مصطفى نصر - الأطعمة في حينا الشعبي...

بائعة الكسكسي في غربال
يكثر الزبالون في حي غربال، وهم الأغنى، فعملهم يدر عليهم مبالغ كثيرة. ومازال صديقي يذكرني للآن بصديقنا – ابن الزبال - الذي كان مصروفه شلنا في اليوم، بينما أنا والآخر نأخذ قرش صاغ واحد يوميا، رغم أننا كنا أكبر منه سنا.
يبدأ عمل الزبالون بعد صلاة الفجر مباشرة، وكنا نسمع أقاربهم وهم ينادون عليهم وقت الفجر بإلحاح، ويدفعون للشيخ أحمد - إمام المسجد الصغير في حارتنا - لكي يوقظهم للذهاب إلى عملهم مبكرين.
تقف في تقاطع شارعي الأمير أحمد رفعت ومحمد العباسي المهدي، امرأة جميلة ونحيفة تبيع الكسكسي، فكنت اشتري منها، وأتابعها باهتمام، أتذكر الممثلة مريم فخر الدين في فيلم " الطاهرة "، فقد كانت تبيع الكسكسي والبليلة مثلها، وكانت المرأة- بائعة الكسكسي - طيبة وبيضاء وطويلة وذات وجه نحيف وجميل مثل وجه مريم فخر الدين .
تقف أمام دكان بائع دقيق مغلق، تبيع للزبالين الذين يقفون أمامها بعرباتهم وحميرهم، فتضع الكسكسي والبليلة والسكر فوقه، وسطل اللبن بجانبها تصب منه فوق الطبق. وينتهي عملها قبل أن يأتي صاحب دكان الدقيق ويفتحه، فتعود إلى بيتها، لتباشر عملها. لكن – للأسف – أحس الزبالون الذين يشترون منها بمغص وقيء، فاحتجزوهم في المستشفى الأميري لساعات، وتم القبض عليها، وحققوا معها، فلم تعد ثانية إلى الحي، سكنت حي " غبريال" ورأيتها – هناك – وهي تبيع ما كانت تبيعه في غربال.
00
في بيوت الزبالين صفائح السمن الصعيدي التي لا تنتهي من البيت. وفي الأعياد المسيحية والإسلامية، يأتي عمالهم بزنابيل ممتلئة بالحلويات، خاصة لو كان قسم الزبالة في حي راقي مثل الإبراهيمية وسبورتنج وكليوباترا. فكل شقة تحرص على إعطاء الزبال كميات من الكعك أو الجاتوه أو البيض الملون في شم النسيم. ومن كثرته يوزع الزبالون بعضه على جيرانهم الذين لا يحصلون على ذلك.
لم نكن نعرف اللانشون
عملت في فترة الدراسة في شركة المجمعات الاستهلاكية خلال الصيف، فكنت أذهب مع بعض شباب العاملين في الشركة، لشراء الإفطار من محلات شارع محرم بك، ففوجئت بمن يطلب " اللانشون" ودهشت أكثر من رؤيته والبقال يقطعه إما بالماكينة أو بالسكين الكبير الحاد، ففي حينا لم نكن نعرفه، وعندما كنت أراه لدى الباعة في المحلات البعيدة عن حينا، كنت أظنه مصَّنع من لحم الخنزير.
كنا نشتري لوازمنا من لدى بقال قريب جدا من بيت جدتي، اشتري منه بقرش صاغ بسطرمة، فأزيل الثوم العالق بها، وأذهب إلى الفرن، أضع البسطرمة في نصف الرغيف، وأثني الجزء الباقي، وأدفع خمسة مليمات ثمن الرغيف. أو اشتري بخمسة مليمات عجوة، وأزيل النوى منها، وأضعه في رغيف أيضا مع سمن من بيت جدتي.
00
يكثر في حينا باعة البطيخ الصغير، فتجلس امرأة بدينة بجوار بيتها، تضع البطيخ بجوار نافذة حجرتها، وتبيع الواحدة بخمسة مليمات، والكبيرة بقرش صاغ، وقلما تجد فيها بطيخة حمراء. ويبيعون العنب الفرط. والجوافة وبلح عيشة. ومن المشهور هناك إن من العيب أن يذهب أحد لزيارة مريض ومعه كيس فيه جوافة أو بلح عيشة. فهما أقل سعرا من الفاكهة الأخرى.
وهناك من يفتح الرغيف ويمده لبائع العنب الفرط لكي يملأه له، أو يفتحه أمام بائع المكرونة الذي يقف على ناصية الحارة، ليضع فيه المكرونة، وتدهش كيف يأكلون الخبز المحشي بالعنب أو بالمكرونة. وبمناسبة ذكر المكرونة، فالكثير من سكان الحي لا يحبونها ولا يأكلونها، وقد لاحظت أن الصعايدة - الذين جاءوا من الصعيد كبارا - لا يميلون لأكل المكرونة ولا أكل اللحوم المصنعة، فلا يفضلون البسطرمة ولا اللانشون.
الذين يتاجرون في مخلفات الحلوانية
ويكثر باعة مخلفات معامل الحلوانية الكبار، مثل بسترودس وديليس وإيليت، فيأتي الرجل بعربته التي يجرها الحمار، ويفرش بضاعته، في أول الحارة. مناديل ورق بها بقايا الكريم والمربي، أو ورق مقوي أملس الوجه، يضع البائع فوقه بعض الأشياء الصفراء أو المربى الحمراء بملعقته. ويبيع الفرافيت المتبقية من أكل الزبائن، عربة " معرمة " بهذه الفرافيت. ويتزاحم الرجال والنساء والأطفال على شراء هذه الأشياء.
كان الأطفال يرتبطون بحاراته، فقلما يبرحونها، لكن عندما يصلوا لسن الشباب يطمحون للخروج منها، فيصعدون لمنطقة عليا، يصلون إليها عبر جبل ترابي ( صنعت البلدية بعد ذلك سلالم بازلتية، وثلاث حدايد لكي تمنع السيارات من الوقوع إلى أسفل) وكان سكان المنطقة العليا يطلقون على سكان المنطقة السفلى، اسم ( العزبة ) هناك فرق كبير بين الحيين، رغم قربهما والتصاقهما ببعض، فحواري المنطقة السفلى ترابية، بينما شوارع المكان العلوي مسفلتة، وبيوتها عالية، وقلما تجد بيتا هناك بلا كهرباء، بينما 99% من بيوت المنقطة السفلى بلا كهرباء، وبعضها بلا ماء.
أطعمة المنطقة العليا الأكثر رقيا
كنت أقضي وقتي بين بيت جدتي ( لأمي ) في المنقطة السفلى، وفي بيت والدي بالمنطقة العليا، وقد أنجبت ساكنة فقيرة في بيتنا؛ طفلة شديدة النحافة، فكانت ترسلني كل يوم إلى" لبان" اسمه الشيشيني، يمتلك دكانا في شارع إيزيس القريب من بيتنا.
الرجل يجلس بمعطفه الأصفر وطربوشه، أمام مائدة ذات طبقة رخامية، مثل الكثير من موائد دكانه المخصصة للذين يأتون لتناول إفطارهم أو عشاءهم عليها، وعامل يقف خلف النصبة يغلي اللبن ويبيعه هو ومنتجاته من زبد وكريمة وجبن، أقول للرجل: بقرش لبن ( والقرش في لغتنا – وقتها - يعني نصف القرش، أي خمسة مليمات، بينما نقول على القرش،" صاغ ") فيقول الشيشيني غاضبا: فيه لبن بقرش؟! ثم ينظر ناحية عامله قائلا في ضيق: أديله بقرش لبن.
ويتكرر هذا كل يوم.
الغريب أن زوجة أبي التي جاء بها أبي من الصعيد بعد موت أمي المبكر، وباقي سكان بيتنا، يطلقون على أي " لبان" اسم الشيشيني، ومازالوا يقولون ذلك.
00
بين المكرونة والكشري
بعد مسافة ليست بالبعيدة من دكان الشيشيني، يقف علي الزعبلاوي بعربته، واضعا ساعة حائط على الجدار المجاور لمحل تصليح الساعات، وراديو كبير، وصورا كثيرة له.
يبيع الزعبلاوي المكرونة، نوع واحد لا يغيره، وسط بين المكرونة الصغيرة والمكرونة الكبيرة المسماه: " قلمة "، ومازال المشترين في منطقة كبيرة جدا من الإسكندرية، يقولون للبقال: " نريد كيلو مكرونة الزعبلاوي ".ويعرف البائع طلبهم فيزنها لهم.
يقف الزعبلاوي بعربته ليل نهار، ويبيع هو وعماله طوال الوقت.
ثم أفتتح محلات كثيرة حول المنطقة، وعمل عنده عمال كثيرين، وأصبح من معالم المنطقة، فمازلتُ للآن، عندما أريد ركوب تاكسي، أقول للسائق: "عند الزعبلاوي". ويعرف السائق ويصل بي إليه. وحكى لي مساعد مخرج – صديقي - عمل في أحد أفلام الممثل أحمد آدم، إنه سمعه يقول للعاملين معه في الفيلم وقت الراحة:
- إللي ما أكلش مكرونة من عند الزعبلاوي، ما يبقاش اسكندراني أصيل.
كان عمال الزعبلاوي يعصرون أفضل أنواع الطماطم بأيديهم، فتتبقى كميات كبيرة منها، يضعها العمال في أواني كبيرة، فيأتي الجيران ويطلبون أجزاء منها، فيعطونها لهم، فيقوم الناس بعصرها في بيوتهم وصناعة طعامهم منها، لكنه بعد ذلك، اشترى الزعبلاوي معصرة كهربائية حرمت الناس من هذه البواقي، فالمعاصر الكهربائية لا تترك شيئا للناس.
لم تعرف الإسكندرية الكشري المصري المكون من الأرز والمكرونة والعدس بجبة، ثم المحبشات الأخرى المكونة من التقلية والتوابل. فقد تأثر السكندريون بالكشري الذي كان الرشايدة – وهم كثر في الإسكندرية – يصنعونه من الأرز والعدس الأصفر، ويرشون عليه البصل المقلي بالزيت. وكانت جدتي تصنعه لنا كثيرا، ( موت أمي المبكر لا يجعلني أتذكر ما كانت تصنعه أمي لنا من طعام) وكان السكندريون يحرصون على تناول الكشري المصري كلما سافروا للقاهرة، لكن فجأة انتشر هذا الكشري في الإسكندرية، بدأه في منطقتنا بائع مكرونة اسمه أنور، كنت أعرفه تماما، فأنا من هواة أكل المكرونة، ومن الله عليه بأولاده الذين أنشأوا صناعة الكشري المصري في منطقتنا، وأضطر الزعبلاوي أن يفعل مثلهم.
فلفل بائع الفشة ولحم الرأس
في مواجهة دكان الزعبلاوي يقع دكان فلفل، صانع السقط ( الفشة والمنبار والطحال والكوارع ولحم الرأس .. إلخ )
الدكان كبير فيه موائد كثيرة للذين يفضلون تناول الطعام داخله، بينما يقف فلفل في الخارج أمام طاسة كبيرة، يقلي الفشة ولحم الرأس، وقطع المنبار الصغيرة وباقي الأشياء، وعماله ينقلونها للزبائن، وكنت وأنا صغير أقف أمامه لوقت طويل حتى يأتي دوري يبيع لي في قرطاس ورق بعض هذه الأشياء.
يغلي فلفل كميات كبيرة جدا من بضاعته في قزان كبير جدا، فيتبقى عنده كمية هائلة من المرق، كان السكان حوله، يذهبون إليه حاملين حللهم وأوانيهم الفارغة، ويطلبون منه بعضها، فيعطيها لهم دون مقابل، فيطبخون عليها الملوخية أو البامية بالطريقة الصعيدي، والمسماه " ويكة ". وكنت أعود متأخرا، فأجد عربات كثيرة جدا من باعة الخس والترمس .. إلخ، واقفة بعد دكانه. فأصحابها يجلسون على المقاعد داخل الدكان، وبعضهم يقف منتظرا خلو مقعد ليجلس فيه، فيقدم عمال المحل لكل منهم" سلطانية " فيها مرق مغلي ورغيفين ناشفين يفتهم، ويأكل، ثم يدفع قرش صاغ واحد، ثمن الخبز.
لكن الأيام تغيرت، وورثة فلفل، بلغني أنهم يبيعون المرق الآن للجيران ليطبخوا عليها.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...