العيباري عبدالمجيد (شيخ الملحون) - التطفل على شعر الملحون وتشويه التراث الأدبي المغربي

يعد شعر الملحون من أرقى الفنون الأدبية المغربية التي تجسد الهوية الثقافية للمملكة، إذ يجمع بين الشعر والموسيقى والتعبير الشعبي العميق. وقد ظل هذا التراث محط اهتمام الدارسين والباحثين لعقود، نظرًا لقيمته الفنية والرمزية. غير أن هذا الفن الأصيل لم يسلم من التشويه والأخطاء الناجمة عن تحقيق غير دقيق، بل وأحيانًا عن تدخلات غير مسؤولة تمس جوهره.
ويُفترض أن يكون إصدار دواوين الملحون من قبل أكاديميات ومؤسسات علمية رسمية عملاً يخضع لمنهجية تحقيق صارمة، لكن الواقع يكشف عن وجود أخطاء قاتلة تمس المبنى والمعنى، كما هو الحال في ديوان الشيخ الجيلالي متيرد الذي أصدرته أكاديمية المملكة المغربية. فعلى سبيل المثال، نجد أن المطلع الصحيح لإحدى قصائده كما ورد في المخطوطات هو:
"حُبْ احْبيبْ الرّحْمانْ * خٓمّرْني يا لٓاخْوانْ
وٓسْقاني مٓنْ جٓرْيانْ * آمٓحْلٓاهْ ابْحٓرْ جونْ"
إلا أن الديوان الصادر عن الأكاديمية نشر البيت الأخير بطريقة محرفة، حيث كُتبت عبارة "بحر جون" (التي تعني البحر العميق) بشكل خاطئ على أنها "جرجون"، وهو ما يفقد البيت معناه تمامًا. وهذا النوع من الأخطاء لا يمكن تبريره بأنه مجرد زلة مطبعية، بل يعكس غياب التدقيق والتحقيق الجاد، وإلا فكيف يُفسر هذا التحريف؟
الأثر السلبي لهذه الأخطاء
هذه الأخطاء لا تقتصر على الجانب الشكلي فقط، بل تتعدى ذلك إلى تشويه المعنى وفقدان القيمة الجمالية للنصوص الأصلية. فالملحون ليس مجرد كلمات تُنقل بشكل آلي، بل هو منظومة إبداعية قائمة على الإيقاع والرمزية والدلالات العميقة. وأي تحريف في كلماته يفسد السياق ويقطع الصلة بين القارئ والجوهر الحقيقي للنص
والأسوأ من ذلك، أن مثل هذه الإصدارات، بسبب اعتمادها من جهات رسمية، قد أصبحت مرجعًا للأجيال القادمة، مما يؤدي إلى انتشار التحريف كحقيقة مثبتة، وهو ما يهدد التراث المغربي الأصيل
التطفل على تحقيق شعر الملحون
إن تحقيق شعر الملحون ليس مجرد عمل تقني أو لغوي، بل هو مسؤولية ثقافية تتطلب دراية واسعة بهذا الفن ومعجمه اللغوي وأوزانه وأساليبه، وهذا لا يتأتى إلا لمن يحفظ الكثير من القصائد ليكتسب معجمًا لغويًا ثريًا، ويُطور إحساسًا دقيقًا بالوزن، ويكتسب دراية عميقة في القياسات. إضافةً إلى ذلك، يجب أن يمتلك المحقق القدرة على قراءة المخطوطات الأصلية وتحليلها ضمن سياقها الثقافي والتاريخي الصحيح. ومع ذلك، نجد أن بعض الجهات والأفراد يقتحمون هذا المجال دون امتلاك الأدوات اللازمة، فينشرون أخطاءً جسيمة، مما يساهم في نشر نسخة مشوهة من تراثنا.
هذا النوع من التطفل لا يقتصر على التحريف في النصوص، بل يشمل أيضًا سرقة جهود الباحثين الحقيقيين، حيث يتم نقل المحتوى دون تحقيق علمي دقيق أو أدنى اجتهاد في فهمه. إن هذا يعكس تهاونًا في الحفاظ على الأمانة العلمية ويساهم في إضعاف التراث الأدبي
دعوة إلى التصحيح والحفاظ على التراث
في ظل هذه التجاوزات، أصبح من الضروري اتخاذ إجراءات حازمة لحماية شعر الملحون من التشويه، ومن بينها:
1. إعادة مراجعة ونقد الدواوين الصادرة عن المؤسسات الرسمية، وتصحيح الأخطاء التي تضمنتها وهي كثيرة ومتعددة
2. إشراك المتخصصين الحقيقيين في تحقيق النصوص، بدلًا من الاعتماد على أشخاص ليست لهم دراية كافية بهذا المجال.
3. توثيق النصوص وفق المخطوطات الأصلية، مع مقارنتها بمصادر متعددة قبل النشر
4. فضح الأخطاء والتجاوزات العلمية، وفتح نقاش جاد حول ضرورة الحفاظ على الأمانة العلمية في نشر تراثنا المغربي.
إن شعر الملحون ليس مجرد موروث فني، بل هو سجل تاريخي يحمل بين أبياته هوية الأمة المغربية وتقاليدها وأحاسيسها العميقة. والتعامل معه بسطحية أو إهمال يُعد مساسًا بهذا الإرث العظيم، وهو أمر لا يمكن السكوت عنه. فالتراث الأدبي هو مرآة الشعوب، وأي تلاعب أو تشويه فيه يُعد ضربًا لأسس الثقافة الوطنية ويهدد الهوية الثقافية بأسرها. لذا، يجب أن نحرص على حفظه، وصيانته، والعمل على نشره بما يليق به.














تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...