القلم والرماد

هناك.. ترقد أعينهم خلف صفحةٍ من كتاب الأمس.. بين نظراتٍ حزينة تشبه الغروب.. وأمنياتٍ تشبه أصواتنا التي يلتهمها الفراغ.. يفصلنا حاجزٌ من زجاج.. أراه لكنني أعجز عن لمسه.. أخطو إليه وأنا في مكاني.. أعبره لكي أصل إلى نفسي.. بعضي لا زال معي وجل ما تبقى مني رحل معهم.. أعيش بين أشلائي أكثر من زمن.. فيما كل زمنٍ يخاصم الآخر.. لا لغة تجمعهم ولا نغمة.. لنا ذات الكلمات لكن مشاعرنا شتى.. كوجهٍ ينظر في مرآةٍ مكسورة..

الجرح في القلب والروح تجوع إلى قاتلها.. تحج إلى خنجره.. إلى شيءٍ من الحقيقة وسط غاباتٍ من الوهم.. تركض عاريةً في الظلام بين أشجارها.. تختبأ وراء أغصانها خوفاً من المجهول.. فأرى وجوههم.. أشعر وجودهم.. إنهم هنا.. لم يرحلوا يوماً.. لم يخرجوا مني.. لم يسلبوني ظلي الذي أبحث عنه.. لأختبأ فيه.. ألتحم به.. أطفو معه على ظهر لحنٍ لا يخالجه نشاز.. في مساحةٍ ضيقةٍ بين السماء والأرض.. لا تزورها الشمس ولا تبرحها الغيوم.. تبللني يد المطر.. يصفعني وجع الإنتظار.. وأغرق بين الممكن والمستحيل.. حيث لا تتعاقب الفصول وتذبل المشاعر في صدور أصحابها.. ولا يبقى لها سوى صورٍ مبعثرة لطفولتها البعيدة.. وشبابها الذي التهمته الوحدة كقناديل الليل.. يسمع عن الحب لكنه لا يراه..

لا أحد منا يملك نفسه في روايةٍ بلا أبطال.. كلنا هامش يبحث عن ضوء.. بعضنا يصدق البريق وبعضنا يتخطاه بحكمة.. ولا يبقى من الرحلة سوى بضعة كلمات.. تذكرنا بمن (كنا).. تكتب للندم أغنيةً جديدة.. تكفي لإذابة جبلٍ من الشموع.. تذكرنا كم بكينا على أجنحةٍ لم تخلق لنا.. واخترنا خطانا عندما نادتنا الطيور.. نحن لا نعرف شيئًا.. لا نكتب شيئًا.. والقلم كذبةٌ كلفافة تبغ.. لا يبقى منه بعد احتراقه سوى بعضٌ من رماد..

#خالد_جهاد

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...