حسن الرّحيبي - الخُبز المقدّس.. بفرنسَا أيضاً...

هم مثلنا بفرنسَا يقدّسُون الخبز ، أو صَفحة من القرآن الكريم .. وعندما يعثر أحدهم على دُغمة خبز مُلقاة على الطريق ، يتقدمون نحوها بخطى ثابتة ، ينحنون ويأخذونها بكل احترَام جدير بقدسيتها التّاريخية والثقافية ، يضَعونها على شفاههم يَحُبّونها بحرَارة ثم يذهبون بها لمكان قصي ، بعيد عن أقدام المارّة العفنة ، كما بالصّورة .. ربما وضَعها شي مغربي أو إفريقي شاخرة فيه ظروف المجاعات الصّعبة فامتزج بدمه وعروقه وأوصَاله الإحساس بعظمة الخبز وحيويته مهما كان ضَئيلاً، ممّا يستوجب عدم احتقاره أو امتهانه إذ يمكن أن تلحݣ عليه أو تشدَاݣيه(تشتاق إليه وقت الحَزّة)، لذلك كانت المَرحومة مامّا عَمّتي تعتقد أن السّوَاد الذي يظهر على سطح القمر، هو شبح لامرأة سوداء (خادم) تمدّ يدها لابنها في حركة أزلية ، لأنها كانت امرأة حقيقية عَاشت في زمن غابر، تعمل بقصر أغنياء خرَافيين بثراء فاحش.. يَتوفر لهم كل شيء فوق حاجتهم بكثير، يثني ويثَنّي، مما جعلها لا تولي أي اهتمام ، ولا تعطي أية قيمة للخبز ، فأصبحت تستعمله لتنظيف مؤخّرة ابنها، مما جعل الاجوَاد مَا يكونوش من العاݣزين ، ويمسخون صُورتها ويشيّروا بها هي وابنها المدلل نحو القمر، لتصبح عبرةً أزلية، ودرساً أبدياً لمن لاَ يعرف قيمة الخبز ، ولا يحترمه بإجلال ، ولا يتّقي غدر الزمن ودورته الشّيطانية، التي تغير الأحوَال، وتجعل العزيز ذليلاً ، والغني جائعاّ مسغباً.. بين عشية وضُحاها.. وقديماً قال سيدي عبدالرّحمان المجذوب ، الذي كلامه ما فيه كذوب.. والذي عايش زماناً كان المجاذيب فيه يخطفون الصّابون البلدي من حوَانيت العطارين، ويلتهمونه بدون رحمة، لقساوة الوقت .. بل أكل الناس أبناءهم وأقاربهم ، واستعملوا مخاطيف على سطوح المنازل يخطفون بها المارة ، بمن فيهم الوزير وبغلته السمينة من دون شفَقة :

(الخُبز هُو الخُبز
والخُبز هُو الاِفَادَة
لو ما كان الخُبز
ما تكون لا صلَا ولا عبادَة!)

حسَن الرّحيبي
من قلب مَدينة تُور .. فرنسَا

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...