رشيد طلبي - مقترح التحليل النصي لقصيدة النثر... نحو مقترح للتحليل النصِّي

وإذا كانت قصيدة النثر قد تجاوزت هذه الإشكالات، حيث حقَّقت تراكماً كمِّيّاً، فإنها انفتحت على مرحلة جديدة للتحقُّق من تحوُّلاتها النوعية، باعتماد نظريّات ومناهج ما بعد البنيوية، مثل السيميائيّات والأسلوبية وجماليّات التلقّي بما يتناسب مع أعراف القراءة الخاصّة بالنصوص الحداثية، وتغيُّراتها الشكلية والمضمونية؛ وبهذا يستطيع النقد تجاوز حجاب التلقّي، ومساعدة القارئ على إنجاز عمليّة تلقٍّ واعية، استناداً إلى بعض المعايير المقترحة والتي تمَّ تدعيمها بجانب تطبيقي على نماذج شعرية متنوِّعة.

ورغم زئبقية النصّ الشعري، إن مسألة اقتراح معايير لتحليل نصوص قصيدة النثر، تضع النقد في مأزق حقيقي؛ خاصّةً في أفق العلاقة بين الذات والموضوع، التي يحاول أن يرتقي بها إلى درجة من الصرامة العلمية والضبط المنهجي، في أفق التوصُّل إلى نتائج موضوعية، تتناسب مع طبيعتها ورهاناتها الوجودية، والجمالية، محاولاً إقامة قطيعة شبه نهائية مع القراءات الشعرية السابقة.

لكن المعايير المقترحة من قِبَل «حاتم الصكر»، بخصوص «قصيدة النثر»؛ تتجاوز الكشف عن الجوانب الجمالية الفنّيّة شأن المناهج الانطباعية، أو إبراز المعاني والموضوعات شأن المناهج خارج نصِّية، بل يرمي -من خلالها- إلى عملية إنجاز فعل القراءة، انطلاقاً من مرجعية إبستيمولوجية تتمثَّل في مفهوم «المحرِّك الظاهراتي»(14) الذي من شأنه أن يمنح الذات القارئة وظيفة الكشف عن تشكُّلات النصّ، ووضعاً موضوعياً مستقلّاً خارج المعنى النهائي والوحيد المفروض على المتلقّي…

لقد حاول حاتم الصكر أن يأتي بالجديد في مقدِّمته النظرية حول «قصيدة النثر» العربيّة، على مستوى نقطيتَيْن أساسيَّتَيْن؛ تتجلّى النقطة الأولى في العمل على تغيير نظرتنا إلى قصيدة النثر، أو -على الأقلّ- تغيير زاوية النظر، من خلال التحرُّر من التقليدانية التي زجَّت بالنقد في مثالب التسمية والمشروعية، عوض النظر في جوهرها ومهمّاتها الوجودية، والجمالية. أمّا النقطة الثانية، فتتمثَّل في تجاوز المعايير النمطية التي دأب عليها النقد في تعامله مع النصوص الشعرية، نحو معايير، من شأنها رفع حجاب التلقّي.

وإذا كان مُوفَّقاً في التمهيد، لهذه المعايير، بمهاد نظري يبيِّن وظيفة النقد الجديد تجاه قصيدة النثر، فإنه لم يولِ اهتماماً كافياً بالمعايير التي من خلالها يمكن -مباشرةً- تحليل النصّ الشعري، حيث لم يفصح عن الخلفيّات النظرية التي تؤطِّر هذه المعايير بشكل واضح، بقدر ما استدعى بعضها، باقتضاب شديد، مع العلم أنه ينطلق من منطلق «ظاهراتي»، وهذا ما يُفهَم من إفادته: «بل نتوخّى إنجاز فعل قراءة للنصّ ذي محرِّك ظاهراتي يعطي للذات شأناً كبيراً في تشكيل النصّ الذي تنتفي جدوى وجوده الموضوعي المستقلّ الذي يفرض على قارئه معنًى نهائياً واحداً»(15).

وبذلك، حصل لديه بعض الخلط على مستوى بعض النظريات التي لم يتمّ تمحيصها على المستوى النظري وبيان مدى ملاءمتها مع قصيدة النثر؛ حيث جمع بين البنيوية عند «لوسيان كولدمان» والسيميائيات الأسلوبية عند «مايكل ريفاتير». وبالتدقيق في بعض المعايير المقترحة، نجده قد جمع بين نظريَّتَيْن هما: «النظرية الدلالية» و»نظرية السياق»، لكن هذه الأخيرة قد استُنفِذت من قبل نقّاد الشعر الحديث(16)، علاوةً على عدم استحضاره لبنية الخطاب الشعري، خاصّةً البنية الإيقاعية التي لم يلغِها ريفاتير نفسه، بل اعتبرها تتواشج مع الجانب الدلالي. كما أنه تحدَّث عن «حجاب التلقّي» والمهمّة الجمالية التي أصبحت منوطة بها، ولم يتطرَّق إلى نظرية جمالية التلقّي والمفاهيم المسعفة لها في القراءة، كما جاء بها كلّ من «هانس روبرت ياوس» و»وولفغانغ إيزر»؛ وهذا ما يستدعي إعادة النظر في إحداث الانسجام بين أقانيم ثلاثة هي: الخلفية النظرية/ المعرفية، ومعايير التحليل، والمنهج المعتمد، مع العلم أنه يمكن أن نتجاوز المنهج الواحد نحو مناهج متعدِّدة، من شأنها التعامل مع التطوُّرات والتحوُّلات الأسلوبية التي خلقت نصوصاً مختلفة في طبيعة كتابتها، لأننا لم نعد نتعامل مع نصوص موحَّدة، كلّها ضمن «قصيدة النثر».

لقد توفَّق «د. حاتم الصكر» في مقدِّمته النظرية، إلى حَدّ كبير، وذلك لبناء وعي نقدي جديد قادر على تجاوز حواجز التسمية والمشروعية، أو ما له علاقة بالنظرة النقدية التقليدية تجاه الشعر، عموماً؛ حيث نبَّه إلى النظر في جوهر «قصيدة النثر» سواء على مستوى بنية خطابها الشعري أو مهمّاتها الوجودية، والجمالية، في أفق رفع «حجاب التلقّي».

وبخصوص المعايير المقترحة في تحليل النصّ الشعري، يحتاج الأمر إلى مزيد من البحث والمدارسة؛ سواء على مستوى الخلفيات النظرية والمعرفية المتناسبة مع السياق ما بعد حداثي، أو على مستوى المناهج المسعفة في قراءة نصوص «قصيدة النثر»، وذلك بوضع شروط قادرة على تحقيق شرط الصرامة العلمية عوض إطلاق العنان لذات الناقد، من خلال ما سمّاه «حاتم الصكر» «المحرِّك الظاهراتي»، مخافة الوقوع في الانطباعية التي عانى منها النقد، منذ سنوات خلت.

هذا بالإضافة إلى أن تطبيق مثل تلك المعايير المقترحة لا ينبغي ربطها بأسماء الشعراء، بل تبعاً لأنموذج الكتابة أو الاتِّجاه أو الأسلوب؛ للتوصُّل إلى نتائج عامّة وموضوعية رهينة بطبيعة النصوص المدروسة المنضوية تحت «قصيدة النثر» باختلاف شعرائها، مادمنا قد انتقلنا، بحسب تعبيره،من مفهوم «أجيال الشعراء» إلى مفهوم «أجيال الشعر».

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...