حسام المقدم - أوقات للعِظام...

"أبحث عن مساعدة، أنا حفّار القبور، لقد قصفوا المقبرة، كل عِظام الموتى في العراء."
جان جينيه: أربع ساعات في شاتيلا.
ترجمة: رضوى عاشور، أمينة رشيد.
**
قالت عَظمة واقفة بثبات: "أنتَ تقف في طريقي، تَحرَّك، أريد أن أَمُر."
تراجعتُ قليلا بين الأنقاض والغبار. قلتُ محاولا ضبط أنفاسي: "جئتُ للمساعدة، سمعت النداء فجريتُ بكل جهدي إلى هنا."
ردَّت بِحدّة: "لا تُتعب نفسكَ، العِظام كلها ستغادر."
**
لا أصدق أنها مقبرة المُخيّم التي أعرفها. هنا، في هذا التراب، ينام جدي وأبي واثنان من أعمامي. كل ما حولي يصرخ بكارثة القصف: أنصاف شواهد وجدران منهارة وأكوام حجارة. في كل مكان عِظام وعظام، تجري وتزحف وتعرج، جماجم وأفخاذ وأذرع، وحتى عُقلات الأصابع تنفرط قافزة مثل خنافس هاربة. عظام رمادية هشّة على وشك التّهشُّم باللمس، وأخرى منخورة لكنها متماسكة إلى حد ما، هناك الجديدة نسبيا التي لم تتعرَ بالكامل من اللحم.. انقلَبت معدتي، انحنيتُ ضاغطا على بطني، فخرج ما أكلته في الصباح. اعتدلتُ لاهثا ووجهي يلمع بالعرق.
قلت لنفسي إنني أشاهد البعث قبل حدوثه وأنا حي أُرزَق، في تجربة مرعبة تُذيب الحديد. لم أكن بمفردي، حضر آخرون. جريتُ لألحق عَظْمة صغيرة: "انتظري، أنا وكل هؤلاء هنا من أجلكم". التفتت وهي تهتز وترتعش، لم ترد بكلمة، وواصَلت قفزَها بخطوات واسعة. اقتربت مني جمجمة تُحرّك أسنانها بعصبية، حاولتُ تهدئتها: "لا تتركوا مكانكم، فَكّروا من جديد، إلى أين تذهبون؟".. تحرّكَ الفكّ المسنون: "لا تنشغل بالمكان الذي نذهب إليه، العظام تعرف لغة واحدة هي الدّفن في التراب، أما وجودنا في الهواء فهو شذوذ عن طبيعتنا."
**
الآن.. اترك عينيكَ تدوران في الأرض المحزونة، بَقَروا بطنها فلفظَت أجسادها وعظامها.
بعد سنوات، وربما بعد شهور أو أيام، ستكون مدفونا هنا، وفي لحظة تنهمر القنابل فوق مقبرتك، حينها لن تكون واقفا تسأل وتنتظر إجابات، سيكون سين أو ميم غيرك، يرى عظامك المخلخلة تغادر قبل أوان اكتمال دورتها، قبل أن تصبح ترابا مُتحدا بالأرض.. ينحني على عظام كتفك ويطبطب عليها، يفرد كَفيّه ويحوط جُمجمتك هامسا بكلمات طيبة في ثقب أذنك.. يرى جسدك المبعثر كمسبحة مفروطة، يُفكر في لَم الأجزاء وتكريمها لتصير واحدا مُكتملا في جوف قَبر.
**
خطوتُ إلى خارج المقابر، بدت ملامح المخيم مشوّهة بعد الدمار الكبير، الشوارع والأزِقّة مسدودة بأحشاء البيوت المُهدّمة.
لا يفارقني منظر العظام في هياجها العصبي الرهيب. شاهدتُ بعضها تجري بسرعة شديدة في شارع الشهداء، ومجموعة أخرى كانت منتظمة في طوابير على حدود أحد المخيمات. أدهشني وُرود أخبار تزعم أن فصيلة من عظامنا عبرت الحدود! استقبلتُ الكلام بحذر، قلتُ: هذا أدعَى للتفكير في مصيرها، فاجتياز الحدود ليس لعبا. في لحظات تالية رأيتها مجرد عظام مسكينة هربت من قبورها المستباحَة إلى مكان أكثر أمانا. طمأنتُ قلبي المضطرب بأن كل الاحتمالات المذكورة تبعث على بعض الراحة وشفاء الغليل.
**
قل إنك حلمتَ، وفي حلمكَ رأيتَ العظام تمشي وتميل وأحيانا تتهامس، فوق أرض ضبابية خضراء. تُميِّز بينهم وجه شاعِركَ المُفضل، كانوا يتكلمون ويتناقشون بانفعال، تسأله عَظْمة بملامح جادة: "قُلتَ في شِعركَ إن (البيوت تموتُ إذا غابَ سُكانُها)، فكيف هي المقابر إذا هاجَرَت عظامها؟".. يتأسّى الشاعر ولا يرد، يمضي وحيدا حتى يغيب. يستمر المشهد مع تغيُّر الخلفية: مسرح بسجاد أحمر، شاطئ نهر ريّان، سبورة سوداء في فصل مدرسي.. العظام تتساند على بعضها، تتقارب بشكل لافت، تتفاهم بِلُغة سريّة كلما طالت الوقفة، إلى أن يسود هدوء شامل. هل ناموا على هذا الوضع الحميم؟
بعد الصحو تُحس بقلبك المقبوض، تلوم نفسك: ليس هذا وقت الأحلام، لكنّ نقطة في أعماق روحك تقول لك: لا تخف أبدا من حلم.
**
لم أنقطع عن مقابرنا منذ أن بدأنا أعمال الترميم والبناء. كل سكان المُخيم مصممون على إعادة كل شيء بنفس التقسيم، لكل عائلة مدافنها، ولوحات الرخام المكسّرة سنُغَيّرها ونحفر فوقها أسماء وألقاب العائلات.
ربما كنا ساذجين حين رحنا نبني ونرفع ما انهدم، بينما مقابرنا المُستعادَة متروكة بأفواه مفتوحة على فراغ أسود. بمرور الأيام الثقيلة وجدنا عزاءنا المؤقّت في الدوران الطبيعي لعجلة الحياة والموت، لنبدأ في دفن موتانا الجُدد، مما خففَ قليلا من المأساة.
أثناء ذلك لم تغب عظامنا عن تفكيرنا، بعضنا لم يتوقف عن التذكير بأن قضية عودة العظام إلى قبورها لا تقل قيمة ولا معنى عن عودة اللاجئين إلى أرضهم، وبالأمس سألتني أمي بوجه مكروب: "هل تترك عظام أبيك؟".. في نفس الوقت ظهرت أصوات تتكلم عن الأمر الواقع: "علينا أن نهتم بمقابرنا المُجَدَّدَة، ونكف عن الانشغال بما كان".
وسط كل ذلك كان لعظامنا شأن آخر، عادت سيرتها تأكل أدمغتنا، عبر أخبار متفرقة:
أنباء من هناك تقول إن كائنات غريبة تمكّنت من اختراق مخازن الإمداد والتموين.
ما يُشبه بقايا بشرية تسللت إلى مقرّات سريّة وأتلَفَت أنظمة التحكُم عن بُعد.
مشاهدة أجسام طائرة، على شكل جماجم آدمية، تحوم فوق معسكر الوحدات الخاصة؛ مما أحدثَ حالة من الذعر والفوضى..
**
ليس حُلما هذه المرة ما تراه بعينيك..
جميعكم، في أول النهار المُشعشِع، تبصرون المقابر عامرة بالعظام، وبعضها مملوءة بهياكل كاملة. متى عادوا؟ تنظرون وتستعجبون.. تقريبا لا تنقص عظمة واحدة.
تُغمض عينيكَ بعد سماع ما رواه شيخ موثوق بحكمته: "في آخر الليل، وقت الفجر والندى يُرطّب الكون؛ رأيتُ العظام عائدة بهيئة عجيبة، كانوا يسيرون اثنين اثنين، في تقارب هامس مثل العُشاق، باتجاه القبور المفتوحة".




حسام المقدم
* (من المجموعة القصصية "ما يُشبه الظل"، الصادرة عن بيت الحكمة)

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...