حسَن الرّحيبي - رَمضَان في طفولتنا المبكّرة

كان جوّ رمضَان في مَاضينا الطّفولي بسيطاً للغاية . تُفكّر المرحُومَة " مَامّا" عَمّتي في زرع بعض مكوّنات ولوَازم الحريرة الرّئيسية : الرّبيع أو القزبر . قبل شهرَين من حُلوله آنذاك في أواخر الخمسينات في فصل الرّبيع . كي تكونَ في استقلال تامّ عن تجاذبات السوق وتقلّباتها ses vicissitudes وما تفرضه من أسعار واحتكارات . كانت في ذلك الزمان بسيطة بل تافهة . ولكنّ التفكير الاستراتيجي للقدماء الذين خبروا المجاعات والخصاص والجفاف ، وكلّ أشكال البؤس والمُعاناة . لا يتركونَ كبيرةً ولا صَغيرة إلّا فكّروا فيها بدقّة ، كي لا يتركوا للصّدف والمفاجآت أي ثغرة تجعلهم يُعانون من جديد أو يلجأون للجيران لطلب أشياء تافهة تجعلهم ينظرون إليهم باحتقار وإزدراء وقيل وقال . بعد ذلك تشتري لوازم أخرى خاصة التوابل ، وعلى رأسها القرفَة والقهوة تخلطها بالشعير والحُمّص بحثاً عن الكمّ la quantité وليس الكيف la qualité لأنها أمام جيش من الأطفال لا يريد أن يتذوق أو يستمتع ، بل فقط ملء البطن أو ما أصبحنا نُسميه فيما بعد ب" التّغلاق" بدل الذواقيين والعُشُّاق ! كانت أدوات القهوة والحَريرة بسيطة : حمّاس طيني كبير الحجم . ومقراش مليء بالماء السّاخن يُشتمّ منه رائحة شبيهة بالقهوة أو أي شيء محمّص torrifié ومحروق . تُجبرنا الظّروف على اعتباره قهوة تجاوزاً وتصَوّراً وتخيّلاً وافتراضاً ( زعمكينيّة) ! عندما يقتربُ المساء نتهافتُ على الكانون العشوائي في انتظار طلَب خدمتنا الضّرورية لمعرفة طعم الحريرة : مالحة أم مسّوسَة ؟ إذ لا يستطيعُ أحدٌ في تلك الظروف تذوق المأكولات . فالكلّ صَائم إلّا الأطفال . حينئذ يُصبح رأيُنا ضرورياً بل مطلوباً بإلحاح . طبعاً لا يمكنُ تقديم خبرتنا المُهمّة بثمن رخيص brader ، بل نتريّث ونتدلّل للحصول على قيمة معنوية نفتقدها وقت الإفطار . حين يُقدمون لنا شيئاً من الحريرة في إناء . نشربه بحكمة . وننتظر سريانه في عروقنا قبل إبداء رأي ما . غالباً ما يكون غامضاً لزيادة أهميتنا وأيضاً لاستزادة كمّ من الحريرة قبل بلوغ الحقيقة الضّائعة في أفواه الأطفال والمجانين ! لما تجنح الشمس للغروب نبدأُ في تقليد المؤذّن : كلّ منّا يُؤذّن على كيفه وهواه . إناثاً وذكوراً كلّ يجربُ صوته وحظّه : الله أكبر ! حتى الصغار المبتدئين في الحياة ورطانة اللغة يحشرون أنوفهم في شرع الله : الّلللّللللّله أكبَلْ ! عيّنَ الفلاح ! نتّجهُ بنظرنا نحو منزل المؤذّنين الّذين ورثوا المهنة عن أبيهم سي عبّاس . يصعَدُ السي عبد السّلام فوق سطح منزله . نراهُ عن بُعد يطوفُ بتأنّ وتُؤدَة . وهو يختالُ ويتبختر غير مستعجل ، بينما نحن نتقطّع جوعاً منتظرينَ بفارغ الصّبر كلمة السرّ التي يطول انتظارها لشدة إلحاح الجوع ولهفة الأكل . يُفسّر آباؤنا هذه اللّهفة تفسيراً ميتافيزيقياً غريباً : يجتمعُ في غير الصّائمين جوع كلّ الصّائمين ، دون تمييز في ذلك بين المرضىٰ والأطفال ، وحتّى جوع المُغرُف اللّي تحَرّك ما تّاكُل ! الكلّ متّهمٌ بالإفطار المحرّم والمُجازىٰ عليه بنار جهنّم . مما جعلنا إلى اليوم نشعر بإحساس أبَدي بالذّنب un sentiment de culpabilité يجعلنا دائماً في تساؤل وُجودي : هل سنذهبُ للحارة أي جهنّم ؟ أم إلى الجنّة ؟ مع العلم أنّ الحارَة في مفهوم الأطفال يختلفُ عنهُ عند الكبار إذ لا يعدو أن يكونَ مقام الجذمىٰ المعزول عن السّكّان !
بينما نحسد نحن اولاد سّي عبسلام لأننا نتخيّله يمتلك سلطة قهرية يجعل بواسطتها أسرته تُفطر قبلنا ولو ببضع ثوان ، إذ نتصَوّره قبل الشّروع بالأذان يقول كلّ مساء :
وا فَطري آرقَيّة !

حسَن الرّحيبي..

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...