محمد البساطي - الابن...

سكينة في قعدتها على المصطبة، والولدان كعادتهما، الصغير يضع رأسه على فخذها ويمد جسده الضامر، يحاول أن يستعيد النوم، يرجع للبيت بجروح فى ساقيه ولا يقول، تكتشفها صدفة، بعضها انتفخ بالصديد، تضغطها لتصفيها ثم تربطها .
الكبير يقرفص جنب الباب يتجنّب النظر إليها، والنهار لا يأتى حتى تمضى لتبحث عن رغيفين النسوة فى البيوت لا يتركن الفرشة قبل طلعة الشمس كل الرجال خرجوا بدرى عندهم أشغالهم زوجها من دونهم قاعد على طرف المصطبة وعود القش فى فمه، يلتقطه من الفرشة قبل أن يغادرها يقلّب القش تحته حتى يجد عودًا على مزاجه، ولا يسوّى الفرشة بعدها .
شهر كامل يزيد أو ينقص يومين وهو في قعدته، يخرج ساعة المغرب ويرجع عند منتصف الليل، بعد أن يكون الجميع عادوا إلى بيوتهم. تحس به يفتش عمّا يأكله، يتبقى له عادة رغيف ممّا استلفته بالنهار، الولدان رغم تحذيراتها ينتهزان ابتعادها عن البيت لسبب ما وينزلان قفص الجريد المعلّق ويأتيان على رغيفين أو ثلاثة لا يبقيان غير واحد لأبيهما،
يقولان لها وهي ترميهما بالطوب
– ما واحد كفاية عليه. هو يعنى كان بيشتغل .

وقالها الولدان.
آخر مرة اشتغل كان بالمقهى على النهر وأيامها قالت:
– خير
شتموا أمه وسكت والثانية وسكت الثالثة ردّ الشتمة وانهالوا عليه بالضرب حتى صاحب المقهى شاركهم، ورموا به خارج الكراسي، إصاباته كثيرة، أوّل ما قاله عند عودته:
– بس الجلابية سليمة . ولا قطع واحد .
في قعدتها ترمى بنظرها إلى البيت الكبير وتتحسّر على أيامه مغلق وساكن كالخرابة، ومن يرعاه؟ واجهته لطخها الوسخ، الخلاء حوله امتلأ بكل ما تقذف به الريح. يقول ولدها الصغير حين يراها تطيل النظر إلى البيت :
– ومالك زعلانة. كفاية شفنا يومين كويسين هناك. يمكن ييجى بيت غيره.
يفاجئها الولد بكلام لا تعرف من أين يأتى به.
هذه المرة طال بقاء زغلول فى البيت، استلفت فيها العيش ثلاث مرات من كل من تعرفهنّ بالحارة ولم تردّ الدين بعد، وتخشى لو ذهبت إليهن مرة رابعة يجدن الدين يصبح كبيرًا لا تستطيع سداده فيختلقن أعذارًا يوجعها سماعها، ربما لو أرسلت الولد الكبير إلى فرن عبّاس؟ عيش ميرى وماله جاء به مرتين من قبل.
– آهو . طعمه عيش بس لو يقدر يجيب.
سموه بالميرى حين رأوا أقسام الشرطة في البلدة والبلاد المجاورة ترسل عرباتها إلى الفرن لتشترى كميّات كبيرة منه للعسكر والمساجين.

عيناها على ،زاهر كان منحنيا ينفخ فى يديه المنقبضتين بين ركبتيه. توقف عن النفخ، لم يلتفت إليها.
زحف على مقعدته حتى نهاية المصطبة، ثم نفض جلبابه ومضى.
– فهم من غير ما أقول له..
فرن عبّاس، ومتى اكتشفه ؟ يمرّ به دون أن يلتفت إليه . هى رائحة لا العيش الوقت كان مبكرًا ، يمشى كعادته وعيناه فى الأرض، وشم الرائحة قويّة نفاذة، والتفت رأى أرغفة العيش الخارجة لتوها من الفرن مرصوصة على طاولات خشبيّة بالمدخل تنتظر من يحملها، الأرغفة منتفخة ووجهها داكن قليلاً، به نقرات محترقة، هي فقاعات صغيرة ظهرت مع بداية انتفاخ الرغيف ونالها اللهب شاهدها أكثر من مرة حين كان يقبع قرب فوّهة الفرن بجوار أمه فى أيّام خبيزها عادة ما يكون وجه الرغيف هشا، تذوب اللقمة منه سريعًا فى فمه.

هو واقف يحدق فى المدخل بعتمته الخفيفة، ولمح طاولة منزوية فوقها كومة من كسر العيش ما تخلف من الخبيز، رآه عندما اقترب وقد خطر ربما استطاع أن يأخذ القليل منه ولن يرفض صاحب الفرن، أرغفة معوجة وأخرى احترق جانب منها الكسر كثيرة، أرغفة تسقط أثناء إخراجها من الفرن أو نقلها إلى الطاولات، مدّ يده وتناول لقمة، وجاء صوت من الداخل المعتم:
– خد لو عايز.
الفرن مطفأ ، وعبده الفرّان – كما عرف اسمه بعدها – يزيح بمقشة طويلة ما تناثر أمام الفرن من قطع خشب وحطب.
– تعال اكنس الفرن واملأ حجرك.

دخل زاهر. فوجئ بالرجل الذى لم يره من قبل قصيراً محنى الظهر لحست النار ذراعه وجانبًا من رقبته وحلمة أذنه وأخلفت جلدا ميتًا. كان واقفًا أمام فوّهة الفرن بسروال طويل ،وصديرى سحب جلبابا وترك المقشة لزاهر، وقعد بالمدخل يدخن سيجارة.
انتهى زاهر سريعًا، ووقف جنب طاولة العيش الكسر ،منتظرا، رمقه عبده الفران وقال:
– خد على قد ما تقدر.
ونهض ليساعده، فتح زاهر حجره على سعته، وغرف الرجل بكفيه مرات وزاهر قال
– كفاية كده على الآخر.
لا يستطيع أن يغلق حجره، وهرول خارجًا. المرّة الأولى التى يأخذ عيشا إلى البيت، فهم منذ يوم ونصف لم يأكلوا شيئًا وأمه؟ حين تراه وحجره ممتلئ؟
كانوا في قعدتهم على المصطبة. وقف أمامهم لاهثًا، ثم فتح حجره فجأة. أمه صاحت وقفزت، سحبته من كتفه إلى داخل البيت، وأبوه وأخوه جاءا وراءهما .
أنزلت أمه قفص الجريد، وأفرغت حجره داخله:
كل ده كل ده منين؟
– من فرن عباس.
– فرن عبّاس؟ ورضى يديك؟
– عبده الفران هناك. قال لى أكنس الفرن واملأ حجرك.
– وكنسته ؟
آه. بالمقشة الطويلة.
أخذت قضمة من العيش وقفوا يحدّقون إليها منتظرين ما تقول.
– والنبى طعمه حلو.
أبوه لم يقل كلمة، غير أن وجهه كان ،راضيًا، وجاءت أمه ببصلتين كانت تخفيهما ليوم يكون فيه طبيخ، كسرهما أبوه بين كفّيه، وتحلّقوا حول القفص، يومها أكلوا حتى الشبع، وبقى القليل في القفص، وكان راضيًا يكتم زهوه وهو يرى عيشه معلقا فى السقف. ويومها أيضًا لبس أبوه جلبابه وخرج، وأمه تبعته بعينيها وقالت:
– ربنا يهدى ويفتحها فى وشه
– اشتغل يومها عند نجار سواقى لنا
قال زاهر لصاحبه عبد الله وكانا يمشيان على شاطئ النهر:
– عبده الفرّان ده حدوته، وعنده شويّة حكايات. يصدف أخدك الفرن وتسمعه.
– حكايات إيه؟
– أقول لك .
وحكى زاهر
قال إنّه جاء البلد من سنتين. شاف بلاد كثيرة، لا يبقى في البلد الواحد أكثر من ثلاث أو أربع سنين ويزهق وأسأله
– تزهق من البلد ولا من ناسها؟
– ولا من البلد ولا من ناسها، كلهم شبه بعض فى أى مكان أروحه . أبقى عايز أمشى وخلاص.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...