سيرة الطعام في التراث، سيرة قديمة ومتجددة، هي ليست فقط سيرة لتاريخ الطعام في حد ذاته، بل هي سيرة ممتدة لتاريخ المكان وجغرافيته، هي سيرة للمجتمع وطبيعته، وعن صورة الطعام في تراث الشعر العامي الساخر يحدثنا الناقد والشاعر محمد علي عزب في السطور التالية:
قال الشاعر والناقد محمد على العزب، إن صورة الطعام وأنواع المأكولات والولائم، كانت حاضرة في تراث الشعر العامي الساخر، ومن الشعراء الذين عًرِفوا بالمعالجة الساخرة لصورة الطعام في أشعارهم الشاعر والزجال علي بن سودون اليشغباوي" 810 ـ 868 هجرية / 1407 ـ 1463 م " علم بارز من أعلام الأدب الساخر فى مصر المملوكية، ومن أشعاره الساخرة قوله فى الحكمة والنصح:
اٍسمعوا للشيخ قرندل = من بلغ نزله و ثقّل
ياكل الرزّ المفلفل = وهو باللحم السمين
السماط لمّا يمدّون = اٍتركوا الأكل من الدون
واسمعوا نصح ابن سودون = تلتقوا الخير أجمعين
وتابع “عزب”: قدم ابن سودون هنا صورة هزلية لمقولات شعراء الحكمة والوعظ التى تتردد فيها أفعال الأمر والمفردات والتراكيب التى تعبّر عن الخبرة، وخلاصة التجربة فى خطابه لمن يأكلون فى الولائم ونصحهم بأن يتركوا الرخيص من الأطعمه الموضوعة أمامهم على السماط وأن يأكلوا الأنواع الفاخرة كاللحم السمين والأرز المفلفل، وقد كان هناك تقليد شعرى اتبعه بعض الشعراء وهو أن الشاعر كان يكتب وصيته شعرا لأهله طالبا منهم أن يدفنوه بعد موته فى مكان ما أو بجوار شخصّ، وكانت هذه الوصية تعبيرا شعريا عن شدّة وله وهيام روح الشاعر بذلك المكان أو الشخص أو الشئ، وقد جارى ابن سودون الشعراء فى ذلك وكتب هذه الوصية الطريفة فى نهاية أحد موشحاته الهبالية حيث قال:
يا أهيلي بعد موتى = كفنونى بالكنايف
اجعلوا السكر حنوطي = واعملوا البانيد لفايف
وانعشوني فى المنيفش = وادفنوني فى القطايف
وان دفنتو لى مويزات = مع عسل مصري تريري
وأشار “عزب” إلى أن ذكر ابن سودون فى هذه الوصية، أنواع الحلوى المعروفة فى عصره، ومن شدة تعلّقه بها طلب من أهله بعد موته أن يكفّنوه بالكنافة ويجعلوا السكر حنوطا له، ويلفونه بحلوى البانيد أو الفانيد وهى حلوى بيضاء ويصنعوا له نعشا من فطائر المنفوش ويدفنوه فى القطائف واٍن تكرموا يدفنوا معه الموز والعسل المصرى، ويقول ابن سودون عن بائع الحلوى للأطفال في نهار رمضان:
ورأيت فى الصوم قنيفد = من عجين وهو أُصَيّفَر
وهو مع بياع ينادى = الحلاوه يا صُغَيّر
فانغلبت انا كمنّى = جا الصيام وانا كُبَيّر
رأى ابن سودون بائع الحلوى ينادي في نهار رمضان على الأطفال في الحارة ويعرض عليهم شراء قطعة من الحلوى على شكل قنفذ أصفر، فشعر ابن سودون بالأسى لأنه ليس طفلا من مؤلاء الأطفال الذين يأكلون الحلوى في نهار رمضان.
ومن الطريف أن المصريين في العصر المملوكي كانوا يستحضرون صورة الطعام الذي يحبه الحاكم في نقدهم السياسي، ومن أمثلة ذلك أنهم أطلقوا على الأمير طشتمر حاكم القاهرة اسم "حمص أخضر" لأنه كان يحب أكل الحمص الأخضر، وألف أحد شعراء العامية هذا المربع الشعري في هجاء الأمير طشتمر سنة 743هجرية:
لمّا رجعت اٍلينا = من بعد ذا البعد والبين
خلناك تحنو علينا = يا حمص اخضر بقلبين 13
التورية اللفظية الطريفة فى كلمة قلبين حيث أن حبّة الحمّص تتكون من فلقتين أو جزئين تحت قشرتها سمّاهما الشاعر قلبين تندرا وسخرية من الأمير طشتمر، ولم يطلق ابن اٍياس تسمية "فن الواو" على هذا النوع من المربعات الشعرية وربما جاءت هذه التسمية فى وقت لاحق، وقد ورد هذا المربع في "بدائع الزهور في وقائع الدهور" للمؤرخ ابن اٍياس، ولم يصنّفه هو أو غيره من المؤرخين أو الباحثين على أنه مربع واو، وقمت بتصنيفه واعتبار أنه شاهد شعري على نشأة فن الواو في العصر المملوكي في كتابي "عن تحولات الشعر العامي بين التراث والمعاصرة".
ومن أشهر الشعراء المصريين الذين تحدثوا عن الطعام في شعرهم الساخر في العصر العثماني الشيخ عامر الأنبوطى الذى توفيَّ سنة 1173 هجرية / 1755م، وقد قال عنه الجبرتي في "عجائب الآثار في التراجم والأخبار" ج1 ص248: (الشيخ الصالح اللبيب الناظم الناثر عامر الأنبوطي شاعر مقلق هجاء لهيب شراره محرق، كان يأتي من بلده ليزور العلماء والأعيان، وكلما رأى قصيدة سائرة قلبها وزنا وقافية اٍلى الهزل والطبيخ، وكانوا يتحامون عن ذلك وكان الشيخ الشبراوي يكرمه ويكسبه ويقول له يا شيخ عامر لا تزفّر قصيدتي الفلانية وهذه جائزتك وكذلك الشيخ الحنفي.. ومن كلامه على وزن كلام ابن عروس:
أكلك من الضأن رطلين = يزيد قلبك نفاسه
وابعد عن الكشك يا زين = دا الأكل منه تعاسه
وأيضا:
يا طابخ الضأن اشتد = واغرف أوانى وسيعه
عامر أتى لك وله يد = فى الأكل دايما سريعه
وأيضا:
العدس والكشك والفول = الأكل منهم شماته
يصبّحوا الشاب مخبول = قطعوا الجميع بالثلاثه
قال الشاعر والناقد محمد على العزب، إن صورة الطعام وأنواع المأكولات والولائم، كانت حاضرة في تراث الشعر العامي الساخر، ومن الشعراء الذين عًرِفوا بالمعالجة الساخرة لصورة الطعام في أشعارهم الشاعر والزجال علي بن سودون اليشغباوي" 810 ـ 868 هجرية / 1407 ـ 1463 م " علم بارز من أعلام الأدب الساخر فى مصر المملوكية، ومن أشعاره الساخرة قوله فى الحكمة والنصح:
اٍسمعوا للشيخ قرندل = من بلغ نزله و ثقّل
ياكل الرزّ المفلفل = وهو باللحم السمين
السماط لمّا يمدّون = اٍتركوا الأكل من الدون
واسمعوا نصح ابن سودون = تلتقوا الخير أجمعين
وتابع “عزب”: قدم ابن سودون هنا صورة هزلية لمقولات شعراء الحكمة والوعظ التى تتردد فيها أفعال الأمر والمفردات والتراكيب التى تعبّر عن الخبرة، وخلاصة التجربة فى خطابه لمن يأكلون فى الولائم ونصحهم بأن يتركوا الرخيص من الأطعمه الموضوعة أمامهم على السماط وأن يأكلوا الأنواع الفاخرة كاللحم السمين والأرز المفلفل، وقد كان هناك تقليد شعرى اتبعه بعض الشعراء وهو أن الشاعر كان يكتب وصيته شعرا لأهله طالبا منهم أن يدفنوه بعد موته فى مكان ما أو بجوار شخصّ، وكانت هذه الوصية تعبيرا شعريا عن شدّة وله وهيام روح الشاعر بذلك المكان أو الشخص أو الشئ، وقد جارى ابن سودون الشعراء فى ذلك وكتب هذه الوصية الطريفة فى نهاية أحد موشحاته الهبالية حيث قال:
يا أهيلي بعد موتى = كفنونى بالكنايف
اجعلوا السكر حنوطي = واعملوا البانيد لفايف
وانعشوني فى المنيفش = وادفنوني فى القطايف
وان دفنتو لى مويزات = مع عسل مصري تريري
وأشار “عزب” إلى أن ذكر ابن سودون فى هذه الوصية، أنواع الحلوى المعروفة فى عصره، ومن شدة تعلّقه بها طلب من أهله بعد موته أن يكفّنوه بالكنافة ويجعلوا السكر حنوطا له، ويلفونه بحلوى البانيد أو الفانيد وهى حلوى بيضاء ويصنعوا له نعشا من فطائر المنفوش ويدفنوه فى القطائف واٍن تكرموا يدفنوا معه الموز والعسل المصرى، ويقول ابن سودون عن بائع الحلوى للأطفال في نهار رمضان:
ورأيت فى الصوم قنيفد = من عجين وهو أُصَيّفَر
وهو مع بياع ينادى = الحلاوه يا صُغَيّر
فانغلبت انا كمنّى = جا الصيام وانا كُبَيّر
رأى ابن سودون بائع الحلوى ينادي في نهار رمضان على الأطفال في الحارة ويعرض عليهم شراء قطعة من الحلوى على شكل قنفذ أصفر، فشعر ابن سودون بالأسى لأنه ليس طفلا من مؤلاء الأطفال الذين يأكلون الحلوى في نهار رمضان.
ومن الطريف أن المصريين في العصر المملوكي كانوا يستحضرون صورة الطعام الذي يحبه الحاكم في نقدهم السياسي، ومن أمثلة ذلك أنهم أطلقوا على الأمير طشتمر حاكم القاهرة اسم "حمص أخضر" لأنه كان يحب أكل الحمص الأخضر، وألف أحد شعراء العامية هذا المربع الشعري في هجاء الأمير طشتمر سنة 743هجرية:
لمّا رجعت اٍلينا = من بعد ذا البعد والبين
خلناك تحنو علينا = يا حمص اخضر بقلبين 13
التورية اللفظية الطريفة فى كلمة قلبين حيث أن حبّة الحمّص تتكون من فلقتين أو جزئين تحت قشرتها سمّاهما الشاعر قلبين تندرا وسخرية من الأمير طشتمر، ولم يطلق ابن اٍياس تسمية "فن الواو" على هذا النوع من المربعات الشعرية وربما جاءت هذه التسمية فى وقت لاحق، وقد ورد هذا المربع في "بدائع الزهور في وقائع الدهور" للمؤرخ ابن اٍياس، ولم يصنّفه هو أو غيره من المؤرخين أو الباحثين على أنه مربع واو، وقمت بتصنيفه واعتبار أنه شاهد شعري على نشأة فن الواو في العصر المملوكي في كتابي "عن تحولات الشعر العامي بين التراث والمعاصرة".
ومن أشهر الشعراء المصريين الذين تحدثوا عن الطعام في شعرهم الساخر في العصر العثماني الشيخ عامر الأنبوطى الذى توفيَّ سنة 1173 هجرية / 1755م، وقد قال عنه الجبرتي في "عجائب الآثار في التراجم والأخبار" ج1 ص248: (الشيخ الصالح اللبيب الناظم الناثر عامر الأنبوطي شاعر مقلق هجاء لهيب شراره محرق، كان يأتي من بلده ليزور العلماء والأعيان، وكلما رأى قصيدة سائرة قلبها وزنا وقافية اٍلى الهزل والطبيخ، وكانوا يتحامون عن ذلك وكان الشيخ الشبراوي يكرمه ويكسبه ويقول له يا شيخ عامر لا تزفّر قصيدتي الفلانية وهذه جائزتك وكذلك الشيخ الحنفي.. ومن كلامه على وزن كلام ابن عروس:
أكلك من الضأن رطلين = يزيد قلبك نفاسه
وابعد عن الكشك يا زين = دا الأكل منه تعاسه
وأيضا:
يا طابخ الضأن اشتد = واغرف أوانى وسيعه
عامر أتى لك وله يد = فى الأكل دايما سريعه
وأيضا:
العدس والكشك والفول = الأكل منهم شماته
يصبّحوا الشاب مخبول = قطعوا الجميع بالثلاثه