (من الرسائل ما تُكتب به الحوادث والماجريات): "ويختلف الحال فيها باختلاف الوقائع: فإذا وقعت للأديب ماجرية وأراد الكتابة بها إلى بعض إخوانه، حكى له تلك الماجرية في كتابه مع تنميق الكلام في ذلك، إما ابتداءً وإما جواباً، عند مصادفة ورود كتابه إذذاك إليه".




وبحسب مقدمة الكتاب، فإنّ مجمل الأدب الحكائي يمكن أن يندرج تحت إطار الماجريات؛ فلازمة "وما جرى له / لهما / لهم" تتكرّر في معظم عناوين القصص، وما لم يجرِ على أرض الواقع فقد جرى في الخيال وجرت به ألسنة "القيل والقال". والماجرية تتحدث عن رغبتها وانتظارها:
طمعت قلبي بوصلك حسبت وعدك قريب
خاب الامل صرت بعدك في الحي ملقا غريب
جسمي من الحب ناحل مذ غبت عن ناظري
وكم قطعت مراحل وانت في خاطري

وهناك شيء من الفانتازم الجنسي في أخبار الماجريات، تقول:
بالله عليك يا جاني ارفع قوي سيقاني
واجعل اصابع رجليّ من خلف شحمة آذاني

و"ترقد على وجهها مبطوحة وتكشف عن أوراكها. ثم تملأ القدحين وتضع كل قدح على فردة من لواياها وهما يتزحزحان من الشحم. تهزهز الفردتين سوا بصناعة وموازنة حتى يتلاطم القدحان وهما |5أ| على اردافها مع لواياها. فكان شي يحير العقول ويدهش النواظر، وكانت مع ذلك تغني تقول:
لياتي ترقص باقداحي واوقاتي دايمة بافراحي"...

وقوة شهوة النساء حاضرة في وجدان الماجريات أو كما يرويها الكاتب، الى درجة أن الماجرية والعشيق "يبوا عن الوجود ويصير وجدهم مفقود"... بمعنى اخر النصوص التي تروي حكايا الماجرية اقيسة(من قياس) على المعنى الرغبة، وانماط انتشارها، ومعنى العشق وخطابه.

والكتاب في حكاياته شيء من حكايات زمن غابر، انيط بنساء المماليك ان يتميزن به، وتكثر الدراسات حولهن، وهن تميزن بجمالهن وحسنهن...

لا يبوح حديث الماجريات باسم صاحبه/ناقله الذي جمعه وألّفه ممّا قرأ وسمع وشاهد ونقل. لكن من المعطيات النصّية يبدو أنّه مصري، وأنّه سافر "الى حلب الشهبا في زمن سلطنة الملك الناصر محمد بن قلاون"، وعدا عن الاصل المصري للكتاب، هناك ما يشبه طقوس عوالم القاهرة وغوازيها وزمن قبل صعود الغناء الحديث. كانت "العالمة" تحيك القصص وتنتهي لياليها حكايات في هذا الشارع وذاك، مع فارق أن الماجريات نساء بلا وظائف، هن حكاية بين السكر والجسد والأربعة جدران، يروين حيلهن في العشق، او قصتهن مع عشيق، أما العوالم فهن في دائرة العرض والطلب.

وعدا عن اطلاع مؤلف الماجريات المتخفي أو المجهول على كتابات المتقدمين ممّن اعتنوا بتأليف كتب الهزل والمجون؛ كان صاحب "الماجريات" أيضاً على اطلاعٍ على كتابات أبي الفرج ابن الجوزي؛ فهو يذكره مرّتين: "قال صاحب الحديث عفا الله عنه قال حكى لي رجل وكيل وكان كثير الحراف وقد قرا ودرا وحفظ الاسمار وروي الاخبار وانشد الاشعار وقد دكر لي اشيا من اخبار الحمقا والمغفلين لابن الجوزي وغيره" . و"قال المولف [...] وقعدنا قليل نستريح فتباسطنا فى الكلام وتجارينا حديت الاعوام وما جرى على المغفلين من المقادير والاحكام وما قاسوا من الشدايد والالام ومن الفضيحه والتهتك بين الانام فاحكيت لهم انا شي من نوادر الحمقا والمغفلين لابن الجوزي فقالوا الجماعه هدا جري وكان في ذلك الزمان ونحن نشتهى نسمع ونشاهد عيان ما جرا في هذا الزمان".

حاول المحقق أن يقدّم في تحقيقه لمتن المخطوطة "صورةً أمينةً لنصّ الناسخ"؛ فلم يصحّح لفظاً أو يقوّم عبارة، وإنما اكتفى في مواضع "الخطأ والخلل بإيراد قراءات الروايات الأخرى (إن وُجدت)"، واعتمد من تلك القراءات ما ارتأى أنه الأصوب والأقرب إلى نصّ المؤلف. واكتفى من فروقات الروايات المختلفة ـ شعراً ونثراً ـ بما كان منها ذا دلالة وفيه إشارة تساعد على تتبّع علائق المتون المتوالدة.

أحسب أن المؤلف يقول من خلال الماجريات أن لا خيمة فوق رأس امرأة في المكائد والحيلة والشهوة والعشق، سواء الجارية أو الحرة، الفقيرة أو الثرية، الريفية أو المدينية، وإن كانت المرأة عصية على رجل، فيبدو أن مفتاح التواصل معها امرأة أخرى. ويقص المؤلف المجهول حكايات ماجرياته، كأنهن بطلات في زمانهن، أو حكايتهن من بطانة القص البطولي العربي.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...