في زاوية من شقتي التي دمرها قـ.صف إسرائيلي، كانت تقف مكتبة صغيرة بحجمها، عظيمة بمحتواها. لم تكن مجرد رفوف تحمل كتباً، بل كانت عالماً خاصاً نسجته بسنوات عمري، كتاباً فوق كتاب، وحلماً فوق حلم. كانت مكتبتي خزانة أفكاري، ومرآة ذكرياتي، وصديقة وحدتي. بين دفتيها، وُلدت أفكاري، وتشكلت رؤاي، وتعمقت جذوري في عالم المعرفة.
كانت هذه المكتبة حصاد شغفي بالقراءة. كل كتاب فيها يحمل قصة تلامس شغاف قلبي: كتاب أهدانيه شيخي في المسجد، وآخر جاءني هدية من صديق يعرف ولعي بالكلمات، وكتاب نفيس أهدتني إياه زوجتي الحبيبة، طيب الله ثراها. أما البقية، فكانت ثمرة اجتهادي؛ اشتريتها من مصروفي البسيط، مقتطعاً من حاجاتي اليومية، لأروي عطش عقلي.
كنت أحلم أن تصبح مكتبتي ملاذاً ضخماً يحتوي على أمهات الكتب، فأخطط وأجمع وأضيف. ومع الوقت، تنوعت الكتب بين الدين والأدب والتاريخ والعلوم، حتى صارت المكتبة وطني الصغير، حيث أجالس كبار العلماء وأتبادل الأفكار مع الأدباء والفلاسفة.
لطالما كنت أجد في عزلتي معها ملاذاً من صخب الحياة. كانت المكتبة مساحةً تعلو فوق الزمان والمكان، حيث يذوب الوقت وأنا أغوص بين صفحات الكتب. كنت أعيد ترتيبها بعناية بين الحين والآخر، أضع كل كتاب في موضعه، كأنني أرتب حياة كاملة. الكتب القديمة كانت لها معزة خاصة؛ كنت أستمتع بإعادة تجليدها، وأتأمل صفحاتها المتعبة كأنني ألمس تاريخاً نابضاً بالحياة.
لكن كل هذا تبعثر ذات ليلة حالكة، حين سقطت قذيفة لتدمر بيتي وتقتل حلمي. رأيت مكتبتي الحبيبة تنثر أوراقها في الهواء، كأنها أرواح مغادرة. بعض الكتب احترق، وبعضها مزقته شظايا القصف، وما تبقى كان أشبه بجسد مشوه. شعرت حينها أنني فقدت جزءاً من روحي، كأنني أضعت ذاكرتي التي كانت مطوية بين دفتي الكتب.
ما آلمني أكثر من فقدان البيت هو أن تضيع تلك المكتبة التي قضيت عمري أبنيها. لم تكن مجرد كتب، بل كانت نبض حياتي. الله وحده يعلم وجعي لفقدها، ولا يشعر بهذا الألم إلا من عاش بين الكتب، ومن ذاق لذة القراءة واكتشاف العوالم الخفية بين السطور.
ذهبت المكتبة، ومعها ذكريات خالدة لا تعوض. أنا ابن الكتاب، الذي لا يمر عليه يوم دون أن يفتح كتاباً. بالنسبة لي، القراءة ليست هواية، بل هي حياة. إنها غذاء الروح، ونور العقل، ونافذة تنفتح منها على آفاق لا متناهية. أحياناً أتساءل: كيف يمكن للحياة أن تكون بلا كتب؟ كيف يمكن للعالم أن يحيا دون صفحات تخط فيها الأفكار والقصص؟
أتذكر مقولة بورخيس: "الجنة مكتبة." وأنا كنت أعيش في جنّتي الصغيرة. علاقتي بالكتب كانت علاقة عشق وهيام، لا تعرف الفتور ولا الانقطاع. الآن، وأنا أكتب هذه الكلمات، أعد نفسي أن أبدأ من جديد. حتى لو بدأت بكتاب واحد، سأعيد بناء مكتبتي.
كل بيت بلا كتاب هو بيت فقير، ولو كان مملوءاً بالذهب. المكتبة ليست رفوفاً للتزيين، بل هي أرواح تحيا بيننا، عقول تخاطب عقولنا، وأفكار تأخذنا إلى عوالم لم نزرها من قبل. حتى الكتب التي قد تبدو تافهة، لها درسها؛ فهي تعلمك قيمة الكتب العظيمة وتفتح عينيك على الفارق بين السطحية والعمق.
السلام على كتبي التي ذهبت، وأخذت معها أجمل أوقاتي وأغلى ذكرياتي. كانت كريمة معي، تمنحني الكثير، وأنا أعطيها القليل. لم تشتكِ، ولم تطلب شيئاً، بل كانت تضيء لي الطريق دون مقابل.
عمر نوفل
كانت هذه المكتبة حصاد شغفي بالقراءة. كل كتاب فيها يحمل قصة تلامس شغاف قلبي: كتاب أهدانيه شيخي في المسجد، وآخر جاءني هدية من صديق يعرف ولعي بالكلمات، وكتاب نفيس أهدتني إياه زوجتي الحبيبة، طيب الله ثراها. أما البقية، فكانت ثمرة اجتهادي؛ اشتريتها من مصروفي البسيط، مقتطعاً من حاجاتي اليومية، لأروي عطش عقلي.
كنت أحلم أن تصبح مكتبتي ملاذاً ضخماً يحتوي على أمهات الكتب، فأخطط وأجمع وأضيف. ومع الوقت، تنوعت الكتب بين الدين والأدب والتاريخ والعلوم، حتى صارت المكتبة وطني الصغير، حيث أجالس كبار العلماء وأتبادل الأفكار مع الأدباء والفلاسفة.
لطالما كنت أجد في عزلتي معها ملاذاً من صخب الحياة. كانت المكتبة مساحةً تعلو فوق الزمان والمكان، حيث يذوب الوقت وأنا أغوص بين صفحات الكتب. كنت أعيد ترتيبها بعناية بين الحين والآخر، أضع كل كتاب في موضعه، كأنني أرتب حياة كاملة. الكتب القديمة كانت لها معزة خاصة؛ كنت أستمتع بإعادة تجليدها، وأتأمل صفحاتها المتعبة كأنني ألمس تاريخاً نابضاً بالحياة.
لكن كل هذا تبعثر ذات ليلة حالكة، حين سقطت قذيفة لتدمر بيتي وتقتل حلمي. رأيت مكتبتي الحبيبة تنثر أوراقها في الهواء، كأنها أرواح مغادرة. بعض الكتب احترق، وبعضها مزقته شظايا القصف، وما تبقى كان أشبه بجسد مشوه. شعرت حينها أنني فقدت جزءاً من روحي، كأنني أضعت ذاكرتي التي كانت مطوية بين دفتي الكتب.
ما آلمني أكثر من فقدان البيت هو أن تضيع تلك المكتبة التي قضيت عمري أبنيها. لم تكن مجرد كتب، بل كانت نبض حياتي. الله وحده يعلم وجعي لفقدها، ولا يشعر بهذا الألم إلا من عاش بين الكتب، ومن ذاق لذة القراءة واكتشاف العوالم الخفية بين السطور.
ذهبت المكتبة، ومعها ذكريات خالدة لا تعوض. أنا ابن الكتاب، الذي لا يمر عليه يوم دون أن يفتح كتاباً. بالنسبة لي، القراءة ليست هواية، بل هي حياة. إنها غذاء الروح، ونور العقل، ونافذة تنفتح منها على آفاق لا متناهية. أحياناً أتساءل: كيف يمكن للحياة أن تكون بلا كتب؟ كيف يمكن للعالم أن يحيا دون صفحات تخط فيها الأفكار والقصص؟
أتذكر مقولة بورخيس: "الجنة مكتبة." وأنا كنت أعيش في جنّتي الصغيرة. علاقتي بالكتب كانت علاقة عشق وهيام، لا تعرف الفتور ولا الانقطاع. الآن، وأنا أكتب هذه الكلمات، أعد نفسي أن أبدأ من جديد. حتى لو بدأت بكتاب واحد، سأعيد بناء مكتبتي.
كل بيت بلا كتاب هو بيت فقير، ولو كان مملوءاً بالذهب. المكتبة ليست رفوفاً للتزيين، بل هي أرواح تحيا بيننا، عقول تخاطب عقولنا، وأفكار تأخذنا إلى عوالم لم نزرها من قبل. حتى الكتب التي قد تبدو تافهة، لها درسها؛ فهي تعلمك قيمة الكتب العظيمة وتفتح عينيك على الفارق بين السطحية والعمق.
السلام على كتبي التي ذهبت، وأخذت معها أجمل أوقاتي وأغلى ذكرياتي. كانت كريمة معي، تمنحني الكثير، وأنا أعطيها القليل. لم تشتكِ، ولم تطلب شيئاً، بل كانت تضيء لي الطريق دون مقابل.
عمر نوفل